Menu

وعد بلفور جديد على الطريقة الترامبية

نعيم إبراهيم

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

تساءل صحفي من غزة: ماذا يُخبِّئ القرار 2803 لقطاع غزة؟

الإجابة ليست بحاجة إلى كبير عناء للوصول إليها مع ما يجري على الأرض من حرب إبادة تستهدف أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، كما هو الحال في الضفة الغربية. وحرب الإبادة هذه مستمرة منذ العام 1948 ضد الشعب الفلسطيني.

 

ما يجري راهناً يمثل قناعاً جديداً لسيطرة العدو الصهيوني على كامل فلسطين التاريخية، ويؤكد أن قرار مجلس الأمن الدولي (2803) بشأن غزة هو وعد بلفور جديد على الطريقة الترامبية، رغم أنه يقدم نفسه كاستجابة دولية متوازنة لما بعد حرب الإبادة على القطاع، وكأنه حصيلة إجماع عالمي على "إنهاء نزاع" أنهك الجميع. غير أن بنيته الداخلية تكشف عن محاولة منظمة لتحويل عجز الاحتلال عن تحقيق أهداف الحرب عسكرياً إلى إنجاز سياسي-أمني عبر مسار دولي مغلف بخطاب "السلام والازدهار" و"إعادة الإعمار".

 

فالقرار ينطلق من تشخيص "الحالة" في قطاع غزة بوصفها تهديداً لـ"السلم في المنطقة وأمن الدول المجاورة"، في محاولة لإعادة إنتاج الدعاية الصهيونية - الغربية التي تختزل جوهر الصراع من واقع احتلال استيطاني طويل الأمد لأرض وشعب، إلى "حالة تهديد" صادرة عن قطاع صغير ينبغي ضبطه أمنياً. ومن هذا التشخيص ينتقل القرار إلى ما يسميه "الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة"، حيث إن اختيار كلمة "النزاع" بدلاً من الاحتلال أو الاستعمار يعيد تسويق الدعاية ذاتها التي تصور المشكلة كـ "صراع" بين طرفين متماثلين، لا كبنية استعمارية مفروضة بالقوة على الشعب الفلسطيني. ولذلك فإن الاستقرار الذي يقترحه القرار ليس استقراراً عادلاً، بل هدوءاً مفروضاً بقوة السلاح والمال.

 

المعطيات الحالية على الصعد كافة تفتح باب التساؤلات حول الدور المحتمل لبعض الرسميات في حماية رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو دبلوماسياً، أو في إدارة ملف "اليوم التالي لغزة" من خلف الستار، لمتابعة مراحل حرب الإبادة.

 

في هذا المسار تأتي اللقاءات المتكررة بين عديد من القادة والمسؤولين في المنطقة والعالم مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير حول خطة "اليوم التالي لغزة"، بما يشمل بحث إنشاء "مجلس السلام الدولي" بدعم من الرئيس دونالد ترامب، وكلهم حقيقة مشاركون فعلياً في إدارة الحرب من وراء الكواليس، تزامناً مع تصاعد الاتهامات الدولية للكيان الصهيوني بارتكاب جرائم حرب، ومع تحركات داخل المحكمة الجنائية الدولية تمهيداً لإصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ومسؤولين صهاينة كبار.

 

عشرون بنداً هي تعداد خطة ترامب حول مستقبل غزة، تستكمل دورة التاريخ الموسوم بالاستعمار والاحتلال والانتداب، كقدر يطوق الشعب الفلسطيني سنوات عمره وحياته. وفي لعبة الأطماع الدولية تتشارك القوى العالمية تحت مسمّيات مختلفة، لها ذات الطابع الذي كان سائداً في زمن بريطانيا الانتدابية. فبين المندوب السامي الذي صار اسمه رئيس مجلس السلام، والبوليس الدولي الذي صار اسمُه قوة التدخل الدولي، وبين الخط الأزرق الذي صار أصفر وأحمر وأخضر، وفي مشاريع القسمة الدائمة بين غزة والضفة و القدس ، ضمن كل التفاهمات والمشاريع الدولية المقصودة. وعلى هذا النحو المقيت يرسم مستقبل فلسطين والحقوق المشروعة لشعبها ومسألتها الوطنية عبر بوابة غزة هذه المرة، وبعدها الضفة الغربية.

 

عامان من الإجرام والإرهاب والإبادة لم يشر لها وعد ترامب، ولم يتهم صراحة قادة كيان الاحتلال الصهيوني، ولم يدعُ إلى محاسبتهم أمام القضاء الدولي. بل على العكس من ذلك، تهدف الخطة الأمريكية إلى رسم حدود واضحة لمناطق السيطرة، بحيث تكون مناطق حركة حماس باللون الأحمر، ومناطق جيش الاحتلال الصهيوني باللون الأخضر، على أن تتقلص مناطق سيطرة حماس تدريجياً، مما يفتح الباب لاحقاً لنشر قوة دولية بتفويض من مجلس الأمن، إلى جانب شرطة فلسطينية محلية. وخلال المرحلة الانتقالية، تشرف "هيئة السلام" المقترحة ضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإدارة المدنية وإعادة الإعمار، ما يؤكد أن ما يجري هو محاولة فرض وصاية دولية تهدف إلى فصل غزة عن الشعب الفلسطيني، ومنع الفلسطينيين من مقاومة الاحتلال وإدارة مصيرهم، عبر مساعدة نتنياهو في مواصلة حرب الإبادة، وبحث ترامب عن الاستثمار، كما يقول محللون.

 

هنا لا بد من الإشارة إلى أن نتنياهو قرر تشكيل مجلس أمني مصغر جديد، ضم في عضويته وزراء الأمن إيتمار بن غفير، والمالية بتسلئيل سموتريتش، والخارجية جدعون ساعر، وهم من أشد مناهضي وقف الحرب، ويتحدثون صراحة عن الاستيطان و"إسرائيل الكبرى". وبعد هذا التشكيل، قال ساعر: "إن إسرائيل منحت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة فرصة حقيقية عبر الدبلوماسية، وإن فشل مواصلة تنفيذ الاتفاق سيسمح لإسرائيل بالتحرك عسكرياً مع شرعية دولية أوسع بكثير". علماً أن الحرب لم تتوقف في غزة، كما لم يتوقف القتل والضم في الضفة، حيث لا تزال الولايات المتحدة مهتمة ببحث استثماراتها المستقبلية في غزة أكثر من اهتمامها بوقف القتل والتدمير، لدرجة أن القاعدة الجديدة التي أنشأتها لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار أصبحت في خدمة العدوان الصهيوني.

 

إن القرار الأممي، الذي يحمل رقم 2803، ورحب بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 بنداً والصادرة في 29 سبتمبر/ أيلول 2025، يمثل شكلاً من أشكال الشراكة الدولية العميقة في حرب الإبادة التي يشنّها الاحتلال على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولم يدعُ إلى إنهاء الاحتلال، ونظام الأبارتهايد والتمييز العنصري، وتلبية حق العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني، ويُعمّق الفصل بين الضفة والقطاع، ويستهدف وكالة الأونروا ودورها التاريخي ومسؤوليتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين، الذي يُمثّل آخر أشكال التعبير المتبقية عن الالتزام الدولي تجاه قضيتهم، وفق ما أكدت فصائل فلسطينية.

 

ختاماً، أحيل أبناء الشعب الفلسطيني وكل الفصائل والقوى الفلسطينية والمجتمع الدولي إلى ما قاله وزير الطاقة الصهيوني وعضو المجلس الوزاري الأمني المصغر "الكابينت" من حزب "الليكود" إيلي كوهين: إنه لا حاجة إلى إقامة دولة للفلسطينيين، حيث إن لديهم الأردن الذي يشكلون فيه أغلبية السكان.

وأضاف: "هناك بالفعل دولة ذات أغلبية فلسطينية، وهذه الدولة هي الأردن، لن نُعرّض دولة إسرائيل للخطر".

 

إن قراءة متفحصة لما بين سطور هذا التصريح ومثيلاته تؤكد الأهداف المرحلية والاستراتيجية لخطة ترامب (وعد بلفور الترامبي). وحتى لا يكون الشعب الفلسطيني أمام نكبة جديدة، فإن التشبث بالأرض ليس ضرباً من الخيال، بل هو خيار قابل للتحقيق عندما يتوفر الحد الأدنى من المقاومة بكل أشكالها والبقاء والأمان. فغزة لا تريد أن تُهجّر، غزة تريد أن تحيا وتقاوم، وشعب فلسطين له الحق في تقرير مصيره وتجسيد دولته المستقلة على كامل التراب الوطني الفلسطيني بعد تحريره، باعتباره حقاً غير قابل للتصرف، ولا يخضع لأي شروط أو تحفظ، وغير قابل للمساومة أو التفاوض، تكريساً لمعادلة "ما أُخِذَ بالقوة لا يسترد بغيرها".