Menu

جغرافيا المتغيرات: دمشق تعيد ترتيب أولوياتها في لحظة دولية فارقة

عزيز موسى

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

شكّلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن تحولاً عميقاً في مسار السياسة الخارجية السورية، التي اعتادت لعقود إبقاء علاقاتها محددة ضمن دائرة التركيز على الشرق دون انفتاح فاعل على الغرب أو التعاطي معه على أساس المصلحة والمنافع المتبادلة، و بالنزوع إلى التحالفات المغلقة أكثر من الانفتاح المرن، ولعلّ المفارقة الأبرز أن دمشق، تًعيد اليوم ترتيب أولوياتها في لحظة دولية مضطربة، وفي توقيت يعكس استعداداً لإعادة صياغة موقعها في الخريطة الإقليمية والدولية.

هذه الزيارة التي يمكن أن تعبّر عن نقطة تحوّل في مقاربة سوريا لمصالحها على أكثر من صعيد، في الوقت ذاته تفتح الباب أما اختبار لمدى قدرة دمشق على موازنة هذه المصالح بالتنويع في علاقاتها وشراكاتها وفق مبدأ المصالح المتبادلة ونسج علاقات مبنية على الاحترام المتبادل.

 

معادلة واشنطن – دمشق

سبق الزيارة مشروع قرار أمريكي تم تقديمه إلى مجلس الأمن لرفع عقوبات الأمم المتحدة عن كل من الرئيس أحمد الشرع و وزير الداخلية السوري أنس خطاب، والتي تم التصويت عليها ب 14 صوتاً مع امتناع الصين عن التصويت، في خطوة مثّلت انفتاحاً أميركياً نحو سوريا مدفوعاً بحسابات سياسية وأمنية دقيقة ترتبط بما سبقها من خطوات قامت بها واشنطن في إصدار الرئيس ترامب أوامر تنفيذية تتعلق بإلغاء الصادرة عن البيت الأبيض .

الهدف الأساسي من هذه الزيارة إعادة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة والعمل على رفع عقوبات ( قانون قيصر) الذي يتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي، إذ جاء اللقاء بين الرئيس الشرع والرئيس ترامب إضافة لعدد من المسؤولين الأميركيين وأعضاء الكونغرس ليذلل العقبات في هذا المسار الطويل وما يتطلبه من إجراءات، إلا أن ما يحكم التقدم في هذا الملف هو طبيعة الشروط الأميركية المطلوبة من الإدارة السورية والتي تركز على التوصل إلى تطبيع العلاقات بين سوريا و"إسرائيل"، والانخراط في عملية مكافحة الإرهاب ومعالجة ملف المقاتلين الأجانب، وإعادة هيكلة آليات الحكم عبر عملية تشاركية تضمن حضوراً فعلياً لجميع المكونات، وتقدّم نموذجاً مقبولاً دولياً.

هذه الشروط التي تًمثل خارطة الطريق أمام بناء العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة، التي بدأت فيها الإدارة السورية بشكل فعلي بدءاً من عقد لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين بوساطة أميركية وصولاً إلى الإعلان عن الانضمام للتحالف الدولي لمكافحة "داعش" تحت إطار " التعاون السياسي".

 

توازنات معقّدة بين القوى

تُدرك الإدارة السورية ثقل هذه الملفات والشروط المطلوبة ضمن بيئة تتسم بالتعقيدات والتشابكات، إلّا أن الأهم هو قدرة دمشق على تحقيق التوازن في علاقاتها مع القوى الكبرى والأطراف الفاعلة بما يحقق مصالحها وأهدافها، فالعلاقات التي كانت تربط كلاً من دمشق وموسكو تراجعت بعد سقوط النظام السوري السابق على الرغم من زيارة الرئيس الشرع لموسكو ولقائه بالرئيس بوتين، إلاّ أن معادلات الأمن والسياسة ظلت ضمن حدودها المؤطرة في العلاقات التي تحكم الطرفين.

فمن جهة لا بد من إدراك ضرورة التنوع في العلاقات التي تربط سوريا مع الدول والقوى الأخرى، لكن دون أن تحمل هذه العلاقات طابعاً نديّاً قد يقوم على الاختلاف العميق في المصالح أو يتسم بالتبعية، ومن جهة أخرى تدرك موسكو ضرورة إبقاء العلاقات مع سوريا نظراً لأهميتها الجيوسياسية في المنظور الاستراتيجي الروسي في ظل وجود قاعدتين عسكريتين روسيتين في كل من طرطوس واللاذقية، والسعي لأن تقدم موسكو نفسها كضامن أمني في مناطق الجنوب السوري بفعل علاقاتها مع إسرائيل في ظل التوغلات الإسرائيلية المستمرة وغياب قدرة الإدارة السورية على ردعها والسعي الإسرائيلي إلى ما هو أبعد من توقيع مجرد اتفاق أمني مع دمشق، في محاولة تتجه من خلالها موسكو لإعادة نفوذها في سوريا في ظل تصاعد الدور الأمريكي ومحوريته.

من جهة أخرى ترى الإدارة السورية إمكانية إعادة ترتيب علاقاتها مع الصين لا سيما فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي والعمل على استثمار القدرات الصينية في عملية الإعمار والبناء، إلا ان الصين ترى في سوريا فرصة وتهديداً في آن معاً، فرصة على صعيد البيئة الاستثمارية الخصبة التي تحقق مصالح متعددة باعتبارها جزءاً أساسياً من مبادرة "الحزام والطريق" ونقطة ارتكاز في مشروع الصين الجيوسياسي، ومن ناحية أخرى وجود تهديد أمني مستقبلي في سوريا يتمثل بعناصر الحزب الإسلامي التركستاني وبالتحديد " المقاتلين الإيغور".

هذا ما يفسر امتناع الصين عن التصويت لصالح القرار الأمريكي في مجلس الأمن فيما يخص رفع العقوبات الأممية عن الرئيس الشرع والوزير أنس خطاب، وهو ما يمكن اعتباره إشارة إيجابية يمكن البناء عليها من قبل دمشق بتقديم ضمانات أمنية حقيقية للصين وهو أحد أهم الملفات التي تم بحثها في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبكين في 17 تشرين الثاني، وهو مايعدّ تحدياً مركباً بين التعامل مع الفصائل الأجنبية من جهة، والقدرة على الالتزام بضمانات أمنية بألّا تكون سوريا مصدراً لتهديد أي دولة في العالم.

تطرأ أيضاً العلاقة مع الدول الأوروبية التي تأخذ في سياستها نحو دمشق إطارا للتعامل الحذر القائم على الالتزام بالوعود، فالإدارة السورية ترتبط مع دول أوروبا بعدة ملفات أساسية أهمها الدعم الدولي، وقضية اللاجئين السوريين وهو ما يدفع دمشق لضرورة لاهتمام بهذه العلاقات من منطلق المصلحة الوطنية العليا وضرورة صياغتها وفق أسس واضحة وعملية.

 

هوامش الحركة وحدود الاصطفاف

تتباين المصالح بين القوى الفاعلة والمؤثرة في الملف السوري، مما يفرض بدوره هامشاً محدوداً من الحركة السياسية التي يمكن للإدارة السورية التعامل معها، والتنبّه نحو عدم الانزلاق إلى موقع الطرف المُستَخدَم في تنافس القوى، إلا أنه يمكن لسوريا إدارة تباينات المصالح الدولية من خلال تبني مقاربة عقلانية قائمة على التواصل البنّاء، تعطي الأولوية للاستثمار المستدام كرافعة لتعزيز موقعها الجيوسياسي، ويتطلب ذلك صياغة معادلة توازن دقيقة بين اعتبارات السياسة والاقتصاد، بما يسمح بالحفاظ على مسافة واحدة من مختلف الفاعلين الدوليين.

على المستوى الأمني والعسكري، يمكن لدمشق استمرار التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة في الملفات الحساسة المرتبطة بمكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني والاستفادة من النفوذ الأمريكي، خاصة أن واشنطن تدفع باتجاه توقيع اتفاق أمني قد يمهّد لتطبيع بين سوريا و "إسرائيل" إلا أن هذا ما يزال مرهوناً برفض الأخيرة لهذا التقارب واستثمار عامل "فائض القوة" لهندسة الإقليم وفق رؤيتها، ، إلى جانب تحسين البيئة الاقتصادية الداخلية بما يسمح بتخفيف الضغوط المرتبطة بالعقوبات والاستفادة من استثمارات الشركات الأمريكية في مجالات الطاقة والصناعة، كما يشكل فتح قنوات اتصال نشطة مع المؤسسات الدولية والغربية بدعم أميركي خطوة مهمة نحو إعادة إدماج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي، في المقابل يتيح تعميق الشراكة مع الصين تطوير علاقات اقتصادية وبنى تحتية أكثر استدامة، عبر الانخراط في مشاريع التكنولوجيا والنقل والطاقة المتجددة بما يعزز القدرة الإنتاجية للبلاد.

إن قدرة سوريا على تحقيق التوازن في العلاقات مع القوى الكبرى دون الاندفاع نحو اصطفاف كامل، يمثّل تطبيقاً لسياسة "الباب المفتوح" القائمة على التنويع والشراكة المرنة، وهي سياسة تسمح لسوريا بحماية مصالحها الاستراتيجية دون الانجرار إلى تحالفات جامدة قد تفضي إلى توترات إضافية، هذه المقاربة تمنح الدولة قدرة أعلى على المناورة، وتوفر نموذجًا واقعيًا لإدارة العلاقات الدولية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.