الصك، لفظة تعني الوثيقة أو الإقرار المالي ونحوه، والصك تشير عادة إلى مثال مطبوع لغرض معيّن يستخدمه صاحب الوديعة أو صاحب الحساب الجاري في المصرف للأمر بصرف المبلغ المحرر به. ولقد شاع استعمال هذه اللفظة سياسياً منذ العشرينيات للدلالة على الوثيقة المتضمنة نص نظام الانتداب على فلسطين فقيل صك الانتداب وهو الذي أقرته عصبة الأمم وصادقت عليه رسمياً في 24 تموز (يوليو) 1922 م.
المارشال « سمطس «:
الانتداب: كما نصّ عليه ميثاق عصبة الأمم، هو تكليف دولة – تدعى الدولة المنتدبة – مساعدة البلدان الضعيفة المتأخرة على النهوض، وتدريبها على الحكم حتى تصبح قادرة على أن تستقل وتحكم نفسها بنفسها.
تعود فكرة الانتداب إلى المارشال «سمطس» الذي مثّل جنوب أفريقيا في لندن. وفي خطاب كان ألقاه في أواخر الحرب العالمية الأولى تعقيباً على إعلان الرئيس الأمريكي وودرو توماس ولسن (1856- 1924) ومبادئه الأربعة عشر التي شجب فيها الاحتلال والاستعمار.
لقد وجدت الدولتان الغربيتان فرنسا وبريطانيا في هذه الفكرة ضالتها المنشودة لتغليف مطامعها بهذا القالب الجديد الذي أتاح لهما احتلال الأقطار العربية المنفصلة عن الدولة العثمانية بحجة الوصاية على شعوبها، إذ إن الانتداب كان قد بدأ منذ أول عهده بشكل الوصاية أو الحماية الملقاة على الشعوب المتخلفة في مضمار الحضارة.
كان لا بد لهذه الفكرة من أن تتجلى في وثيقة أساسية تاريخية، كالميثاق الذي نشأت عصبة الأمم على أساسه وقد نصّ هذا الميثاق – ميثاق عصبة الأمـم – في مبـادئه الاثنين والعشـرين على أن البلدان التي كانت خاضعة للدول الوسـطى وحلفائها، والتي لم تبلغ بعد المسـتوى الذي يمكنها من ممارسـة اسـتقلالها، يجـب أن توضع تحت انـتداب إحـدى الـدول الكــبرى، علـى أن تمـارس الدولة المعـنية هذه الوصاية بوصـفها منـتدبة من جمـعية – عصـبة الأمـم – وباسـمها.
تطبيقاً لهذا المبدأ وزعت الانتدابات المنوي إنشاؤها إلى ثلاثة أنواع (أ ، ب ، ج) فالانتداب (أ) وهو النوع الأسمى تناول الأقطار العربية المنسلخة عن الحكم العثماني، والانتدابان الآخران (ب،ج) تعلقا بمستعمرات ألمانيا السابقة في أفريقيا والشرق الأقصى.
هذا وقد جاء الانتداب بشكل تصريح في لندن عن الدول المتحالفة في 24 تموز (يوليو) 1922 فتضمن هذا التصريح المبادئ الأساسية التي تقوم عليها ممارسة فرنسا للانتداب – على لبنان – أسوة بالتصريح الذي صدر في الوقت ذاته لمصلحة بريطانيا بما يتعلق بانتدابها على فلسطين.
ولقد نصّت مواثيق عصبة الأمم على أن الانتداب ينتهي إما بحصول الإقليم المنتدب عليه على استقلاله، وإما بتنازل الدولة المنتدبة عن مهمة الانتداب، وإما بإقالة الدولة المنتدبة وإعفائها من مهمتها من قبل مجلس العصبة.
اتفق الشُرَّاح غير المتحيزين على أن نظام الانتداب إنما كان ستاراً لرغبة الحلفاء في السيطرة على تلك الأقاليم، وأن رقابة عصبة الأمم على تنفيذ الدول المنتدبة لالتزامها كانت رقابة اسمية.
كان مقر العصبة مدينة جنيف في سويسرا، وكان أول مستر(سكرتير) عام لها هو سير أريك دراموند البريطاني الذي استقال سنة 1933 وخلفه جوزيف أفيتول الفرنسي.
عندما دخلت بريطانيا فلسطين مع جيوش الحلفاء سنة 1917م وأتمّت احتلال فلسطين كاملة سنة 1918 كانت نسبة اليهود في فلسطين إلى السكان العرب 8 في المئة وكانوا يملكون ما نسبته 2.5 في المئة من مساحة أرض فلسطين فلقد كان عدد اليهود في فلسطين 56 ألفاً من مجموع 700.000 نسمة منهم 644.000 نسمة من العرب (547.000مسلم و 70.000 مسيحي) و 56.000 يهودي.
(الوطن القومي اليهودي) عبارة دخلت لغة السياسة البريطانية الاستعمارية منذ صدور تصريح بلفور في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1917 الذي وجّهه وزير الخارجية البريطاني اللورد جيمس آرثر بلفور (1848- 1930) إلى اللورد روتشيلد على صورة رسالة أعربت فيها الحكومة البريطانية عن عطفها على تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وأكدت استعدادها لبذل قصارى جهودها من أجل تحقيق هذه الغاية، وخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين (1918 – 1948)..
تصريح بلفور:
ترأس اللورد روتشيلد اللجنة الصهيونية في لندن التي ألغيت بعد صدور تصريح بلفور لجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود وكان ذلك عاملاً هاماً في تشريد سكانها العرب ومصادرة أملاكهم.
وكانت سياسة (الوطن القومي اليهودي) تعني المضي بغاية الجد في ترسيخ الوجود اليهودي الصهيوني في فلسطين الإسلامية العربية لكي يتسنى للاستعمار والاستيطان اليهودي توطيد دعائمه والاستيلاء على المواقع التي تتيح له تهويد فلسطين بكاملها والتخلص من الأكثرية بشتى الوسائل والدسائس مما أدى إلى اغتصاب فلسطين وطرد أهلها منها، وقيام ما يسمى دولة إسرائيل الغادرة.
»إسرائيل» وتواجدها غير الشرعي تطلّب منها الكثير من الحروب لكي تستمر، وهي إلى هذه اللحظة تعمل بمقتضى الوصية التي تركها أول رئيس وزراء صهيوني بن غوريون عندما قال: «يجب على إسرائيل أن تشن حرباً على جيرانها بين الفينة والأخرى للوقوف على نوعية تسليحهم ولإضعافهم وإدخال الرعب في نفوسهم قبل أن يفكروا بمهاجمتها أو بمجرد التفكير بالوحدة لمقارعتها مجتمعين«
يستكمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المشروع الصهيوني بالكثير من الإجراءات التعسفية التي تعطي الكيان الصهيوني امتيازات ما كان يحلم بها لولا هذا الرئيس المعتوه الذي أقدم على إطلاق ما يسمّى (صفقة القرن) مانحاً إسرائيل 75 في المئة من الأرض وما تبقى كانتونات مغلقة شبيهة بنظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا ومن ثم الاحتلال بالكامل وإنهاء باب التفاوض وحلم الفلسطينيين بدولة وعاصمتها القدس الشريف.
القرار 2803 الذي اعتمد مساء الإثنين 17/11/2025، وتبنى خطة ترامب للسلام في غزة، من أخطر وأعقد وأخبث القرارات التي اعتمدها مجلس الأمن في تاريخه. يذكرنا بالقرار 687 (1991) الذي اعتمد بعد حرب تحرير الكويت وفرض عقوبات على العراق شملت نزع أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة أصلاً، وسُمي يومها “أم القرارات”.
وجد ما يسمى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بالقرار طوق نجاة وهدية ثمينة قدمها الرئيس الأمريكي ترامب، وذلك مع الزخم العالمي وتعاطفه مع القضية الفلسطينية، وفرض العزلة شبه الكاملة على الكيان، وتحريك المحاكم الدولية والمطالبة بالمحاسبة، إذ إن القرار تجاهل حرب الإبادة، وتقرير المصير، وما عجزت إسرائيل عن تحقيقه بالحرب، يمكنها من خلاله وللأسف بإجماع المصوتين عدا روسيا والصين وتحفظهما على الغموض والخبث، تحقيق الأهداف المعلنة مع بداية الحرب في السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 .
الحكومة الصهيونية الفاشية تنفست الصُعداء حيال الإقرار بالقرار الظالم، وبدلاً من الحديث عن آلام الشعب العربي الفلسطيني المكلوم وما ألم به في القطاع من اعتداءات قطعان المستوطنين في الضفة الغربية، واستباحة شبه يومية للمقدسات الإسلامية واقتحامات، تتهكم الحكومة الفاشية على السلطة الفلسطينية وتتهمها بعدم الأهلية وتطالبها بالإصلاح شريطة أن تتسلم مهامها في القطاع، ويزيد من السخرية نتنياهو بقوله: السلطة الفلسطينية حين تصبح كدولة السويد، يمكن الحديث معها والوثوق بها، في دلالة من وجهة النظر الصهيونية باستحالة إصلاح السلطة .
القرار الظالم أزاح الضغط عن الكيان الصهيوني، وربما يعيد أغلبية المتضامنين إلى بيوتهم، ولم يعد أحد يتذكر المحكمة الجنائية الدولية، أو محكمة العدل الدولية أو جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها في قطاع غزة. بدأت «إسرائيل» تفك من عزلتها من جهة، ومن جهة أخرى توسع عدوانها على لبنان وسوريا و اليمن وقريبا ستستأنف الحرب على إيران. أما ما يجري في الضفة الغربية وإطلاق أيادي المستوطنين، فسيتفاقم بعد أن تفرغ الجيش والأمن والطبقة السياسية لتعزيز ضم ما تبقى من الضفة الغربية. وهل إشارة القرار إلى مشروع ترامب للسلام عام 2020، أو ما سمي بصفقة القرن عبثا؟
هذه التحولات في القضية الفلسطينية من الصك إلى «مجلس السلام» بقيادة ترمب، يرافقها أو يسير معها التصميم الفلسطيني على نيل حريته والتخلص نهائياً من ربقة الاحتلال البغيض، إذ إن هناك قاعدة ذهبية داخل الفهم العميق لميكانيكا الكم القرآنية العجيبة، قانون خارق يربض مبيتاً داخل المنظومات أساسه: أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا . الحق الفلسطيني ساطع سطوع الشمس في كبد السماء وإدراك ما يجري من تحولات داخل الولايات المتحدة وإجماع الرأي العام وخصوصا ً الشباب ووقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني ضد الممارسات الوحشية الصهيونية، وانتصار زهران ممداني كعمدة لمدينة نيويورك مؤشر كبير لهذه التحولات وانعكاس لضعف الرواية الصهيونية التي سيطرت لعقود في عقول الأمريكيين ودفعهم لدفع الضرائب بشكل أعمى وغير مفهوم.. أما اليوم فالعالم تقريبا ً إلى جانب القضية الفلسطينية العادلة.

