ما يجري في غزة اليوم ليس كارثه طبيعيه بل قتل بوسائل غير مباشرة، تُدار تحت غطاء «وقف إطلاق النار». فحين يُترك الأطفال ليموتوا بردًا، وتُمنع الخيام، وتُحاصَر مواد الإيواء، ويُغلَق الباب أمام المساعدات رغم العلم المسبق بالنتائج، نكون أمام جريمة مكتملة الأركان، لا حادثًا عرضيًا ولا كارثة تغيرات بيئية.
إن غياب القصف لا يعني السلام، ولا يعفي قوة الاحتلال من مسؤولياتها القانونية. فدولة الكيان، بصفتها قوة احتلال، تواصل انتهاك التزاماتها الجوهرية بموجب القانون الدولي الإنساني، عبر فرض ظروف معيشية قاتلة على سكان مدنيين محاصرين، في سلوك يرقى إلى جرائم حرب، و تعريف الإبادة الجماعية.
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، منعت دولة الاحتلال إدخال مستلزمات الإيواء الأساسية، وعرقلت وصول المساعدات الإنسانية، وقيّدت إصلاح البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، رغم الدمار شبه الكامل الذي لحق بالقطاع. هذه ليست «قيودًا أمنية»، بل قرارات سياسية واعية، تُتَّخذ مع إدراك كامل بأن نتيجتها الحتمية هي موت المدنيين، وبخاصة الأطفال.
الأمطار التي أغرقت مخيمات النزوح، والمباني التي انهارت فوق ساكنيها، لم تكن السبب، بل الوسيلة، في مقتل الرُّضَّع. السبب هو عدم ادخال المساعدات والأدوات لمنعها او لتقليل آثارها. وقد أكدت منظمة العفو الدولية أن الوفيات الأخيرة «كان من الممكن منعها بالكامل». وهذا توصيف قانوني مباشر: حين يكون المنع متعمَّدًا، تصبح الوفاة منسوبة إلى من فرض المنع، لا إلى الطبيعة.
ورغم صدور رأي استشاري واضح عن محكمة العدل الدولية، وقرارات صريحة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تطالب دولة الكيان بضمان وصول المساعدات دون عوائق، استمر الحصار، واستمر القتل بعد «الهدنة»، بما في ذلك مقتل وإصابة أكثر من 1400 فلسطيني منذ سريان ما يُسمّى وقف إطلاق النار. هذا السلوك لا يُشكّل خرقًا عارضًا، بل نمطًا ثابتًا من عدم الامتثال، يُفرغ القانون الدولي من مضمونه.
على الأرض، الواقع لا يقبل التأويل. أكثر من 92 في المئة من مباني غزة مدمَّرة أو متضرِّرة، ونحو 58 في المئة من أراضيها صُنِّفت مناطق محظورة. ومع ذلك، تُمنع الأونروا من إدخال مستلزمات إيواء تكفي 1.3 مليون إنسان، وتبقى هذه المواد محتجزة خارج القطاع بقرار من دولة الاحتلال. إن هذا الاحتجاز، وتجاهل تحذير من قبل الأنروا قبل اكثر من شهر بأخطار موسم الأمطار والبرد القارس و الانهيارات، يرقى إلى تعمُّد فرض ظروف معيشية قاتلة.
لقد استخدمت دولة الكيان التجويع سلاحًا للحرب، في انتهاك فاضح للقانون الدولي. واليوم، تترك الطبيعة لتؤدي وظيفة القنبلة. تغيّرت الوسيلة، لكن النتيجة واحدة: موت وتجويع.
وتوثّق المنظمات الحقوقية انهيارات مميتة في جباليا، والرمال، والشيخ رضوان، ومخيم الشاطئ. أطفال نجوا من القصف على مدى عامين من الاباده، ليُقتلوا تحت أنقاض منازلهم المتصدّعة، بعدما مُنع عنهم البديل الآمن. هذه الوقائع تُثبت عنصر القصد، أو على الأقل القبول الواعي بالنتيجة، وهو ما يكفي قانونيًا لإثبات المسؤولية الجنائية.
إن المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لا تقتصر على القتل المباشر، بل تشمل «فرض ظروف معيشية يُقصَد بها إهلاك جماعة سكانية كليًا أو جزئيًا». وحين يُمنع المأوى، ويُترك الأطفال للموت بردًا، ويُحاصَر المدنيون مع العلم المسبق بالعواقب، يصبح القصد مستدلًا عليه من السياق والنمط، لا من التصريحات.
ولا يمكن فصل ما يجري في غزة عمّا يحدث في الضفة الغربية المحتلة، حيث تتواصل عمليات الهدم، وتدمير المخيمات الفلسطينية، والتوسّع الاستيطاني، والتهجير القسري. في الحالتين، العدو واحد يستخدم أدوات مختلفة لتحقيق الهدف ذاته: تقليص الوجود الفلسطيني وإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بالقوة.
«السلام» الذي يُروَّج له بينما يموت الأطفال جوعًا وبردًا ليس سلامًا، بل تلاعب خطير بالمفاهيم القانونية والأخلاقية. فالقانون الدولي لا يقيس السلام بغياب القصف، بل بحماية الحياة المدنية. وأي هدنة لا تضمن الغذاء، والمأوى، والرعاية الطبية، والبنية التحتية الأساسية، ليست سوى إطار لإدامة الجريمة بأدوات أقل صخبًا.
إن الأطفال الذين يموتون بردًا في غزة لن يُسجَّلوا كضحايا كوارث إنسانية، بل كأدلة اتهام. ليس ضد الطبيعه، بل ضد قوة احتلال قررت أن تجعل الحرمان سياسة، والطبيعة شريكًا، و«وقف إطلاق النار» غطاءً لإبادة تُدار بوسائل أخرى.

