كنت تعلم أنك راحل ذات يوم، وكنا نعلم أننا سنفتقد رمزا إعلاميا نضاليا جماهيريا، وأيقونة فريدة أحبته الجماهير وعشقوا صوته وتعابيره وكلماته ، وعشقوا إيمانه وصبره واتزانه وفصاحته ، عشقوا كوفيته الحمراء ، عشقوا كره أعدائه له الذين كانوا ينتظرون الخبر اليقين منه.
نعم، كان فصيح اللغة بليغ التعبير ولسان صدقٍ ينطق بالإيمان صدّاح . كان صوتك معركةً يسبق معركة، كانت عيناك بحراً يروي ظمأ الناظرين المنتظرين لبشرى منك ، ومع نبرات صوتك ترقص الآمال، وتفرح القلوب لأنك لم تقل إلا ما يحزن ويخزي الأعداء. عشت عزيزا بين الثغور والجبهات. عندك تصمت الكلمات وتقف لك القامات، كنت جيشا بأكمله ، بلا نياشين أو أوسمة ، في وقت صمتت فيه جيوش العربان والغربان. كنت صوت فلسطين الهادر ،و فارس الكلمة ، وفصل الخطاب ، كنت صادقاً ما عاهدت الله عليه ، فترجّلتَ مع عائلتك وأطفالك. وحسب أعداؤك أن بقنابلهم الحرارية وسلاحهم الفتاك الذي يذيب الأجساد سينهون أسطورة أبي عبيدة؛ فَظهرْتَ لهم بذات الاسم والصورة ، وتعابير الجسد من جديد ، معاهداً على الاستمرار بالمشوار ؛ هذا وفاء اخوانك المقاومين لك ، و لتبقى رعباً متواصلاً لأعدائك ، ولتذكر الأجيال، من بعدنا، فضائلك على قضيتنا وكرامة شعبنا.
كان عصياً على الاستسلام ؛ إذ تعرّض للاغتيال ثلاث مرات ،وكان يعود في كل مرة متزناً أنيقاً وأقوى إرادة ، إذ طالما خدعهم، وظنوا أنه قد أُغْتيلَ. ورفض مراراً إغراءات العدو بضمان خروجه من غزة التي احتضنته ، لذلك اعتبر قادة الكيان اغتياله إنجازاً عسكرياً كبيراً.
لقد كان منظومةً إعلاميةً متكاملةً قاد الحرب النفسية على العدو باقتدار. كنا نرى في عيونه بحر غزة وقد عاد إليه الصيادون وقواربهم ، التي أشبعها جيش الغزاة قصفاً وتدميراً ، كنا نرى في صوته خطاب النصر، وقد اختُزِلت كل البيانات والبرامج السياسية في كل إطلالة له. كان خطابه لحظة أملٍ وترقبٍ ؛ إذ كنا نتحلق أمام شاشات التلفزة، نسمع منه ما يبعث على الأمل في الصدور، ويضيء لنا الدروب السوداء التي رسمها الإعلام المغرض المنتمي للأعداء ولسياساتهم الحاقدة، كان صوت العودة وصوت اللاجئين، وفيما بعد صوت النازحين من كل الأمكنة في قطاعنا الحبيب، كان يأتينا من بين الخيام والأنقاض وتحت الركام ، صوته الرخيم ترافق مع التاندوم والياسين، فكانا رفيقا كلماته التي أرعبت الغزاة، وأطربت المقاومين.
كنت تعلم أنك راحل ، وكم من مشهد نقلت إلينا، فشددت بها عزائمنا وحطمت غطرستهم ، كُنت معركةً طويلةً بلا أسلحة. لقد أوجعتهم كلماتك وإطلالتك ، أوجعتهم صورك وحركة إصبعك ، أرعْبتَهم في مشهد "الموت أو الأسر" ،ومشاهد تدمير دباباتهم وعربات النمر التي حطم المقاومون أنيابها ،وأفزعهم كثيراً مشاهد الفدائي الذي اعتلى الميركافا وفجرها بعبوة العمل الفدائي.
لم يفتقد كلامك وإطلالتك من عمق إيمانك بالله ، فكانت آيات القرآن تلاوةً على لسانك. أحبك الصغير والكبير. وكم تمنّى أن يظفر كل واحد فينا بصورة معك ، أو مجرد لمس كوفيتك ؛ رمز الوطن والتراث والفدائي والشهيد . كنت قمراً في ليلةٍ ظلماء. لا نبالغ حينما نقول : "ربما جئت من عهد الصحابة والصديقين" بجرأتك وشجاعتك وفصاحتك وتحديك وعنفوانك. كم كانت رجولتك تُعرّيهم ، أولئك الأقل من أنصاف الرجال ، لأنك كنت تمثل الرجولة الحقيقية في عالم الجبن والصمت والتخاذل والتعامل مع العدو. كم اتهموك بأنك تدير المعركة من خارج الوطن ، لكنك أبيت إلا أن تَخزِهم في خبر استشهادك في غزة بين أهلك وأحبابك وإخوانك المقاومين ؛
لتكشف عار كذبهم وادعائهم ، عار شماتتهم وفرحهم ، عار هؤلاء صهاينة العرب والإسلام. لم تكن يا أبا عبيدة ناطقاً باسم "كتائب القسام" فحسب، بل ناطقاً باسم الأمة و بطولاتها وأبطالها ، باسم تاريخها وأمجادها. كنت متقدماً كافة زملائك الإعلاميين: شيرين وأنس وقريقع وأبو دقة ونوفل وسلامة والغول وغيرهم. وتقدمت أيضا، الصفوف القيادية للسنوار وهنية وياسين والرنتيسي والضيف وعيسى وشبانة وسعد، وحكم ، كلهم كانوا أبطال القضية ، والإعلام جمعتهم في وطنٍ واحدٍ وموقفٍ واحدٍ. هم الذين صدقوا مع عاهدوا الله عليه، وهم الذين قضوا ، وآخرون ينتظرون.
نم هانئاً يا حذيفة الكحلوت ، هنيئاً لك ولإخوانك وعائلتك الشهادة.

