اقر انه عند سماعي للوهله الأولى باسم جيفري إبستين ونمط حياته الفاضح، تعاملت مع الأمر بوصفه نموذجًا مألوفًا لانحراف ملياردير متغطرس، مهووس جنسيًا، حيث اعتقد أن ثروته تمنحه حصانة مطلقة تتيح له استغلال القاصرات بلا مساءلة. من هذا المنطلق، استبعدتُ آنذاك ما وُصف بنظريات المؤامرة السياسية التي أحاطت بقضيته، ذلك إلى أن بدأت النقاط تتواصل، وتفرض الوقائع نفسها بلا مواربة.
الشك انهار سريعًا تحت وطأة سيل من الوثائق التي كُشف عنها لاحقًا: رسائل إلكترونية، جزيرة خاصة، سجلات رحلات جوية، وصور توثق وجود فتيات قاصرات برفقة شخصيات سياسية ومالية نافذة. هذه المعطيات لم تكشف عن مجرد انحراف جنسي، بل عن عملية منظمة تتجاوز الفرد إلى شبكة نفوذ عابرة للمؤسسات. وعند مقاربة هذه الوقائع مع التاريخ الموثق للسيطرة السرية على السياسة الأمريكية، كما ورد في كتاب "أمّة واحدة تحت الابتزاز" (One Nation Under Blackmail) تتضح الصورة كاملة.
فالكتاب، في جزأيه، يفضح كيف استخدمت شبكات من مليارديرات “إسرائيل أولًا”، وعلاقات مرتبطة بالمافيا وأجهزة استخبارات، أدوات مثل الإكراه المالي، والإيقاع بالقيادات السياسية، والابتزاز الجنسي، إلى جانب الشركات الإعلامية الموجه، لإعادة تشكيل النظام السياسي الأمريكي بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني.
لم يكن إبستين خللًا في هذا النظام. بل كان أداته التنفيذية.
لسنوات، تعمّد الإعلام الذي يُقدَّم بوصفه “حرًا”—والخاضع في بنيته وتوجهاته لنفوذ صهيوني—تسويق قضية إبستين على أنها حكاية شذوذ منفردة، شخصية منحرفة أنقذتها ثروتها من المحاسبة. لكن لم يكن هذا فشلًا مهنيًا أو تقصيرًا صحافيًا؛ بل كان تأطيرًا مقصودًا، يهدف إلى حجب الدور الحقيقي لمؤسسات وأجهزة استخبارات ونخب سياسية وفكرية تورطت أو استفادت.
هذا الاستنتاج لا يستند إلى تخمين أو استنتاج نظري، بل تؤكده شهادات الناجيات، وسجلات العلاقات، والصور، ومراسلات إبستين نفسه. وعند جمع هذه العناصر، يتكشف النمط بوضوح. لم تكن قوة إبستين كامنة في المال أو الجنس، بل في الابتزاز السياسي بوصفه أداة نفوذ.
كان إبستين يفاخر بأنه “يجمع الناس”. لكن الوصف الأدق أنه كان يجمع ملفات إدانة لأصحاب النفوذ. فأجهزة الاستخبارات لا تستقطب النخب بدافع الفضول الاجتماعي، بل لتأهيلهم للتوظيف. ولهذا الغرض، جُهِّزت منازل إبستين بكاميرات خفية لتوثيق “ضيوفه المميزين” في أوضاع فاضحة. لم يكن ذلك تلصصًا أو نزوة شخصية، بل عملية منهجية لجمع مواد ابتزاز تُستخدم لاحقًا لانتزاع النفوذ والخدمات، وضمان الإخضاع.
وعلى مدى أكثر من عقد، امتنعت الحكومة الأمريكية عن إيقاف إبستين رغم التحذيرات المبكرة. ففي عام 1996، قدّمت ماريا فارمر إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI تقارير مفصلة عن استغلال قاصرات، وسرقة صور عارية، وتهديدات مباشرة. ومع ذلك، لم يُحرّك الـFBI ساكنًا للتحقيق الجدي مع المتورطين. لم يكن هذا الصمت إهمالًا بيروقراطيًا، بل غطاءً رسميًا منح إبستين حصانة سمحت له بتوسيع شبكته داخل دوائر السلطة.
وتكرّس هذا الإفلات من العقاب بعد إدانته عام 2008. فالعقوبة الهزيلة لم تكن فشلًا قضائيًا عابرًا، بل رسالة صريحة مفادها أن إبستين فوق القانون. وقد التُقطت هذه الرسالة جيدًا داخل أوساط النفوذ التي كانت جزءًا من شبكته أو خاضعة لها.
لفهم سلوك إبستين، لا بد أولًا من فهم العقيدة العملياتية للموساد. ففي كتابه "عن طريق الخداع"، يشرح ضابط الموساد السابق فيكتور أوستروفسكي اعتماد الجهاز على ما يُعرف بـ“السيانيم”—اي متطوعون يهود غير إسرائيليين يُستخدمون كأدوات داخل مجتمعات أجنبية لأغراض الابتزاز، والتضليل، والترهيب، وتحييد المعارضين. عمليات إبستين تتطابق مع هذا النموذج تطابقًا شبه حرفي.
ممتلكاته في نيويورك، وبالم بيتش، ونيو مكسيكو، وجزيرته الخاصة، إضافة إلى طائراته، لم تكن قصور ترف، بل مصانع لإنتاج مواد الابتزاز. سياسيون، أمراء ، ممولون، أكاديميون، ومثقفون—جرى استدراجهم، تصويرهم، ثم إخضاعهم. كانت عملية نفسية محسوبة، مخططة بإحكام منذ لحظتها الأولى.
مهمة أخرى اضطلع بها إبستين تمثلت في تحييد المفكرين المعارضين من داخل النخب نفسها. إذ تُظهر رسائل إلكترونية علاقته الوثيقة بشخصيات فكرية بارزة مثل نعوم تشومسكي، أحد أبرز منتقدي السياسات الأمريكية والصهيونيه. سهّل إبستين تعارفات، وقدّم دعمًا ماليًا، وتغلغل في شبكات أكاديمية نخبوية—وهي تقنية استخباراتية كلاسيكية لإفراغ النقد من مضمونه عبر التوريط لا القمع.
ثم جاءت غيسلين ماكسويل لتُكمل الحلقة. لم تكن غيسلين مجرد صديقه لإبستين، بل ابنة روبرت ماكسويل، الذي طالما أُثيرت شبهات قوية حول علاقته الوثيقة بالموساد. وكان لماكسويل الأب دور محوري في سرقة برنامج PROMIS من وزارة العدل الأمريكية، وإعادة تعديله ببوابة خلفية مكّنت الموساد من التجسس على أجهزة استخبارات، وجيوش، وشركات حول العالم.
وعندما توفي روبرت ماكسويل في ظروف غامضة، حظي بجنازة رسمية حضرها رئيس الوزراء والرئيس الصهيوني، ودُفن في جبل الزيتون ب القدس . هذه التكريمات لا تُمنح لأغنياء رجال الأعمال اليهود، بل لمن قدّموا خدمات استثنائية للدولة.
فهل كان ظهور غيسلين ماكسويل من بريطانيا إلى قلب شبكة إبستين في امريكا محض صدفة؟ أم أنها مهمة استخباراتية؟
شهادات الناجيات تصفها بالمجنِّدة الرئيسية، التي كانت تستدرج القاصرات، وتدرّبهن، وتدير استغلالهن ضمن العملية. أما “غطاء العلاقة الرومانسية” بين إبستين وماكسويل، فلا يصمد أمام أي تمحيص عقلاني. فأي “عاشق” هذا الذي يجنّد قاصرات، ويُدرّبهن على ممارسات جنسية، ثم يقدّمهن لإرضاء الشريك وشبكة من الرجال النافذين؟
لقد شكّل جيفري إبستين وغيسلين ماكسويل ركيزتين مركزيتين في عملية ابتزاز ونفوذ منظمة، تحمل بصمات جهاز استخباراتي متطور. وهذا ما يجعل من الصعب النظر إلى إبستين كمجرد شاذ أخلاقي؛ بل كرجل يؤدي دورًا وظيفيًا رفيع المستوى ضمن منظومة استخباراتية—تتجاوز الفرد، وتكشف طبيعة السلطة حين تُدار من الظل.
يتبع:
الجزء الثاني يتناول علاقات إبستين بالموساد وصعوده داخل منظومة السلطة الأمريكية.

