الذكرى الثامنة والخمسون تأتي في ظروف استثنائية تمر بها القضية الفلسطينية مما يتطلب وقفة من التفكير والتأمل والإجابة عن: أين كنا؟ وأين نحن؟ وإلى أين نسير؟ في الإجابة على أين كنا؟
نعود إلى فكرة التحول من حركة قومية إلى حركة يسارية هذا التحول كان ضرورة فرضتها هزيمة النظام الرسمي العربي في حزيران ١٩٦٧.
هذه الهزيمة التي كانت سبباً في البحث عن كيفية ووسيلة من أجل الخروج من البطانة الفكرية والسياسية للنظام الرسمي العربي.
فكرة التحول فرضت ضرورة التحول في ثلاثة مسارات في إطار الواحد والخاص والعام. فكرة التحول من القومي إلى اليساري في ظل خصوصية الشتات الفلسطيني من حيث المكان فرضت ظروفاً استثنائية مركبة للتركيبة الاجتماعية الفلسطينية ومدى استجابتها للتحول الفكري والسياسي نتيجة للظروف السياسية التي استجدت نتيجة إعلان التحول وموقف النظام الرسمي العربي منه.
هذا الموقف الرسمي العربي الذي رأى في فكرة التحول تهديداً للبنية الفكرية للنظام الرسمي العربي بشقيه الرجعي الذي أبدى عدوانية معلنة منه والقومي الذي شعر بخطر مستقبلي على بنية نظامه السياسي هذا الموقف انعكس على الخاص الفلسطيني من ناحية تحول في الدعم السياسي والمادي لمصلحة اليمين الرسمي الفلسطيني.
فكرة التحول وارتباطها بفكرة التحرر الوطني الفلسطيني من خلال إعطائها طابعاً شعبياً وربطها بعملية التحرر الاجتماعي أعطى فكرة التحول دعماً شعبياً واسعاً حتى في صفوف الحركة الشيوعية التي بدأت فيها عملية مراجعة موقفها وموقعها في إطار الشكل الجديد للصراع المعلن مع إسرائيل العدوانية الاستيطانية وطرح سؤالاً حول صحة موقفها ودورها التاريخي من القضية الفلسطينية مما أضاف عبئاً فكرياً على الجبهة من أجل التحول من على أرضية الصراع إلى ضرورة الائتلاف والتحالف مع اليسار الشيوعي الذي كان يعاني أيضاً من تحولات داخلية نتيجة هزيمة حزيران والانطلاقة العلنية للثورة الفلسطينية التي فتحت أفقاً جديداً للتحرر الوطني الفلسطيني والعربي مستندة إلى دعم المنظومة الاشتراكية التي بدأت تتعامل مع الثورة الفلسطينية وفصائلها بوتيرة تصاعدية.
هذه التحديات إذا ما أضفنا لها التحدي الرئيسي مع الاحتلال الصهيوني الاستيطاني فإننا نرى حجم التحدي الذي رافق طرح فكرة التحول.
التحديات التي واجهتها الجبهة نتيجة طرح فكرة التحول. أبرز التحديات الداخلية كانت الصراع على الهوية الفكرية بين الاتجاهات مما أدى إلى الانشقاقات في الجسم التنظيمي التي لم يكن لها مبررات موضوعية أو فكرية بل هي أضرت بحركة اليسار الفلسطيني والعربي بل كانت دعماً لليمين الرسمي الفلسطيني والعربي هذا اليمين الذي غذى هذه النزعات وأعطى لها حيزاً مكانياً.
هذا الانقسام لم يكن له مبرراته الموضوعية كون المرحلة تحمل عنوان التحرر الوطني والتي تحمل بعداً وطنياً عاماً تتطلب حشد كافة القوى الاجتماعية في عملية التحرر الوطني والأهم أن الصراع كان على الفكرة اليسارية وليس على فكرة التحرر التي تعكس الواقع الملموس المتمثل بضرورة الوحدة والتركيز على فهم العدو وطبيعته العدوانية وطرق وأساليب مواجهته في كل الميادين السياسية والقانونية والنضالية المقاومة بكافة أشكالها.
أما التحدي الأبرز كان غياب رؤية واضحة حول فكرة التحول والتعامل معها بالجانب النظري فقط من دون فهم عميق لكون النظرية العلمية الماركسية هي أداة تحليل للظواهر وأبرزها الاجتماعية والاقتصادية وتعبيراتها السياسية والخلط ما بين القومية كفكرة برجوازية تعكس ضرورة تاريخية لوحدة السوق الرأسمالية في مرحلة محددة لتطورها وبين اليسارية كفكرة تعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية ومتطلباتها.
الانخراط الجاد في هذا الصراع الفكري حول الهوية اليسارية وتعبيراتها السياسية والجهد الفكري الذي كرس لهذا الصراع أخرج الصراع عن جوهره الوطني التحرري ودفع إلى صراع حول الموقف من الاحتلال الاستيطاني الصهيوني ورؤية الحل السياسي على مراحل والذي توج بالبرنامج المرحلي الذي أعطى شرعية مسبقة للاحتلال الاستيطاني بالاستيلاء على ما اغتصب عام ١٩٤٨.
فكرة البرنامج المرحلي كانت الغطاء السياسي للتيار اليميني الرسمي العربي الذي دفع وشجع اليمين الفلسطيني على تبني الفكرة وجعلها إستراتيجية فلسطينية مغلفة بمبررات التكتيك السياسي التي كانت عملية ممنهجة لتقديم كل التنازلات المسبقة التي أدت إلى اتفاق أوسلو وملحقاته التي أعطت مبرراً لاتفاق وادي عربة وشرعية لاتفاقات كامب ديفيد.
الجبهة كانت تتبنى فكرة فلسطين الديمقراطية التي كانت مدرجة في البرنامج السياسي والميثاق الوطني الفلسطيني وكان مطلوباً منها أن تعمق الفهم العام لشعار فلسطين الديمقراطية وتربطه بالفكرة اليسارية التي تعتبر أن مواجهة الاحتلال الاستيطاني الذي هو بالجوهر فكرة رأسمالية صهيونية مغلفة برؤية دينية توراتية تتعارض مع الفكرة الديمقراطية الإنسانية. فلسطين الديمقراطية العلمانية كانت وما زالت الرؤية للحل الديمقراطي من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية والقانونية والحقوقية والتاريخية.
لكن الانخراط بالصراع على الهوية اليسارية دفع بعدم توجيه الجهد الفكري للتدقيق بضرورة طرح أعمق لفكرة الدولة الديمقراطية العلمانية في مواجهة الدولة اليهودية التي تستند إلى المقولات الدينية وتياراتها اليمينية المتطرفة.
هذه التيارات كان لها مصلحة في تحويل الصراع من صراع وطني تحرري يحقق العدالة الاجتماعية والإنسانية والقانونية والسياسية والوطنية للشعب الفلسطيني إلى صراع على الهوية الدينية والنص الديني ومشروعيته.
موافقة الجبهة على البرنامج المرحلي وإعلان الدولة في مجلس الجزائر أعطى اليمين الفلسطيني مدعوماً من اليمين الرسمي العربي غطاء سياسياً كاملاً في إطار م. ت. ف لتندفع في الانخراط في اتفاقات مدريد وأوسلو وما نتج عنها.
وبالرغم من إعلان الجبهة موقفاً رافضاً للاتفاقات لكنها في الواقع العملي تعاملت مع نتائجها الميدانية مما دفع باهتزاز صورة موقفها داخلياً وخارجياً وأفرغ الموقف الرافض للاتفاقات من محتواه السياسي والعملي.
ومع تطورات الأوضاع السياسية وانكشاف الموقف العدواني الإسرائيلي وعدم التزامه باتفاقيات أوسلو وملحقاتها واغتيال الأمين العام للجبهة عادت الجبهة للموقف المعارض الحازم لاتفاقات أوسلو هذا الموقف كان لا بد أن ينطلق من إعادة صياغة المواقف السياسية والفكرية على قاعدة الموقف اليساري الحازم ممثلاً بتيار سياسي ثالث ما بين رؤية السلطة المدعومة من اليمين الرسمي العربي والرؤية السياسية الدينية التي تعاملت مع فلسطين كقضية دينية غذت بشكل غير مباشر المبررات الدينية الصهيونية.
التيار الثالث كان وما زال ضرورة ملحة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية والقانونية والإنسانية وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الديمقراطية العلمانية تعبيراً عن تيار ثالث واضح المعالم يتعارض مع رؤية اليمين الديني واليمين السياسي الذي ربط مصيره باتفاقات أوسلو والمنظومة الداعمة لها عربياً ودولياً.
غياب طرح الرؤية اليسارية الواضحة أعطى حيزاً لسيادة الصراع على أساس الفكرة الدينية وهذا ما كانت دائماً ما تسعى له الحركة الصهيونية وأحزابها الإسرائيلية لتبرير مشروعها الصهيوني في فلسطين.
أين نحن؟
المناسبة الثامنة والخمسون تأتي في ظل أشرس هجمة صهيونية عالمية على القضية الفلسطينية بجوهرها كقضية عدالة إنسانية بجوانبها الاجتماعية والحقوقية والسياسية والتاريخية تستند للقانون الدولي.
الهجمة التي يقودها الرئيس ترامب عبر أدوات ووسائل الصهيونية الأمريكية والإسرائيلية تهدف إلى تجريد القضية الفلسطينية من جوهرها الوطني التحرري والتعامل مع الشعب الفلسطيني كمجموعة من المشردين الذين يحتاجون إلى حاجات العيش الأساسية وتحت هذا العنوان (صفقة القرن) يعمل بشكل منهجي على تفكيك البعد القانوني والسياسي والاجتماعي للشعب الفلسطيني عبر العمل على إلغاء دور منظمة الأونروا الشاهد القانوني على جريمة النكبة التي تعبر عن البعد التاريخي عن الحق القانوني الفلسطيني في أرضه وإسقاط مفهوم حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإنهاء مبررات استمرار السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى لجان قرى ومناطق إدارية تعمل على تنفيذ الإجراءات والقرارات الأمنية الإسرائيلية.
إلى أين نسير؟
ترامب الذي أعلنت المنظمات الصهيونية ممثلة بمارك ليفين في الاحتفال بعيد حانوكا اليهودي الذي أقيم بالبيت الأبيض تحت إشراف الرئيس ترامب شخصياً أنه أول رئيس يهودي يرأس الولايات المتحدة لدورتين وبهذا الصدد (أريد أن أشير إلى أنني في مقال سابق أشرت إلى أن ترامب في حفل التنصيب لم يضع يده على الإنجيل الذي حملته زوجته في إشارة معلنة لمخالفته تقاليد التنصيب ومؤكدة على صهيونية هويته الدينية).
في ظل هذه المعطيات يصبح من الضروري أن يعاد ترتيب المهمات الوطنية التحررية للتعامل مع هذه الهجمة وأدواتها وأساليبها من خلال إعلان رؤية يسارية واضحة تستطيع أن تتجاوب مع المد الجماهيري الدولي وحملة المقاطعة العالمية وتوضح أن صراعنا مع إسرائيل الصهيونية الاستيطانية جوهره تحقيق العدالة القانونية والحقوقية والسياسية والاجتماعية والإنسانية هذه العدالة المستندة للقانون الإنساني الدولي والذي يتعارض مع الحل القائم على أساس ديني.
إدارة ترامب تعمل على توظيف الفكر الديني المسيحي لمصلحة الفكرة الصهيونية وبذلك تكون قد صادرت البعد الإنساني التسامحي للفكرة الدينية المسيحية.
لا يمكن مواجهة السياسة التصفوية المنهجية لإدارة ترامب التي تعبر عن تحالف الرأسمال الصهيوني الذي يسيطر على مفاصل الاقتصاد الرأسمالي العالمي ويعلن حرباً متعددة الأوجه في كافة القارات بعناوين كاذبة مختلفة. إلا من خلال إبراز وتأكيد البعد اليساري الإنساني الذي يؤكد على تحقيق العدالة الإنسانية المقاومة لكل أشكال الاضطهاد والاستغلال والفلسطينيون هم أكثر من يعاني من هذه السياسة.
إعادة الاعتبار للهوية اليسارية وفكرها مهمة ملحة من أجل أن تشكل مستنداً يعيد قراءة الواقع الفلسطيني والعربي ويضع سياسة قائمة على الإرث التاريخي للمنطقة ويوظف كل ما هو ثوري يساري إنساني في الفكر الديني الإسلامي والمسيحي لمصلحة مواجهة الجوهر العنصري للفكر الصهيوني الذي يستخدم الهوية الدينية اليهودية لمصلحة الطغمة الرأسمالية الصهيونية.
هذه القراءة التي توضح أن صراعنا مع إسرائيل الصهيونية الاستيطانية هو جزء لا يتجزأ من الصراع مع الرأسمالية الصهيونية العالمية وأدواتها من نظم تابعة.
العدالة الفلسطينية التي تتمثل في تحقيق عدالة المخيم لا يمكن تحقيقها إلا من خلال إعادة صياغة للفكر التحرري القائم على المنهج الفكري اليساري الذي يحمل بعداً تاريخياً حقوقياً وإنسانياً اجتماعياً.
تجربة اتفاقيات كامب وادي أوسلو أكدت أن الصراع ليس مع إسرائيل الاستيطانية بل مع كل المنظومة السياسية والعسكرية والإعلامية للحركة الصهيونية وأدواتها ومواجهتها لا تتم إلا عبر حشد فلسطيني وعربي وعالمي لكافة القوى التي تتعارض جوهر مصالحها مع هذه المنظومة وميادين العالم على مدار سنتين حملت كل الألوان المناهضة للسياسات الصهيونية ولا يلتقي مع هذه الميادين سوى الفكر اليساري الواضح المعالم. إذا لم تُقدِم على هذا فإنها ستعود وتعيش حالة الازدواجية التي ستقود إلى الانخراط في المنظومة الرسمية العربية.
بالتأكيد هذا لن ينهي فكرة المقاومة لكونها فكرة تعبر عن واقع موضوعي نقيضاً للاحتلال الصهيوني الاستيطاني. الفكرة المقاومة دائماً ما ستجد لها حيزاً لأنها تعكس الواقع المادي الملموس فلا يمكن إنهاؤها من الممكن أن تنتهي الأدوات وتتغير الوسائل لكن الفكرة ستبقى قائمة والخسارة ستكون في الزمن.

