Menu

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والنهج الديمقراطي العمالي: كفاح ومصير مشترك

معاذ الجحري

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 11 ديسمبر كانون الأول 1967 كجواب على النكسة المتمثلة في هزيمة الأنظمة العربية وجيوشها في حرب يونيو من نفس السنة، وأعلنت في بيانها التأسيسي أن هذه الهزيمة تشكل "بداية مرحلة جديدة من العمل الثوري تباشر فيه الجماهير دورها القيادي المسؤول في مقارعة قوى الإمبريالية والصهيونية بالسلاح" معتبرة أن "الجماهير هي الرئة التي يتنفس منها المقاتل وانخراط الجماهير في المعركة يضمن لها النصر على المدى الطويل" وهتفت عالياً في نفس البيان/النداء "نموت ولا نهاجر".

 

فقد تبنى المؤتمر الوطني الثاني للجبهة المنعقد في فبراير 1969 الماركسية-ال لينين ية واعتبر أن العمال والفلاحين هم عماد الثورة ومادتها الطبقية الأساسية وهم قيادتها. وقدم موقفاً سليماً من الأنظمة الوطنية، وعلى رأسها مصر وسوريا، معتبراً أن هزيمة حزيران ليست مجرد هزيمة عسكرية بل هي في واقع الأمر هزيمة لهذه الأنظمة وبرامجها، وبالتالي عدم قدرتها على إحداث التعبئة السياسية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية التي تستطيع الصمود والانتصار على الاستعمار الجديد وذلك بسبب طبيعتها الطبقية المرتكزة إلى البرجوازية الصغيرة (نفس المرجع). كما حدد بوضوح تام أعداء الثورة الفلسطينية في الكيان الصهيوني والصهيونية والإمبريالية العالمية والرجعة العربية وذلك انطلاقاً من تحاليل ماو تسي تونغ للتناقضات في المجتمع الصيني.

 

كان لبروز اليسار الفلسطيني وعلى رأسه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إضافة، إلى عوامل دولية ومحلية أخرى، بالغ الأثر على نشأة وتطور اليسار الجديد في المغرب مجسداً في الحركة الماركسية-اللينينية المغربية وضمنها منظمة "إلى الأمام" التي تأسست في 30 أوغسطس آب 1970.

 

وكان أبرهام السرفاتي، أبرز قادة هذه المنظمة، حسب الموقع الموسوعي للجزيرة، قد زار قواعد الثورة الفلسطينية سنة 1968 في الأردن ومنحته الجبهة الشعبية العضوية في صفوفها. المرجع:) أبرهام السرفاتي على الرابط:https://share.google/NoMRQXs47c8vADg4Z ) ولكن لم يؤكد لي هذا المعطى أحد من رفاقه الذين أعرفهم من بين جيل المؤسسين. ما هو مؤكد هو أن أبرهام زار عمان سنة 1970 حيث شارك في ملتقيات تضامنية مع المقاومة الفلسطينية والتقى على إثرها بعدد من القيادات الفلسطينية هناك. وكان المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1976، قد قرر منحه الهوية النضالية الفلسطينية.

 

)المرجع: مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 134. ربيع 2023.

 

https://www.palestine-studies.org/ar/node/1653741 (

 

وتعزز التعاطف وتوطدت العلاقات بين منظمة "إلى الأمام" والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تدريجياً ابتداء من منتصف السبعينات في علاقة بالفرز السياسي في صفوف الثورة الفلسطينية بعد تبني منظمة التحرير الفلسطينية لما سمي ببرنامج النقط العشر أو البرنامج المرحلي. واستمرت هذه العلاقات في السرية إلى منتصف الثمانينات قبل موجة الاعتقالات الواسعة التي مست المنظمة في خريف 1985. ولعب الطلبة والعمل الثقافي أدواراً مشهودة في العلاقة مع اليسار الفلسطيني لكن متفاوتة في الزمان والمكان.

 

وعرفت العلاقات طفرة نوعية بعد تأسيس النهج الديمقراطي (النهج الديمقراطي العمالي حالياً) الذي يعد استمرارية سياسية وفكرية لمنظمة إلى الأمام وكفاحاتها المجيدة وذلك في أبريل سنة 1995. فقد زار بلادنا عدد من الأطر القيادية للجبهة أبرزهم عمر قطيش وأبو أحمد فؤاد وعمر مراد وماهر الطاهر وليلى خالد وذلك في مناسبات مختلفة بدعوة من النهج الديمقراطي أو غيره من القوى التقدمية أو للمشاركة في ندوات فكرية أو محطات معينة مثل المؤتمر القومي العربي...

 

وكانت مناسبة لمساهمة هؤلاء الأطر في القيام بأنشطة متنوعة وعقد اجتماعات مع قيادات القوى التقدمية ببلادنا وتأطير ندوات إشعاعية ومهرجانات طلابية وشعبية كان لها أثر سياسي بالغ لازال راسخاً في الذاكرة.

 

على سبيل المثال زار الفقيد عمر قطيش، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المغرب حيث التقى بقيادة النهج الديمقراطي وتم الاتفاق على إطار للتعاون والعمل المشترك بين الجبهة الشعبية والنهج الديمقراطي وأطر مهرجانات خطابية في كل من الدار البيضاء والرباط والعرائش. المهرجان الخطابي بالرباط تم تنظيمه يوم الجمعة 22 مارس آذار 2002 بالمدرسة المحمدية للمهندسين وكانت القاعة ممتلئة عن آخرها والحماس منقطع النظير.

 

ومن أشكال التعاون الملموس بين الشعبية والنهج الديمقراطي قضية الشهيد مصطفى علال صديق قزيبر الذي كان مقاتلاً في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدرجة رقيب واستشهد في إطار عملية مشتركة مع الجبهة الديمقراطية في قرية بيت ياحون جنوب لبنان بتاريخ 2 أوغسطس آب 1994. تسلمت "الشعبية" رفاته سنة 2008 في صفقة تبادل بين حزب الله اللبناني والكيان الصهيوني وقررت تسليمه لقيادة النهج الديمقراطي للإشراف إلى جانب العائلة على الجنازة والدفن في مسقط رأسه بأرفود في الجنوب الشرقي من المغرب وأخبرت قيادة النهج بذلك مسبقاً. وقد وصل رفات الشهيد بالفعل إلى مطار محمد الخامس يوم الأحد 31 أوغسطس آب 2008 الساعة التاسعة مساء في الطائرة القادمة من بيروت. لكن السلطات ناورت واختطفت الرفات من المطار واتصلت بعائلة الشهيد يوم الثلاثاء 2 شتنبر2008 لإخبارها بتسلم جثمان ابنها يوم الأربعاء 3 سبتمبر أيلول 2008 وأمرت بدفنه في نفس اليوم. لكن العائلة والنهج الديمقراطي وعدد من المناضلين/ات من القوى التقدمية أحبطوا هذه المناورة ودفن الشهيد وسط حشد جماهيري كبير يليق بمقامه.

 

وزارت ليلى خالد، أيقونة الكفاح الفلسطيني، المغرب حوالي سنة 2009 وأجرت حواراً هاماً مع جريدة النهج الديمقراطي ثم عادت للمشاركة في أشغال مؤتمر الجبهة العربية التقدمية المنعقد بطنجة أيام 26 و27 أكتوبر 2019 واغتنمت الفرصة لعقد لقاءات مع المكاتب السياسية للأحزاب المشار إليها ومنظمات نقابية وأطرت ندوات ومهرجانات في مدن عدة.

 

وكان الفقيد أبو أحمد فؤاد، يتمتع بعلاقات متقدمة ومتنوعة تمتد لسنوات مع قوى اليسار المغربي وخاصة مع النهج الديمقراطي. فقد قام بزيارة للمغرب ثلاث مرات في 2004، 2006 و2011. وكان ذلك في إطار مهام نضالية مع قوى تقدمية وديمقراطية أو في إطار المؤتمر القومي العربي. وفي كل مرة كان يصر على عقد لقاء مع قيادة النهج الديمقراطي حيث يضع هذه الأخيرة في صورة تطورات الأوضاع والصراع المرتبط بالقضية الفلسطينية.

 

وزار القائد البارز في الشعبية ماهر الطاهر المغرب عدة مرات ربما أول مرة لمدينة فاس نهاية السبعينات. ونظم النهج الديمقراطي لقاء مفتوحاً معه يوم الخميس 10 مايو أيار 2018 بالرباط حيث تناول المستجدات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية من بينها آنذاك عدم مشاركة الجبهة الشعبية في أشغال المجلس الوطني الفلسطيني لأنها كانت كما قال ترغب في توفير الشروط لحضور كافة الفصائل الفلسطينية وأن يكون المجلس فرصة لبناء الوحدة على أسس كفاحية وأن الجبهة عند اتخاذها هذا القرار، لم تراعِ مصالحها الخاصة باعتبارها الفصيل الثاني في منظمة التحرير (50 عضواً في البرلمان و 5 أعضاء في اللجنة التنفيذية) مؤكداً على تشبت الجبهة بمنظمة التحرير كإطار جامع إذا تم التفريط فيه سيتم التعامل مع الشعب الفلسطيني ككتل متفرقة ومعزولة عن بعضها وأن هذا الإطار ليس ملكاً لفصيل معين مشدداً على إعادة الاعتبار لميثاقها وبرنامجها وللطابع الجماعي لقيادتها.

 

وزار عمر مراد عضو المكتب السياسي للجبهة في فاتح أبريل نيسان 2010، وذلك على شرف إحياء القوى اليسارية والتقدمية المغربية ليوم الأرض وشارك إلى جانب عدد من الأطر من بينهم الفقيد سيون أسيدون في ندوات إشعاعية بمدينة طنجة وأصيلة والدار البيضاء والمحمدية وأكادير ومراكش وورززات وفاس. وكانت أبرز القوى التي نسقت الندوات في معظم المدن هي النهج الديمقراطي وحزب الطليعة والاشتراكي الموحد إضافة إلى نشطاء في حملات المقاطعة ومناهضة الصهيونية. وعقد لقاءات سياسية مع الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة والنهج الديمقراطي بمقره بالبيضاء. وقام النهج الديمقراطي بتكريمه، يوم 14 أبريل بالدار البيضاء، اليوم الأخير من الزيارة، بحضور عدد كبير من الرفيقات والرفاق. ومن بين ما كتبه لي الرفيق عمر مراد تقييما للعلاقة بين الشعبية والقوى التقدمية المغربية أن "العلاقة مع حزب النهج الديمقراطي، علاقة خاصة ومميزة، وهكذا أبلغت قيادة الجبهة بأن الحزب في قضايا الصراع في الشرق الأوسط وفي القضايا الأممية، عدا عن الفكر اليساري والهوية النظرية المشتركة كأننا حزب واحد... وهذه الصورة لطالما كان يذكرها ويؤكد عليها الرفاق في المكتب السياسي بكل اعتزاز وخاصة الرفيقين، المرحوم أبو أحمد فؤاد والرفيق ماهر الطاهر. كما نشهد بأن هذا الدور للأحزاب والقوى التقدمية واليسارية وخاصة الأحزاب المذكورة أعلاه لعبت دوراً تاريخياً وأصيلاً في زرع قضية فلسطين عميقاً في وجدان وضمير وعقل الشعب المغربي الأصيل".

 

باختصار تحظى الجبهة الشعبية بتقدير كبير في الأوساط النضالية وعموم القوى التقدمية المغربية بغض النظر عن تفاوت علاقاتها معها. ويحظى أمينها العام الحالي أحمد سعدات الأسير في سجون العدو الصهيوني بكل التعاطف لاعتباره واحداً من أكبر رموز الصمود والمقاومة الفلسطينية كما يحظى الشهيد أبو علي مصطفى ، هذا القائد الفذ الذي خرج من معاناة الطبقة العاملة الفلسطينية، بالاعتزاز والفخر، ويردد الشارع المغربي الثائر الشعار الذائع الصيت "أبو علي وجيفارا، رمز الثورة المظفرة".

 

أما عندما نريد الحديث عن القضية الفلسطينية كقضية وطنية والربط بينها وبين النضال ضد الاستبداد فكلنا يذكر بالقولة الشهيرة للقائد الكبير المؤسس جورج حبش بأن خير ما تقدمونه للقضية الفلسطينية هو النضال ضد أنظمتكم الرجعية العميلة.