Menu

في ذكرى تأسيس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين معركة الوعي مرّة أخرى

حمة الهمامي - أمين عام حزب العمال التونسي

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

إن المواجهة مع الحلف الصهيو-امبريالي لا تقتصر على الواجهة العسكريّة فحسب وإنّما تشمل واجهات أخرى لا تقلّ عنها خطورة إن لم تكن في بعض الحالات أشدّ منها أو بالأحرى أكثر استعصاء. ونقصد على وجه التّحديد الواجهة الدّعائيّة الموجّهة رأسا إلى وعي مواطنات العالم ومواطنيه قصد التّأثير فيهم وحملهم على تصديق سرديّة دون أخرى وبالتّالي هندسة أرواحهم وعقولهم وتأطير سلوكهم العام. فمنذ انطلاق حرب الإبادة على أهالي غزّة، ردّا على عمليّة "طوفان الأقصى" الباسلة، عمل العدوّ الصّهيوني بدعم من الآلة الدعائيّة الأمريكيّة الغربيّة، على ترويج سرديّة مفادها أنّ جيش الاحتلال، "القويّ والمتفوّق والمرعب"، يتصدّر "معسكر الحضارة اليهو-مسيحيّة" لـمحاربة "معسكر الإرهاب والوحشيّة ومعاداة السّامية" الزّاحف من الشّرق الإسلاميّ وأنّه لا يدافع بذلك عن "إسرائيل" فحسب وإنّما يدافع أيضا عن المجتمعات الغربيّة المهدّدة في "هويّتها ومكاسبها" من “قتلة الأطفال ومغتصبي النّساء والأبرياء” وهو ما يتطلّب دعمه بالمال والسلاح وتوفير الغطاء السياسيّ له في وجه بقيّة العالم.

وقد تمكّنت هذه الآلة الدّعائية، التي ترفع إلى السّطح من جديد نظريّة "صراع الحضارات" الرّجعيّة، العنصريّة التي ابتدعها أيديولوجيو الرّأس المال المالي، الأمريكي المتعفّن والمتوحّش في تسعينيات القرن الماضي لتشريع الهيمنة الأمريكيّة الغربية على العالم، من تلويث وعي مئات الملايين من البشر خاصّة في المجتمعات الغربيّة التي تعاني من عقدة اضطهاد اليهود وهو ما شكّل أرضية مناسبة لتغلغل الدّعاية الصّهيونية فيها منذ عقود. ولكن بعد عامين من الصمود الأسطوريّ للمقاومة والشعب الفلسطينيّ في وجه حرب الإبادة انقلبت الصّورة وافتضحت السرديّة الصهيو أمريكيّة واتّضحت الحقيقة عارية أمام العالم وأصبحت السّردية المهيمنة تدريجيّا على أذهان فئات واسعة من المجتمعات الغربية بما فيها المجتمع الأمريكي هي سرديّة شعب فلسطينيّ اغتصبت منه أرضه منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن من قبل عصابات صهيونيّة شرّعت لها الأمم المتّحدة الواقعة تحت سيطرة الدول الاستعماريّة الغربيّة، وعلى رأسها الولايات المتّحدة، إقامة كيان على أرض الغير ليكون أداتها في تكريس هيمنتها على شعوب المنطقة وتأبيد نهب ثرواتها وخيراتها بأبشع الوسائل والتصدّي لكلّ حركة تحرّريّة تقوم هنا أو هناك.

لقد بان بالكاشف أنّ ممثّل "الحضارة" هو في الواقع عدوّها الذي لا يختلف في شيء عن الوحش النازيّ والذي يستعمل مختلف أسلحة الفتك الناريّة التي لا تبقي ولا تذر إلى جانب استعمال كافة أسلحة الإبادة الأخرى مثل التجويع والتعطيش والحرمان من الدواء والتّهجير القسري الممنهج في مواجهة شعب مسلّح بالإرادة. وقد قامت وسائل التّواصل الاجتماعي التي ظلّت تنشر جرائم الكيان الصهيونيّ بشكل مباشر ومستمرّ وتفنّد رواياته للأحداث، بدور هامّ في هذا المجال وهو ما جعل الكيان الصهيونيّ منبوذا وقياداته ملاحقة أمام القضاء الدوليّ مثلما تمّت ملاحقة مجرمي النازيّة بالأمس. وبالمقابل بان بالكاشف أنّ الفلسطينيّ الموصوم بالإرهاب هو صاحب قضيّة وأنّه المدافع الحقيقي عن الحضارة والإنسانيّة من خلال مقاومة مغتصب أرضه وحارمه من العيش عليها حرّا، طليقا، آمنا، حتّى يحقّق نهضته وازدهاره مثله مثل بقيّة شعوب العالم التوّاقة إلى الحريّة.

لقد نُزع عن الصّراع الفلسطيني/الصهيوني غلافه الأيديولوجيّ الزائف والمفتعل الذي غلّفته به الآلة الدعائيّة الاستعماريّة العنصريّة واتّضحت حقيقته بوصفه صراعا بين حركة تحرّر وطنيّ من جهة وكيان غاصب محتلّ لا تختلف طبيعته عن الأبارتيد الذي عرفته جنوب إفريقيا من جهة ثانية. ومن المفارقات أن المجتمعات الغربيّة التي راجت فيها على مدى عقود السرديّة الصهيو-امبرياليّة وأثّرت في رأيها العام عبر قصف إعلاميّ وسياسيّ وأيديولوجيّ مستمرّ هي المجتمعات التي تعبّأت في النهاية أكثر من غيرها لإدانة حرب الإبادة في غزّة والضّغط على حكوماتها كي تتوقّف عن دعم الكيان الصهيونيّ وجرائمه وهو ما اضطرّ بعضها حتّى إلى الاعتراف، ولو شكليّا، بالدّولة الفلسطينيّة. لقد شهدت المدن الأمريكيّة والبريطانيّة والألمانية والفرنسيّة والهولنديّة وغيرها تعبئة لم نشهدها منذ الحرب الأمريكيّة على فيتنام. وقد شملت هذه التعبئة أقساما كبيرة من اليهود في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأوروبا الذين رفعوا في وجه نتنياهو وعصابته الإجراميّة شعار: “لا تقتلوا الفلسطينيّين باسمنا" بل فيهم من بادر بتكوين "المؤتمر اليهودي المعادي للصهيونيّة" الذي عقد في فيينا وقد نادى هذا المؤتمر بتفعيل قرارات الجنائيّة الدوليّة ضدّ قادة الكيان المجرمين.

إنّ هذا الوقع الجديد الذي خلقه "طوفان الأقصى" هو الذي يقضّ اليوم مضاجع الكيان الصهيونيّ الذي يجد نفسه معزولا بل منبوذا عالميّا، كما يقضّ مضاجع داعميه الغربيّين الذين لم يعودوا قادرين على مغالطة رأيهم العام الشعبيّ وترويضه وتوجيهه على النحو الذي يريدونه لتشريع جرائمهم. وفي النّهاية فهو الذي يدفعهم، عبر مخابرهم الدعائيّة والسياسيّة إلى استنفار قواهم، من أجل مواجهة السرديّة الجديدة، سرديّة الحقيقة، وتدميرها في نفس الوقت الذي يتواصل فيه العدوان على غزّة رغم إعلان وقف الحرب منذ شهر أكتوبر الماضي وعلى الضفّة الغربيّة ولبنان وسوريا كما تتواصل التهديدات بشن عدوان جديد على إيران. وهو ما يطرح على القوى الثوريّة والوطنيّة المعادية للإمبرياليّة في فلسطين كما في أقطارنا العربيّة التّعبئة لا من أجل مواصلة إسناد الشعب الفلسطيني ومقاومته في غزة والضفّة و القدس فحسب وإنّما أيضا من أجل مواصلة خوض معركة الوعي لتثبيت المكتسبات التي حقّقها طوفان الأقصى في هذا المستوى محلّيا وعالميا وتطويرها لمزيد عزل الكيان الصهيونيّ وفضحه على طريق القضاء عليه وتخليص الشعب الفلسطينيّ وشعوب المنطقة والعالم أجمع من شروره. إنّ هزم الصهيونيّة وكيانها العنصري النّازي يبدأ في الأذهان قبل أن يتحوّل إلى فعل في الواقع وإلى حركة جارفة تسند الشعب الفلسطينيّ في نضاله من أجل تحرير أرضه وتقرير مصيره بنفسه وهو ما حصل تقريبا مع كبريات القضايا التحرّرية التي عرفتها الإنسانية في عالمنا المعاصر سواء كان ذلك في الجزائر أو فيتنام أو جنوب إفريقيا.

 إنّ معركة الوعي تبدأ أوّلا وقبل كلّ شيء من مجتمعاتنا وفي مقدّمتها المجتمع الفلسطينيّ الخاضع للاحتلال حتّى يتسنّى لهذه المعركة أن تكتسح ربوع العالم بأكثر سهولة فليس ثمّة أقدر من أصحاب القضيّة، كما بيّن طوفان الأقصى، لنشرها وإبراز عدالتها. إنّ العدوّ الصهيونيّ يعمل بكلّ الوسائل الجهنّميّة على اختراق الوعي الفلسطينيّ، في غزّة أوّلا وفي الضفّة والقدس ثانيا وفي باقي أراضي 48 ثالثا، بتواطؤ مع رأس سلطة رام اللّه محمود عبّاس من أجل ضرب مكتسبات طوفان الأقصى. وتتمثّل السّرديّة التي يسعى العدو ّ إلى ترويجها بشكل محموم في كون "حركة حماس" التي يختزل فيها المقاومة ويصمها بـ"التطرّف الدّيني والعمالة لإيران" بغرض عزلها وإظهارها كحالة شاذّة، هي التي جنت على أهالي غزّة الذين "لم يجنوا من طوفان الأقصى عدا الموت والدّمار"، وهو ما يدعو إلى "محاسبتها وطردها بل استئصالها" من غزّة لـ"ينعم" أهلها بالطمأنينة وكأنّهم كانوا قبل 7 أكتوبر لا في حصار إجراميّ منذ 16 عاما وإنّما في نعيم. وهذه السّرديّة هي التي يعمل على ترويجها اليانكي الأمريكي أيضا موهما الفلسطينيّين بأنّهم سيعيشون في “بحبوبة ورخاء” دون حماس طالبا منهم الخضوع لانتداب استعماري جديد بغطاء عربي دوليّ حتى تتمّ إعادة إعمار غزّة وفق تخطيط أمريكي سيحوّلها إلى "ألدورادو" المنطقة . أمّا عبّاس وإن كان لا يجرؤ على الدفاع عن تهجير أهل غزّة فهو لا يتوانى عن المطالبة بالقضاء على حماس التي يعتبرها بدوره "يد إيران" في فلسطين والمنطقة إلى جانب حزب الّله في لبنان والحوثيّين في اليمن، وإقصائها من أيّ حلّ طمعا في أن يتمكّن هو من إدارتها بـ"رعاية إسرائيليّة-أمريكيّة". ويمكن القول إنّ نفس الرسائل الموجهة إلى الشعب الفلسطيني نراها توجّه بصيغة أخرى إلى شعوب بلدان الإسناد في لبنان و اليمن والعراق لإيهامها بأنّ ما يلحقها من عدوان صهيو امبريالي سببه فصائل المقاومة في بلدانها التي تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني والتي تقدّم على أنّها أذرع للنظام الإيراني في محاولة لتجريم التضامن بين الشعوب وتخويفها وعزل بعضها عن بعض في الوقت الذي تتصرف فيه قوى الطغيان كتلة واحدة.

ولكنّ هذه السّرديّة لا يقتصر ترويجها على نتنياهو وترامب وإنّما نجد لها صدى أيضا في وسائل إعلام أنظمة التّطبيع ، التي ما تنفكّ تجرّم "حماس" والمقاومة عامّة وتتّهمها بأنّها هي السبب، لا المحتلّ الغاصب، في محن الشعب الفلسطيني وأنّها تفعل ما تفعله “خدمة لأجندات أجنبية لا خدمة للقضية”. “ماذا جنت غزّة من مغامرة 7 أكتوبر غير الموت والدمار"؟ "هل كانت حماس جادّة في مواجهة عدوّ مدجّج بالسلاح ومدعوم من كبريات الدول الغربيّة"؟ "ألم يكن الأجدر بحماس ومن معها من الفصائل الفلسطينيّة التزام الهدوء والتعويل على الشرعية الدوليّة لنيل حقوق الشعب الفلسطينيّ؟". هذا ما تردّده الرجعيات العربيّة باستمرار من خلال أبواقها الإعلاميّة كما من خلال شيوخ العار الذين يتلوّنون بتلوّن أولياء نعمتهم ويثيرون الفتن الطائفيّة والدينيّة والعشائريّة. وهي إذ تفعل ذلك فلكي تبرّر أوّلا عدم وقوفها إلى جانب غزّة وخيانتها للقضيّة الفلسطينيّة وعمالتها الوقحة للامبرياليّة الأمريكيّة وتواطؤها المفضوح، سياسيّا وأمنيّا وعسكريّا واقتصاديّا وتجاريّا، مع الكيان الصيونيّ وثانيا قمعها لشعوبها لمنعها من نصرة الشعب الفلسطينيّ (آخر مثال على ذلك ما يحصل للمناضل الكبير إبراهيم الشريف في البحرين ) كما أنّها تفعل ذلك لتنشر الإحباط واليأس والخوف في صفوف الجماهير العربيّة وتفرض عليها التّطبيع مع ذلك الكيان الغاصب والتعايش معه بدعوى أنّه الحلّ الوحيد لإحلال "السّلام" في المنطقة. إنّ أنظمة العار والخيانة تخشى، مثلها مثل الحلف الصهيو أمريكي، أيّ تطوّر للمقاومة في فلسطين كما تخشى أي انتفاضة أو ثورة أو حراك شعبيّ في أيّ بلد من بلدان المنطقة من شأنه رفع الهمم وبثّ روح المقاومة لأنّ ذلك سيطولها إن عاجلا أو آجلا ويقوّض أسسها الاجتماعيّة والسياسيّة وينهي وجودها.

كلّ هذا يقودنا إلى طرح السؤال: كيف تقع مواجهة هذه السّموم التي ينشرها التحالف الصهيو امبريالي وعملاؤه من أنظمة المنطقة والتي تهدف إلى نشر الإحباط في النّفوس وتدمير الوعي وقبول الهزيمة والاستسلام للعدوّ؟ إنّ المحور الرئيسيّ الذي ينبغي أن ينصبّ عليه الاهتمام إنّما هو الدّفاع عن طوفان الأقصى ومنجزاته العظيمة في السّاحات الفلسطينيّة والعربيّة والإقليميّة والعالميّة والتي ليس أقلّها شأنا إعادة القضيّة الفلسطينيّة إلى صدارة الاهتمام باعتبارها قضيّة تحرّر وطنيّ وكسب رأي عام واسع لها. هذا أوّلا وثانيا من الضروريّ التركيز على أن لا سبيل لتحرير فلسطين غير المقاومة بمختلف أشكالها وفي مقدّمتها المقاومة المسلّحة التي تستمدّ شرعيّتها من عدالة القضيّة. فلا وجود في التاريخ لشعب تخلّص من احتلال قوّة ظالمة، غاشمة بغير مواجهتها بالسّلاح فما بالك حين يتعلّق الأمر باستعمار استيطانيّ، إحلاليّ، قائم على إبادة السكّان المحليّين وتهجيرهم واغتصاب أرضهم بأشنع الأسلحة وأكثرها فتكا وقد بيّنت اتفاقية أوسلو أنّ التفاهم مع الكيان الغاصب وهم باهظ التكلفة. وثالثا إبراز أنّ الكيان الصهيوني عدوّ لكافة شعوب المنطقة وأنّه رأس حربة مشروع استعماريّ واسع، يستهدفها كلّها لتمزيقها وإثارة بعضها بعض على أسس طائفية وعشائريّة وأثنيّة والتحكّم في مصائرها في إطار إعادة ترتيب شامل للمنطقة بأسرها (مشروع الشرق الأوسط الجديد) ولا أدلّ على ذلك من كافّة الحروب التي شنّها في السابق والحروب التي يشنّها حاليا ومجاهرته بألّا حدّ له غير تحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى" برعاية أمريكية. ورابعا تأكيد ضرورة المواجهة المشتركة لهذا المشروع الخطير وإسناد الشعب الفلسطيني الشقيق ومقاومته فالتضامن واجب تفرضه المصلحة المشتركة علاوة على الروابط القوميّة والإنسانيّة وخامسا فضح أنظمة الخيانة والعار العربيّة والإسلاميّة وكشف ارتباطها عضويّا بالمصالح الصهيو-امبرياليّة في المنطقة فهي أنظمة في الغالب ريعيّة، تابعة للرأسمال العالميّ ووجودها مرتبط بوجوده وبحمايته ممّا يجعل المسألة أبعد من أن تكون مسألة دينيّة أو طائفيّة وهو ما يفسّر الترابط الوثيق بين مقاومة الحلف الصهيو أمريكي وأدواته في المنطقة وسادسا توضيح أنّ التحرّر الوطنيّ مسار طويل ومعقّد قائم على المراكمة تتخلّله انتصارات كما تتخلله هزائم وانكسارات وهو يتطلّب إصرارا على المقاومة والنضال كما يتطلّب التسلّح بإرادة وقناعة قويّتين والاستعداد لتقديم التضحيات الجسيمة إذ لا حريّة ولا تحرّر دون ألم وليست الأمثلة على ذلك في تاريخنا المعاصر هي التي تنقص. فقد مرّت مختلف حركات التحرر (الصين، الجزائر، فيتنام…) بفترات حرجة في تاريخها جعلت أعداء الشعوب يعتقدون أنّهم أصابوا هذه الحركات في مقتل وتخلّصوا منها لكنّ الإيمان بعدالة القضيّة والإصرار على المقاومة كان هو المحدّد في الانتصار في آخر المطاف. وبالتالي فإنّ ما قدّمته غزّة والضفّة والقدس وكامل فلسطين من شهداء ومن خسائر ماديّة مثله مثلما قدّمته شعوب لبنان واليمن وغيرهما من شعوب المنطقة هو الثمن الذي ينبغي دفعه لتحقيق الحريّة وضمان الوجود أيضا.

وما من شكّ في أنّ هذا الأمر يتطلّب مجهودا قويّا لمواجهة الآلة الدعائيّة للحلف الصهيو-امبريالي وأدواته في المنطقة التي تحكم شعوبها بالحديد والنّار وتحرمها من حقوقها الأساسيّة وتجرّدها من كافّة أدوات الدفاع عن نفسها. كما أنّ هذا المجهود الدعائيّ العامّ من الضروريّ أن يرتبط بعمل دعائيّ مباشر من أجل مواصلة إسناد غزّة والشعب الفلسطينيّ في هذا الوقت لتخفيف الضغط عليهما من الكيان المستمرّ في اعتداءاته وراعيه الأمريكي المستمرّ في دعمه له والأنظمة العربية والإسلاميّة سواء المتواطئة بشكل مفضوح أو المتدخّلة بعنوان "الوساطة والمساعدة على إيجاد حلّ" وهي في الواقع تتدخل للضغط على المقاومة خدمة لمشغّليها وكسبا لرضاهم. يضاف إلى ذلك مواصلة التّشهير بالتّطبيع من أجل التصدّي لتوسيعه وطرد سفارات العدوّ القائمة في بلدان الأنظمة المطبّعة. وما من شكّ في أنّ هذا العمل في المستوى الفلسطينيّ والعربيّ والإقليميّ من شأنه أن يساهم في ضمان استمراريّة التضامن العالميّ مع القضيّة الفلسطينيّة من أجل وقف العدوان وإدخال المساعدات الإنسانيّة وإعادة إعمار غزّة وإطلاق سراح الأسرى والأسيرات الفلسطينيّين. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ حملات شرح القضيّة الفلسطينيّة في مختلف أبعادها وكشف حقيقة انتصاب الكيان الغاصب وكل المغالطات والأكاذيب التي رافقته لتشريعه بما في ذلك توظيف "المحرقة" و"المعاداة للساميّة" توظيفا خبيثا وخسيسا وفضح حرب الإبادة التي يشنها منذ عقود في كافة المستويات على الشعب الفلسطينيّ مجتمعا وثقافة وتاريخا وحضارة ينبغي أن تتواصل إلى جانب التشبّث بملاحقة الجناة وتقديمهم إلى الجنائيّة الدولية وبإحياء قرار الأمم المتّحدة الذي يجرّم الصهيونيّة ويعتبرها شكلا من أشكال التمييز العنصريّ.

إنّ مواصلة معركة الوعي ينبغي أن يكون لها "جيشها الثوري" الذي يخوضها من سياسيّين وإعلاميّين ومثقّفين ومبدعين في كافّة المجالات (غناء، مسرح، سينما، رسم الخ...) ومؤرّخين وعلماء ورجال دين وطنيّين وتقدّميين من مختلف الديانات والمعتقدات ومناضلات نسويّات وصانعي محتوى وغيرهم. هؤلاء جميعا قادرون على هندسة وعي جديد يخص القضيّة الفلسطينية بما لديهم من التزام يجعلهم يتفوّقون على الآلة الدعائية الصهيو-إمبرياليّة رغم ما لديها من إمكانيات ماديّة وتقنية رهيبة. إنّ ما حصل من تطوّر في الوعي خلال العامين الأخيرين من حملة الإبادة التي شنّها الكيان الصهيونيّ بدعم أمريكيّ غربيّ على الشعب الفلسطيني يؤكّد ما ذهبنا إليه. وإذا كان ثمّة مهمّة علينا التركيز عليها بشكل مباشر فهي بلا شكّ تنظيم هذه الجبهة التي تخوض معركة الوعي ولو بأشكال بسيطة مرنة . إن القوى التقدميّة العربيّة في المنطقة وفي الشتات قادرة بلا شكّ، عبر تنسيق أدنى ومحكم، على أن تشكل قلب الرحى في هذه المعركة العظيمة التي سيكون النّصر فيها واحدا من أبرز العناوين لتهاوي صرح الامبراطوريّة الإمبرياليّة الأمريكيّة وحلفائها وأدواتها الذين حكموا على شعوبها بالبؤس الماديّ والمعنويّ.

عاشت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين

في عيد ميلادها الثامن والخمسين

---------

"النّخل لا يبكي

النّخل يغنّي

ورغم الليالي

ورغم المواجعْ

أرى النّخل عالي

ولا يتراجعْ"

(الشاعر التونسي ، الطاهر الهمّامي)

----

المجد للمقاومة

والخلود للشهداء