Menu

عالمية الأدب الفلسطيني فدوى طوقان نموذجاً

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

بعد عقدين ونيّف على رحيل الأديبة العالمية فدوى طوقان (1917–2003)، نتساءل ماذا تبقى من أدبها؟ وأين يمكن أن يُصنّف ما تركته من نتاج أدبي؟ وهل يمكن أن نغامر ونقول إنه أصبح أدباً عالمياً خالداً لا يمكن أن يطويه الزمن؟ وهل ذاك النتاج صالح ليدخل مكتبة الأدب العالمي؟ وما موقع أدبها في سياق أدب المقاومة والأدب الإنساني العالمي؟

في محاولة للإجابة عن بعض تلك التساؤلات - بشكل موجز - سنتقصى ملامح العالمية في نتاجها الأدبي، ليصار إلى إعادة قراءته من طرف الأجيال المعاصرة من الكتّاب والمهتمين بغية الوصول إلى ملامح بارزة للأدب العالمي فيما لو أطلق هذا المصطلح على أي نتاج أدبي، ووُصف بأنه عالمي؛ لذلك سيتناول هذا المقال، هنا، مفهوم عالميّة الأدب الفلسطيني من خلال تجربة فدوى طوقان، ويبحث في المرتكزات الجمالية والفكرية التي منحت شعرها وسيرتها الذاتية بعداً عالمياً بوصفها نموذجاً شعرياً استطاع تحويل التجربة الوطنية والذاتية إلى خطاب إنساني شامل.

يُثار مفهوم "العالميّة" في الأدب غالباً بوصفه إشكالياً، إذ يُساء فهمه أحياناً على أنّه تخلٍّ عن الخصوصية الثقافية لصالح خطاب كوني مجرّد، في حين يرى الألماني "غوته" في مفهوم "الأدب العالمي" أنّ النصّ يبلغ العالمية حين يتجاوز حدوده القومية دون أن يتنكر لها. ويربط المفكّر إدوارد سعيد في كتابه (الثقافة والإمبريالية) بين النصوص الكبرى وبين قدرتها على مساءلة السلطة والهيمنة باسم الإنسان. فعالميّة الأدب، بحسب النقد الحديث، تُعرَّف بأنّها قدرة النصّ على التعبير عن تجربة إنسانية مشتركة تتجاوز حدود الثقافة واللغة والتاريخ، مع احتفاظه بخصوصيته السياقية، ولا تعني العالمية الانتشار وحده، بل العمق الإنساني، وقابلية الترجمة الجمالية، ومرونة الدلالة.

تبيّن تجربة فدوى طوقان أنّ الطريق إلى العالمية يمرّ عبر تعميق المحلي، لا تجاوزه، فقد انطلقت من فلسطين – جغرافياً وتاريخياً ووجدانياً – واستطاعت أن تجعل من هذه التجربة نموذجاً يمكن قراءته بوصفه نصّاً عالمياً من حيث البنية والرؤية، لا من حيث التداول فقط، وخطاباً إنسانياً مفتوحاً على كلّ قارئ في العالم، فلم تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها شعاراً سياسياً، بل جعلت من الخصوصية الفلسطينية منبعاً للكونية، وأصبحت مأساة إنسانية مركّبة، شكّل الاحتلال في شعرها قهراً يوميّاً، وتهديداً للوجود كسّر الزمن الطبيعي للحياة. وفي دواوين مثل "وحدي مع الأيام" – "أعطنا حباً" - و"على قمة الدنيا وحيداً"، تتحوّل فلسطين من مكان جغرافي إلى رمز كوني للإنسان المسلوب الإرادة، وهذا ما يجعل القارئ غير الفلسطيني قادراً على التماهي مع النصّ، لأن الألم ليس محصوراً في سياق سياسي بعينه.

وإذا كانت العالمية لا تعني الانتشار والترجمة وحدهما، بل تعني القدرة على تمثيل التجربة الإنسانية في بعدها المشترك، بحيث يجد القارئ – مهما اختلفت ثقافته – ذاته في النصّ، فإنّ فدوى حقّقت هذه العالمية عبر ثلاث دوائر متداخلة: الذات الأنثوية الإنسانية الفردية (المرأة، الألم، العزلة، الحب، الفقد)، الذات الجمعية (الشعب، الوطن، القهر، المقاومة)، الضمير الإنساني الكوني (الحرية، العدالة، الكرامة). وسنحاول أن نتوقف، بإيجاز، عند كل دائرة من هذه الدوائر:

  • البعد الإنساني للذات الأنثوية

من أهم مرتكزات عالميّة أدب فدوى تمثيلها للذات الأنثوية بوصفها ذاتاً إنسانية لا فئوية. فهي لا تكتب "أدب المرأة" بمعناه الضيق، بل تكتب عن القمع الاجتماعي، والحرمان العاطفي، والصراع مع السلطة الذكورية، وقد جاءت هذه الكتابة خالية من الخطاب النسوي الأيديولوجي المباشر، ما منحها طابعاً إنسانياً عاماً؛ فالمرأة في شعرها ليست حالة محلية، بل صورة للإنسان المحاصر داخل بنى القهر، وهو ما يقرّبها من تجارب شعرية عالمية دون تقليد أو استنساخ. لقد انطلقت فدوى من تجربة فلسطينية شديدة الخصوصية، إذ نشأت في بيئة نابلسية محافظة، حاصرت المرأة اجتماعياً وثقافياً، ومنعتها من التعليم النظامي المبكر، وهذا الحرمان شكّل جرحاً تأسيسياً في وعيها، سرعان ما تحوّل إلى دافع داخلي للمعرفة والكتابة، وكان لشقيقها الشاعر الكبير إبراهيم طوقان دور محوري في صقل موهبتها، غير أن تجربتها اللاحقة أثبتت استقلاليتها الفنية والفكرية، ولم تقع في أسر الخطاب الشعاري أو الأيديولوجي المغلق؛ فالنكبة، والاحتلال، والمنفى، ليست في شعرها أحداثاً سياسية مجرّدة، بل مآسٍ إنسانية: الأم المكلومة، الإنسان المقهور، الجسد الجريح، الروح المنفية. وإن انبثاق صوت فدوى من فضاء الإقصاء الاجتماعي جعل شعرها في بداياته تعبيراً عن المرأة المحاصَرة، قبل أن يصبح لاحقاً تعبيراً عن الوطن المحاصَر؛ وهنا تتجلى وحدة المصير بين الأنثى وفلسطين في تجربتها، وبهذا التحويل الجمالي، تصبح فلسطين في شعرها رمزاً للإنسان الجريح في كل مكان، كما أصبحت مدينة "غرينيكا" في شعر لوركا، أو فيتنام في شعر نيرودا؛ وبالتالي فإنّ إحدى ركائز عالميّة أدب فدوى هي تحرير الصوت الأنثوي من خصوصيته الضيقة وتحويله إلى خطاب إنساني شامل، فهي لا تكتب "امرأة فلسطينية" بمعنى الهوية الضيقة، بل تكتب المرأة بوصفها كائناً مقموعاً في بنية اجتماعية أبوية، وتكتب الجسد بوصفه ساحة صراع بين الحرية والقيد، وتكتب الحب بوصفه حاجة إنسانية مهدَّدة بالقهر والتاريخ.

 

- البعد الإنساني للذات الجمعية

شهد شعر فدوى طوقان تطوراً لافتاً من مرحلة الرومانسية الذاتية المبكرة حيث يهيمن الحزن والوحدة والبحث عن الحب إلى مرحلة الالتزام والمقاومة فتتقدّم الجماعة والوطن، ثم إلى مرحلة التأمل الوجودي العميق في الموت، الزمن، المعنى، والعدم، حيث يصبح المصير موضوعاً مركزياً، وهذا التحوّل يعكس نضجاً شعرياً وفكرياً، ويضع تجربتها ضمن المسار الكلاسيكي لكثير من الشعراء العالميين الذين بدأوا بالذات وانتهوا بالأسئلة الكونية الكبرى، إذ تصبح التجربة الشخصية وسيلة للتفكير في المصير الإنساني، لا مجرّد تعبير ذاتي، كما شكّلت نكبة 1948، ثم نكسة 1967، منعطفاً حاسماً في تجربتها؛ ما جعل القصيدة منبراً للوعي الوطني لا فضاءً ذاتياً مغلقاً، وتجلّى ذلك بشكل ناصع في دواوين مثل: " أمام الباب المغلق " و " الليل والفرسان"، وهنا نلاحظ انتقالاً من ضمير الفرد إلى ضمير الجماعة، وتصاعد النبرة الاحتجاجية، وحضور الأرض بوصفها كياناً حيّاً، فتتداخل صورة المرأة بصورة الوطن، بعيداً عن المباشرة أو الخطابية، مع احتفاظ قصيدتها الوطنية بعمقها الإنساني.

 

- البعد الوجودي العالمي للذات الأنثوية

تتجلّى عالميّة أدب فدوى بوضوح في تمثيلها للذات الأنثوية بوصفها ذاتاً وجودية جريحة ومأزومة، وهو ما يضعها في حوار ضمني مع عدد من الشعراء العالميين، ولأن المقام لا يتسع هنا، نذكر منهم، على سبيل التمثيل لا الحصر، رائدة الأدب الاعترافي الشاعرة والروائية الأمريكية سيلفيا بلاث (1932-(1963، التي تتجلى لديها الذات الأنثوية بوصفها ذاتاً مكسورة، تعيد بناء نفسها عبر الألم، وتتحوّل المعاناة الفردية إلى سؤال وجودي حول الجسد والموت والمعنى. تقول بلاث: الموت فنّ مثل أي شيء آخر... وأنا أجيده تماماً... وتقابلها فدوى في نبرة وجودية مماثلة: وحدي أُصارع ظلّي... وحدي أفتّش عن معنى... للحياة… وللموت. وإذا كان الاختلاف السياقي واضحاً هنا، فإن الاشتراك الوجودي في الموضوع أعمق، فكلا الشاعرتين تكتب من حافة الألم، وقد تحول الجسد والروح إلى فضاءين للصراع، والقصيدة إلى أداة للنجاة لا للزينة، وهنا يكمن وجه العالمية المشترك في تحويل التجربة الفردية القاسية إلى سؤال إنساني مفتوح وخطاب إنساني شامل حول المعنى والهوية والمصير، وهو ما يرسّخ عالميّة التجربتين.

كما تتقاطع تجربة فدوى طوقان مع تجربة الشاعرة الروسية آنا أخماتوفا (1889- 1966)، ولا سيما في تحويل المعاناة الوطنية إلى شهادة شعرية تاريخية إنسانية، إذ تكتب أخماتوفا عن القمع الستاليني من منظور المرأة/الأم، وهو الموقع ذاته الذي تكتب منه طوقان عن الاحتلال. تقول أخماتوفا: تعلّمتُ كيف تنحني الوجوه... وكيف يخرج الرعب من تحت الجفون... وتقول طوقان: نحن باقون هنا... كالصبار في الحلق... وفي العينين نار. ففي كلا النصين، تتحوّل المعاناة السياسية إلى تجربة جسدية ونفسية، لا إلى خطاب أيديولوجي، فالخوف عند أخماتوفا، والصمود عند طوقان، يُصاغان بلغة بسيطة مشحونة مكثّفة، تجعل القصيدة شهادة إنسانية على القهر صالحة لكل زمان.

في شعر فدوى طوقان تُقدَّم فلسطين بوصفها تجربة وجودية، إذ يتحوّل الوطن في قصائدها إلى كيان حيّ يسكن الجسد والذاكرة، وهو ما يضعها في تقاطع واضح مع الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا، الذي كتب الوطن بوصفه جرحاً شخصياً وجمعياً في آن، ولا سيما في ديوانه "النشيد العام" حيث يتحوّل الوطن إلى جسد حيّ، يتألّم ويقاوم، يقول: وطني ليس اسماً... بل جرحاً مفتوحاً في صدري... وتقول فدوى: وطني ليس حقيبة سفر... ولا ذكرى... بل نبضٌ يسكنني... مهما ابتعدت... في كلا النصين، يتجاوز الوطن حدوده الجغرافية ليصبح علاقة وجودية بين الإنسان والمكان، وكياناً وجودياً يسكن الشاعر وهي علاقة كونية تفسّر قابلية هذا الشعر للتلقّي العالمي، وهذا التصوير يمنح القصيدة بعداً عالمياً، لأن علاقة الإنسان بالمكان علاقة كونية لا تخصّ شعباً دون آخر.

كما أصبحت مدينة "غرينيكا" في شعر فيديريكو غارثيا لوركا رمزاً للخراب الإنساني، تتحوّل فلسطين في شعر فدوى طوقان إلى رمز مماثل، فالرمز عندهما لا يلغي الواقع، بل يضاعف أثره الدلالي، ويتحول الجرح الجمعي إلى رمز إنساني. يقول لوركا: الدمُ لا يرى ضوء النهار ... حين يُذبح القمر... لا يبقى للدم ضوء... وتقول طوقان: في بلادي... يُصلب الفجر... قبل أن يولد... كلا النصين يستخدم الرمز الكوني (القمر، الفجر) للتعبير عن عنف تاريخي يتيح للنص أن يتجاوز حدثه التاريخي المحدّد ليغدو تعبيراً عن الاعتداء والعنف ضد الحياة ذاتها.

تُعدّ سيرة فدوى "رحلة جبلية… رحلة صعبة" و " الرحلة الأصعب " من أهم النصوص السردية في الأدب العربي الحديث، فقد تجاوزت فيهما البعد التوثيقي التقليدي لتقدّم تحليلاً نفسياً للذات، ونقداً اجتماعياً للمجتمع الأبوي، وشهادة امرأة على القمع الاجتماعي، وشهادة تاريخية لمثقفة على الاحتلال، وشهادة إنسان على هشاشة الوجود. وهذه الخصائص تجعل من سيرتها جزءاً من أدب السيرة العالمي، القائم على كشف الذات بوصفها مرآة للعالم، وهذه السرديات تُقرأ اليوم ضمن أدب السيرة العالمية، لما تحمله من صدق، وجرأة، وتحليل نفسي واجتماعي عميق، إذ تكتب فدوى سيرة ذاتية تتجاوز الاعتراف الشخصي لتغدو وثيقة اجتماعية وتاريخية، وهذا ما يضعها في تقاطع مع سِيَر عالمية مثل "مذكرات فتاة مطيعة" لسيمون دو بوفوار، حيث تتحوّل التجربة الفردية إلى سؤال فكري عام، والذات الفردية إلى مرآة لبنية القمع الاجتماعي تربط بينه وبين تشكّل الوعي النسوي والإنساني، ويجعل السيرة الذاتية وثيقة إنسانية لا اعترافاً شخصياً فقط.

تبيّن هذه الإطلالة العجلى على أدب فدوى طوقان أنّ العالميّة لديها ليست نتيجة استعارة نماذج عالمية، بل ثمرة اشتراك عميق في الأسئلة الإنسانية الكبرى: القهر، الحرية، الجسد، الوطن، والمصير. لقد كتبت من فلسطين، وعن الإنسان الفلسطيني؛ مما مكّن تجربتها من حجز مكام لها ضمن سياق الأدب الإنساني العالمي، دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية أو التاريخية، فأدبها لا يقوم على التشابه السطحي مع الشعر العالمي، بل على وحدة الأسئلة الوجودية، وتشابه آليات تحويل الألم إلى جمال، واشتراك التجربة الإنسانية رغم اختلاف السياقات، والتقت – شعرياً وروحياً – مع شعراء عالميين في النقطة الأعمق: الدفاع عن إنسانية الإنسان بالكلمة، دون تجاوز الهوية الفلسطينية، بل تعميقها لتصبح إنسانية، من خلال الكتابة من الجرح الفلسطيني وعنه، ومخاطبة الضمير الإنساني، إذ عبّرت عن امرأة محاصرة نطقت باسم الإنسان المقهور في كل زمان ومكان، فأصبحت شاعرة وطنية وشاعرة كونية في آن، لم تكن نتيجة انفتاح شكلي على الآخر، بل ثمرة تجربة إنسانية عميقة صاغتها بلغة صادقة ورؤية جمالية ناضجة، كتبت فلسطين بوصفها جرحاً إنسانياً، وكتبت المرأة بوصفها كائناً كونياً، وكتبت الذات بوصفها سؤالاً وجودياً مفتوحاً، ما جعلها تمثّل أحد أبرز الوجوه الأدبية العربية التي نجحت في تحويل الألم المحلي إلى قيمة إنسانية عالمية.