Menu

هندسة السيطرة الإسرائيلية الشاملة: استراتيجية الحسم والضم الممنهج

د. سعيد سلاّم

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

تمثل الفترة الممتدة من يوليو 2023 حتى ديسمبر 2025 مرحلة "الانقلاب الاستراتيجي" في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، حيث غادرت المؤسسة الإسرائيلية مربع "إدارة النزاع" لتدخل فعلياً في مرحلة "حسم الصراع". هذه الهندسة لا تستهدف فقط السيطرة الأمنية، بل تسعى لإعادة صياغة الحيز الجغرافي والديموغرافي بما يضمن استحالة إقامة كيانية سياسية فلسطينية مستقلة. لقد تضافرت أدوات القمع العسكري مع التشريعات العنصرية لتخلق واقعاً يتجاوز مفاهيم الاحتلال التقليدية نحو "الاستعمار الإحلالي الشامل"، مستغلةً الغطاء السياسي الذي وفرته الأحداث الإقليمية مع بدء حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة في أكتوبر 2023 لتسريع تنفيذ مخططات كانت حبيسة الأدراج لعقود، وصولاً إلى اللحظة الراهنة في نهاية عام 2025 التي تشهد مأسسة كاملة لعملية الضم.

 

مأسسة العنف وشرعنة مليشيات المستوطنين

شهدت الضفة الغربية تحولاً بنيوياً وعميقاً في وتيرة ومنهجية العنف، حيث غادر مربع القمع التقليدي المقتصر على جيش الاحتلال ليدخل مرحلة "عنف الدولة الموازي" عبر مليشيات المستوطنين التي أُدمجت وظيفياً لتصبح جزءاً أصيلاً من الجهاز السيادي والأمني للدولة. وتكشف المعطيات المحدثة حتى ديسمبر 2025 عن حصيلة دامية بلغت أكثر من 1150 شهيداً، بينهم 150 ارتقوا في النصف الأخير من العام ذاته، تزامناً مع تسجيل إصابات طالت عشرات الآلاف بجروح متفاوتة الخطورة.

وتكمن الخطورة الاستراتيجية في هذا التحول في "مأسسة الإرهاب" من خلال تشكيل ما يُعرف بـ "فرق الاستجابة السريعة" التي حظيت بتسليح مباشر ورعاية من وزير "الأمن القومي" إيتامار بن غفير، حيث مُنحت هذه المليشيات صلاحيات شرطية وقانونية كاملة للعمل في المناطق المصنفة (ج). إن هذا التمكين الرسمي أدى إلى خلق بيئة من "الإرهاب الممنهج" استهدفت بشكل خاص التجمعات الرعوية والقرى الفلسطينية المتاخمة للمستوطنات، مما أسفر عن موجات نزوح قسري لعشرات العائلات تحت وطأة التهديد المباشر وبالتنسيق الميداني مع الجيش. وتُصنف هذه العمليات ضمن استراتيجية "التطهير المكاني" التي تهدف إلى إفراغ الخزان الجغرافي الفلسطيني وتوطين المستوطنين بدلاً منهم، مع إرساء منظومة حصانة قانونية كاملة تحمي المعتدين من الملاحقة القضائية، وتكرس واقعاً يصبح فيه المستوطن هو الأداة التنفيذية لتثبيت واقع الضم على الأرض.

 

الهجوم الاستيطاني وهدم التواصل الجغرافي

تجاوز المشروع الاستيطاني في عامي 2024 و2025 طور التمدد العرضي ليدخل مرحلة "الطفرة الاستراتيجية الحاسمة"، حيث لم تكن المصادقة على تأسيس 22 مستوطنة جديدة في مايو 2025 مجرد إجراء إداري عابر، بل مثلت حلقة مركزية في مخطط استراتيجي يهدف إلى صهر الكتل الاستيطانية الكبرى في كتلة جغرافية واحدة، وخلق تواصل مكاني إسرائيلي يمزق الأوصال المتبقية للضفة الغربية. ويبرز في هذا السياق مشروع "E1" كأحد أخطر الأدوات الهندسية للاحتلال، حيث بدأ التنفيذ الفعلي لبناء 15 ألف وحدة استيطانية في هذه المنطقة الجيوسياسية الحساسة، وهو ما أفضى عملياً إلى بتر التواصل بين شمال الضفة وجنوبها وعزل القدس الشرقية تماماً عن فضاءها الفلسطيني. وتتكامل هذه التحركات مع "خطة القدس الكبرى 2050" التي تسعى لابتلاع مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بالمدينة المقدسة وضمها للمنظومة الاستيطانية، مدعومةً بخطاب سياسي لوزراء اليمين المتطرف الذين ينفون الوجود الوطني الفلسطيني عبر تكريس مسمى "يهودا والسامرة" كجزء لا يتجزأ من السيادة الإسرائيلية المطلقة. هذا الواقع تُرجم ميدانياً عبر تشييد شبكة معقدة من الطرق الالتفافية "للمستوطنين فقط"، والتي تعمل كشرايين حيوية لربط المستوطنات بالعمق الإسرائيلي، بينما تحوّل القرى والمدن الفلسطينية إلى "كانتونات" وجزر معزولة ومحاصرة، مما يكرس نظام "الأبارتهايد" ويعدم أي إمكانية جغرافية أو سياسية لإقامة دولة فلسطينية مستقبلاً.

 

تكتيك الأرض المحروقة وتدمير البيئة الحياتية

تبنّت سلطات الاحتلال في النصف الثاني من عام 2025 عقيدة "الأرض المحروقة" كاستراتيجية عسكرية وأمنية عليا في استهدافها الممنهج للمخيمات الفلسطينية، لا سيما في جنين ونور شمس وطولكرم، حيث تجاوزت العمليات سياق الردع الأمني لتتحول إلى تدمير هيكلي شامل للمقومات الأساسية للحياة. وقد وثقت التقارير الميدانية تجريفاً متعمدًا لأكثر من 40 كيلومتراً من شبكات إمداد المياه و11 كيلومتراً من منظومات الصرف الصحي، بالتوازي مع الاستهداف الكلي لمحولات الطاقة وأبراج الاتصالات، في مسعى واضح لتحويل هذه الحواضن الشعبية إلى بيئات "غير قابلة للحياة" ودفع السكان، وبشكل خاص الكفاءات والطبقة الوسطى، نحو خيارات "التهجير الناعم" بحثاً عن الاستقرار المفقود.

ولم يتوقف هذا العدوان عند التدمير المادي، بل تلازم مع "هجوم تشريعي" كاسح عبر إقرار "قانون التسوية" و"قانون سيادة الأغوار" في عام 2025، وهما التشريعان اللذان وفرا غطاءً قانونياً لمصادرة ما يزيد عن 45 ألف دونم من الملكيات الخاصة تحت ذرائع "المصلحة القومية". إن فرض القانون المدني الإسرائيلي على غور الأردن يمثل عملياً إعداماً للوجود القانوني الفلسطيني في تلك المناطق وتحويل المواطنين الأصليين إلى "رعايا" يفتقرون للحقوق الأساسية ويخضعون لنظام حكم عسكري تعسفي، في حين يتمتع المستوطن المقيم على الأرض ذاتها بامتيازات قانونية ومدنية كاملة، مما يكرس نظام "الأبارتهايد" في أبشع صوره ويعيد تعريف الوجود الفلسطيني كحالة طارئة في وطنها التاريخي.

 

القدس وحرب الهوية السيادية

شهدت مدينة القدس المحتلة تحولاً استراتيجياً فارقاً، حيث انتقلت سلطات الاحتلال من سياسات "التهويد الهادئ" إلى مرحلة "الأسرلة الشاملة والفرض السيادي العلني"؛ إذ يبرز شروع الاحتلال في تنفيذ مشروع "تلفريك القدس" في أكتوبر 2025 كأداة استعمارية لترسيم مشهد بصري وتاريخي هجين يطمس الهوية العربية العريقة للمدينة، ويهدف بنيوياً إلى ربط الشطر الغربي بالمؤثرات الاستيطانية في قلب بلدة سلوان. وتتوازى هذه المشاريع الجيوسياسية مع حملة تطهير عرقي "ناعمة" من خلال تصاعد وتيرة أوامر الهدم الجماعي والتهجير القسري في أحياء بطن الهوى، والشيخ جراح، وأم طوبا، حيث تُقتلع العائلات الفلسطينية من جذورها لتوطين غلاة المستوطنين مكانهم في سياق إحلالي صريح. أما في المسجد الأقصى المبارك، فقد سجل عام 2025 انتهاكاً جسيماً لما عُرف تاريخياً بـ "الوضع القائم"، عبر شرعنة الصلوات التلمودية العلنية وتكثيف الاقتحامات التي يقودها وزراء رسميون بصفة سيادية، في سعي حثيث لفرض التقسيم الزماني والمكاني كأمر واقع نهائي وغير قابل للنقاش. وتمتد هذه الحرب الوجودية لتطال الجبهة الثقافية والتربوية، من خلال تشديد الخناق على المنهاج التعليمي الفلسطيني ومحاربة الرواية الوطنية، في محاولة هندسية تهدف إلى صياغة وعي جيل مقدسي منزوع الجذور والهوية، وإلحاقه إدارياً وقسرياً ببلدية الاحتلال لضمان السيطرة المطلقة على مستقبل المدينة وسكانها.

 

المشهد الاقتصادي المنهار

يعد المشهد الاقتصادي الركيزة الأساسية والمدخل الأكثر دقة لفهم عمق الكارثة البنيوية التي تعصف بالكيانية الفلسطينية؛ إذ تشير التقارير الصادرة عن منظمة "الأونكتاد" والبنك الدولي لعام 2025 إلى أن الاقتصاد الفلسطيني قد دخل فعلياً طور "الاحتضار الهيكلي" جراء سياسات التدمير الممنهج. لقد أفضت هذه السياسات إلى محو ما يربو على 22 عاماً من المكتسبات التنموية في غضون عامين فقط، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً دراماتيكياً بنسبة قاربت 30%، ما أدى إلى ارتداد نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى مستويات عام 2010، وهو ما يعني عملياً إبادة عقد ونصف من التطور الاقتصادي.

تجلت "حرب التجويع المالي" في أبشع صورها عبر القرصنة الممنهجة لأموال المقاصة، والتي تمثل الشريان الرئيسي للموازنة العامة بنسبة 65% من إجمالي الإيرادات؛ حيث استُخدمت هذه الأموال كأداة ضغط سياسي وابتزاز استراتيجي لتقويض أركان المؤسسات الفلسطينية، مما تسبب في شلل شبه كامل في قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها المالية، وأدى بالتالي إلى تدهور حاد وانهيار متسارع في جودة الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية. بالتوازي مع ذلك، سجلت معدلات البطالة أرقاماً قياسية غير مسبوقة في الربع الأول من عام 2025، حيث قفزت إلى 31.7% بين الرجال و33.7% بين النساء، نتيجة القرار القسري بمنع قرابة 200 ألف عامل من الوصول إلى سوق العمل داخل الخط الأخضر، الأمر الذي أدى إلى تجفيف السيولة النقدية وحرمان الدورة الاقتصادية المحلية من أموال ضخمة كانت تمثل صمام أمان للقوة الشرائية.

وتؤكد التقارير الأممية الموثقة أن إسرائيل انتهجت سياسة "التدمير القطاعي" المتعمد، مستهدفةً القطاعات الإنتاجية الحيوية كالزراعة والصناعة عبر إحكام السيطرة العسكرية على المناطق المصنفة (ج) وحرمان الفلسطينيين من الوصول إلى مواردهم المائية وأراضيهم الخصبة. إن هذه الممارسات لا تهدف فقط إلى شل القدرة الإنتاجية، بل تسعى إلى تكريس واقع "التبعية القسرية" وتحويل الضفة الغربية إلى مجرد سوق استهلاكي تابع كلياً للمنظومة الاقتصادية الإسرائيلية، وهو ما يجسد بوضوح استراتيجية "الضم الاقتصادي" كركيزة أساسية وخطوة استباقية لإتمام مشروع الضم السياسي والسيادي الشامل على كامل التراب الوطني.

 

التحليل الحقوقي والاستجابة الدولية المطلوبة

تُجمع كبريات المنظمات الحقوقية الدولية، وفي مقدمتها "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية، على أن المنظومة السياسية والقانونية التي تطبقها إسرائيل في الضفة الغربية قد تجاوزت حدود الاحتلال العسكري لتستقر في مربع "جريمة الأبارتهايد" (الفصل العنصري) مكتملة الأركان، وهي جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي، تتغذى على نظام مؤسسي من القمع والهيمنة العرقية. وقد جاء الرأي الاستشاري التاريخي لمحكمة العدل الدولية في سبتمبر 2025 ليحدث زلزالاً قانونياً وضع المجتمع الدولي بأسره أمام التزاماته الموجبة بضرورة الإنهاء الفوري وغير المشروط للاحتلال، ووجوب امتناع الدول عن تقديم أي عون أو مساعدة تساهم في ديمومة المشروع الاستيطاني، بما يشمل قطع العلاقات التجارية والدبلوماسية مع الكيانات العاملة في المستوطنات. إن إمعان سلطات الاحتلال في سياسة "الإفلات من العقاب" وازدرائها المنهجي لقرارات الأمم المتحدة، والذي تجلى بوضوح في إدراجها المخزي ضمن "القائمة السوداء" لمنتهكي حقوق الأطفال نتيجة استهدافها الممنهج للقاصرين، يفرض حتماً "انتقالة نوعية" في آليات الضغط الدولي؛ بحيث يتم تجاوز لغة الإدانة البروتوكولية نحو تبني "منظومة عقوبات ذكية" ورادعة تستهدف كبار قادة المستوطنين، والشركات الدولية المتواطئة، والمؤسسات المالية الداعمة للاستيطان. كما يستوجب هذا الواقع تفعيل مبدأ "الولاية القضائية العالمية" لملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب أمام المحاكم الوطنية والدولية، بالتوازي مع تحرك دولي عاجل لبناء "شبكة أمان مالية" سيادية ومستدامة تدعم صمود الشعب الفلسطيني ومؤسساته، كخط دفاع أول في مواجهة سياسة "القرصنة المالية" المتمثلة في احتجاز أموال المقاصة، وبما يضمن حماية الكيان السياسي الفلسطيني من الانهيار المخطط له إسرائيلياً.

 

الضفة الغربية كساحة لحسم الصراع

يُظهر المشهد الجيوسياسي مع نهاية عام 2025 عن حقيقةٍ لا تقبل التأويل؛ وهي أن الضفة الغربية قد غادرت في العقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية تصنيف "الأرض المحتلة" بالمعنى التقليدي، لتستقر بوصفها "ساحة حسم" نهائية ومسرحاً لتصفية القضية الفلسطينية. إن مخطط الانهيار المالي الممنهج للسلطة الوطنية، وتغول المشروع الاستيطاني الذي بات يلتهم العمق الجغرافي، ومأسسة إرهاب المستوطنين وتحويله إلى ذراع سيادي للدولة، ما هي إلا أدوات تنفيذية ضمن استراتيجية موحدة ترمي إلى إحداث قطيعة تامة مع خيار الدولتين، وإحلال واقع استعماري إحلالي يرتكز على محو الوجود السياسي الفلسطيني.

إن حماية الوجود الفلسطيني المادي والبقاء فوق الأرض لم تعد مجرد شعار، بل أضحت المهمة الوطنية والإنسانية الأكثر إلحاحاً ووجودية في التاريخ المعاصر؛ الأمر الذي يستوجب بلورة استراتيجية فلسطينية وعربية ودولية شاملة وعابرة للمواقف البروتوكولية، تهدف إلى التصدي لـ "هندسة السيطرة" الإسرائيلية وتقويض أركانها، قبل أن يتحول الضم الفعلي المفروض بقوة السلاح إلى واقع قانوني ومؤسسي يستحيل نقضه أو التراجع عنه في المدى المنظور.