Menu

إبستين: عندما تضحي الاستخبارات بعمليها

جمال كنج

بوابة الهدف

هذا هو المقال الثالث والأخير في سلسلة تتناول الحصانة التي تمتع بها جيفري إبستين في حياته، والنهاية الغامضة التي لقيها في مماته. في المقال الأول، بيّنتُ أن إبستين لم يكن يعمل منفردًا، بل كان عنصرًا فاعلًا داخل منظومة أوسع. وفي المقال الثاني، كشفتُ كيف تولّى «السيانم» - اليهود الأمريكيون الموالون لدولة الكيان - حمايته وتمكينه.

 

فضيحة إبستين ليست مجرد جرائم جنسية، على فظاعتها. إنها قضية تتعلق بتسليح العنف الجنسي عبر شبكات يُحتمل ارتباطها بأجهزة استخبارات اجنبية بهدف ابتزاز قادة سياسيين، واستغلال الأطفال جنسيا، وإفساد المؤسسات الديمقراطية، خدمةً لدولة أجنبية. لقد شكّل نظام إبستين في «جمع ملفات الابتزاز» لشخصيات تحتل مواقع نفوذ عليا تهديدًا خطيرًا بلغ حدّ إرباك أكثر الشخصيات قوة في العالم.

 

ومثالا على ذلك أن رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، كان يخشى تداعيات إبستين حتى بعد وفاته. ففي محاولة لوقف نشر وثائق سرية تتعلق بملفات إبستين، مارس ترامب ضغوطًا ووجّه تحذيرات مباشرة لعضوة الكونغرس مارجوري تايلور غرين، قائلًا لها: «أصدقائي سيتأذون». لم يكن هاجس ترمب تحقيق العدالة للضحايا، بقدر ما كان الخوف من انكشاف «الأوساخ» التي تطال «أصدقاءه».

 

بل إن رسائل إلكترونية ونصوصًا كُشف عنها حديثًا تُظهر إبستين وهو يسخر من ترامب، صديقه القديم، واصفًا إياه بـ«المجنون» و«على حافة الجنون»، ومهددًا بقدرته على «إسقاطه». مثل هذه الغطرسة لا تصدر إلا عن شخص يمتلك مواد ابتزاز شديدة الخطورة، أو يعتقد أنه محمي بقوى تتجاوز في نفوذها حتى رئيس الولايات المتحدة نفسه.

 

واللافت هنا أن جيفري إبستين كان «يجمع ملفات الابتزاز» بلا تمييز أيديولوجي: ديمقراطيون وجمهوريون، ليبراليون ومحافظون، أمراء وأكاديميون - جميعهم أصول محتملة أو أهداف ناضجة. هذا الحياد السياسي يشير بوضوح إلى أن إبستين كان على الأرجح يدير عمليات الابتزاز لصالح جهاز استخباراتي محترف. غير أن اكتمال هذه القصة لا يكمن في حياة إبستين، بل في ظروف موته - الموت الذي أغلق آخر نافذة محتملة لكشف المنظومات التي مكّنته وحمته.

 

أسئلة كثيرة بقيت بلا إجابة عقب ما قيل إنه انتحار إبستين. سجلات السجن الفدرالي تُظهر أنه خضع مرارًا لتقييمات أكدت أنه غير ميّال للانتحار. فقد ورد في تقرير نفسي بتاريخ 26 تموز/يوليو 2019 أنه «لا يحب الألم ولم يحاول إيذاء نفسه». كما خلص تقييم لمخاطر الانتحار في 1 آب/أغسطس إلى أنه مستقر نفسيًا، ينظر إلى المستقبل، ومعارض دينيًا لفكرة الانتحار، وبالتالي فإن مستوى الخطر «منخفض». وفي 8 آب/أغسطس من نفس العام - أي قبل يومين فقط من العثور عليه ميتًا - نفى مجددًا وجود أي أفكار انتحارية.

هذه التقييمات صدرت عن المؤسسة الفدرالية المسؤولة عن حماية حياته أثناء الاحتجاز. في قضية جنائية عادية مثل هذه الوثائق كفيلة بإطلاق إنذارات خطيرة. أما في سياق عمليات الاستخبارات الكبيرة فهي تشير إلى حسابات مختلفة تمامًا. يبدو أن تلك التقييمات لم تُؤخذ في عين الاعتبار حين وصلت إدارة السجون إلى تقييم سريع وسُجّل موته كحالة انتحار، محدثا تناقض صارخ بين السجلات الطبية وما وصلت إليه التحقيقات الرسمية. مات إبستين وهو يحمل «معلومات» كان من شأنها فضح شبكات نافذة ودولة أجنبية. دفن معلومات خطيرة مع صاحبها يتماشى تمامًا مع أسلوب أجهزة الاستخبارات المتجذرة بإخفاء الدلائل التي قد تهددها.

في عام 2008، جرت حمايه و تحييد إبستين ومنعه من الإدلاء بشهادته عبر صفقة مخففة «سرية» مع المدعي العام في فلوريدا. أما في عام 2019، فقد رفضت الضحايا الاستمرار في الصمت وقررت خلع العار. لم يعد النظام، ومعه الإعلام المُدار قادرًا على كبح الشهادات العلنية. عندها تحوّل إبستين إلى تهديد وجودي لأفراد ومؤسسات شديدة النفوذ. فالمحاكمة العلنية كانت ستكشف قنوات التمويل وشبكات المتبرعين والعلاقات الاستخباراتية، وآليات الابتزاز المعقدة خلف الأبواب المغلقة. فرجل استخبارات عالي القيمة يواجه محاكمة قد يمتلك حافزًا قويًا لعقد صفقة تنقذ حياته. وفي هذه الحالة فإن شهادته قد تفضي إلى تورط سياسيين وأمراء ومليارديرات موالين لدولة الكيان أو على صلة بالاستخبارات و الموساد. لكن نهايته جاءت مفاجئة، في ظروف تناقض أبسط معايير الحراسة.

يمثل موت إبستين في السجن نمطًا مألوفًا في العمل الاستخباراتي: إنه يحمل الكثير من الأسرار، ومن يشكل خطر فضح المستور يموت بهدوء. تتعطل الكاميرات. ينام الحراس. تنهار البروتوكولات. ويُسكت الشاهد. هذا ما ضمن لجاك روبي أن يوقف هارفي أوزوالد الإدلاء بشهادته حول اغتيال الرئيس كندي، ثم مات بعد ذلك بوقت قصير. وهكذا مات روبرت ماكسويل، رجل الأعمال البريطاني و العميل الصهيوني غرقا بجانب يخته الكبير، ليُحتفى به لاحقًا من قبل دولة الكيان كبطل قومي. ومؤخرًا، جريمة قتل ستيفن ت. شابيرو عام 2019 - الذي كان على علاقة بليزلي ويكسنر وجيفري إبستين - تسلط الضوء على الكيفية التي يمكن أن تنتهي بها حياة أشخاص يقفون عند تقاطع الثروة والأسرار. وعليه، لا يبدو أن موت إبستين استثناءً، بل مثالًا على كيفية حماية السلطة لنفسها، وعندها تتحول المؤسسة الحكومية المفترض به صون العدالة إلى أداة لفرض الصمت.

 

نفّذ إبستين جرائمه في الظل لعقود. لم يكن شذوذًا عن النظام، بل كان نتاجه: مُمكَّنًا منه، ومندمجًا فيه، ونافعًا له - إلى أن أصبح عبئًا. ولم تتحول سيرته إلى فضيحة إلا عندما اطّلع الرأي العام أخيرًا على ما ظل النظام يحميه طويلًا. الأصول الاستخباراتية تُصان، أما الأعباء فتُتخلّى عنها. لقد أنهى موت إبستين ما كان بقاؤه يهدد بكشفه.

 

إبستين مات، أما النظام فلم يمت. كان «أصلًا» قبل أن يصبح قابلًا للتضحية. مثل أوزوالد، مثل ماكسويل، مثل شابيرو. موته لا يغيّر شيئًا. آلة السيطرة الموالية لدولة الكيان تواصل عملها، غير مرئية وغير قابلة للمساءلة، مستعينة بالمليارديرات أنفسهم. وستستمر في استغلال قوانين الإعفاء الضريبي في الولايات المتحدة، مُغذّية إدمان التمويل لدى المشرّعين، و تعمق الفساد، و تعيد تجنيد أدوات جديدة لتحافظ على نفوذها في دهاليز الإدارات الأمريكية.