ما يُسمّى وقف إطلاق النار في غزة لم يكن سوى مناورةٍ انتهازية، هدفت إلى تأمين إطلاق سراح أسرى دولة الكيان، ومنح دولة الاحتلال تفويضًا مفتوحًا لمواصلة التجويع والقتل والاغتيال بلا قيد أو مساءلة. ومرةً أخرى، وقع العالم ضحية خداعٍ صهيوني صيغ في واشنطن، بأيدي «أمريكيين إسرائيل أولًا»، ومُوِّل من دافعي الضرائب الأمريكيين، وارتوى بدماء الفلسطينيين.
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، قُتل أو أُصيب أكثر من 1700 فلسطيني في غزه. وفي يومٍ واحد فقط من الأسبوع الماضي، قتلت قوات الاحتلال 11 فلسطينيًا، بينهم ثلاثة صحفيين وأطفال. ووفق الحسابات الرقمية، يتبيّن أن ما يُسمّى مجازًا «وقف إطلاق النار» ليس سوى تسميةٍ مضلِّلة؛ القتل يعادل في المتوسط سقوط 17 فلسطينيًا بين قتيل وجريح يوميًا خلال المئة يوم الماضية. ووفق المتحدث باسم «اليونيسف»، جيمس إلدر: «قُتل أكثر من 100 طفل في غزة منذ وقف إطلاق النار… طفل أو طفلة واحدة كل يوم».
بعض الضحايا قتلوا بالرصاص أو تحت القصف. أما الرضّع، فقد سقطوا بصمتٍ و أشد قسوة، متجمّدين حتى الموت. لم يمت الأطفال بسبب برد الشتاء، بل لأن دولة الاحتلال دمّرت منازلهم، ومنعت «الأونروا» من إدخال الملاجئ الآمنة، والخيام المجهزة للبرد، والمساكن اللائقة إلى غزة. إن موت الأطفال من البرد في غزة ليس كارثةً طبيعية، بل نتيجة مباشرة لسياسات إجرامية.
ورغم ذلك، يواصل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر و دونالد ترامب الترويج والإدعاء بأن وقف إطلاق النار «صامد» منذ أوائل تشرين الأول/أكتوبر 2025. والسؤال البديهي: هل كانوا سيكررون هذا الإدعاء لو قُتل عشرة أطفال يهود فقط من دولة الكيان؟ الجواب واضح. المسألة ليست جهلًا ولا سوء تقدير، بل عنصرية فجة؛ منظومة أخلاقية ملطخة بالدم، قائمة على تفوّقٍ غربي–يهودي، تجعل حياة الطفل الفلسطيني رخيصة وقابلة للإهدار، فيما تُمنح حياة الطفل اليهودي قدسيةً مطلقة.
في صميم هذا الخداع يقبع ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وهو حدٌّ عسكري غامض قُدِّم بوصفه خط انسحابٍ جزئي لقوات دولة الاحتلال ضمن المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار. غير أن هذا الخط تحوّل إلى فخٍّ متحرّك، تمدده قوات الاحتلال إلى داخل القطاع في عتمة الليل، ثم تطلق النار على الفلسطينيين في وضح النهار، بلا إنذار أو رقابة. ظنّ الفلسطينيون أن وقف إطلاق النار يتيح لهم العودة لتفقّد منازلهم المتضررة، أو استعادة مقتنياتهم، أو البحث عن الغذاء من النباتات البرية لإطعام أطفالهم، لكنهم وجدوا بيوتهم ممسوحة عن الخريطة، لا بفعل المعارك، بل بعملية تدميرٍ منهجية على يد عدوٍّ متجذّر في الكراهية.
وبالتوازي، لم يُسمح بدخول المساعدات إلى غزة كما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار. فالحصار لم يُرفع، بل أُعيدت هندسته. القوافل تُؤخَّر، والمعدات الطبية تُرفض بذريعة «الإجراءات التقنية»، وإمدادات الوقود ومواد الإيواء والمساكن الجاهزة تُقيَّد أو تُمنع. المستشفيات تفتقر إلى الأدوية لا بسبب شحّها، بل لأن دولة الاحتلال سحبت تراخيص 37 منظمة إغاثية، بينها «أطباء بلا حدود»، ومنعتها من إرسال طواقمها أو إدخال مساعداتها. إن موت الأطفال من البرد بينما تُمنع «الأونروا» من إدخال الملاجئ الآمنة ليس إخفاقًا إنسانيًا؛ إنه قتلٌ متعمّد.
وفيما تتواصل فظائع دولة الاحتلال في غزة، وتُرهب عصابات و رعاع المستوطنين القرى الفلسطينية، وتحرق المنازل، وتعتدي على المدنيين بإفلاتٍ شبه كامل من العقاب، وتتوسع المستعمرات اليهودية الحصرية برعايه الكيان في الضفة الغربية، تُصعّد دولة الاحتلال التوترات الإقليمية عن قصدٍ محسوب و بسياسة مألوفة: افتعال مواجهةٍ أوسع لتحويل الأنظار، ولعب دور الضحية، وإغراق المنطقة في ضجيج حربٍ أكبر. في هذا السياق، تسعى دولة الكيان إلى جرّ الولايات المتحدة نحو مواجهة مع إيران، في حربٍ مفصّلة على قياس مصالحها وحدها، وبكلفةٍ كارثية على المنطقة، وعلى الأرواح والموارد الأمريكية.
هذا و تبقى الولايات المتحدة الداعم الأول لدولة الاحتلال، تُبيّض جرائم الحرب بلغةٍ دبلوماسية ملساء وبحق النقض، الفيتو، في الأمم المتحدة. أما الموقف الأوروبي المتردد فليس أقل نفاقًا. ففي أواخر عام 2025، طرح الاتحاد الأوروبي مشروع لاتخاذ إجراءاتٍ عقابية، بينها تعليق اتفاقية التجارة التفضيلية بسبب انتهاكات دولة الكيان للقانون الدولي الإنساني. غير أن هذه الإجراءات توقفت فور الإعلان عن وقف إطلاق النار الوهمي، ما منح دولة الاحتلال ضوءًا أخضر جديدًا. فهمت دولة الكيان الرسالة، وعدّلت أساليبها، فتصاعدت الانتهاكات: استمر الهدم، وخُنقت المساعدات، ومات الأطفال لا بالقصف فقط، بل تجمّدًا.
واليوم، نسمع أصداء الضجيج المسرحي الدبلوماسي الترامبي المعتاد، يُسوَّق للعالم تحت عنوان «مجلس سلام». «مجلس» يضم بين أعضائه شخصًا ملاحقًا بتهم جرائم حرب ضد الإنسانية، يتهرّب من حضور مناسباتٍ دولية تفاديًا للاعتقال والمساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية، لا يمكن لهذا أن يكون مشروع سلام، بل مهزلةً سياسية مكتملة الأركان. «مجلس» قيل إنه أُنشئ من أجل غزة ولكن من دون تمثيلٍ فلسطيني، فإذا به يتحوّل إلى نادٍ بعضويةٍ دائمة تبلغ كلفتها مليار دولار، تحكمه وثيقة تأسيس لا تذكر غزة ولا فلسطين، ولا تتضمن أي مسارٍ جاد لتقرير المصير.
في البيان الصحفي لإعلان هذا «المجلس»، تجاهل ترامب مقتل أكثر من 470 فلسطينيًا، وموت الرضّع تجمّدًا، مفضّلًا الحديث عن الهوس باستعادة جثمان جندي لدوله الكيان، وعن نزع سلاح شعبٍ يقع تحت الاحتلال. وإذا كان هذا الخطاب مؤشرًا، فإن «مجلس السلام» لن يكون سوى تمثيلية استعراضية جوفاء، لا طريقًا إلى العدالة.
و في جوهره، يبدو هذا المشروع أقرب إلى صفقةٍ عقارية على طريقة المستثمر جاريد كوشنر، يديرها حاكمٌ نصّب نفسه بلا تفويض ولا مساءلة، فيما تمنح وثائقه التأسيسية—وتحديدًا الفصل السادس، المادة السادسة—صلاحياتٍ لإبرام العقود، وتملّك الممتلكات والتصرّف بها، وتلقّي الأموال العامة والخاصة وصرفها.
لا يحتاج الفلسطينيون إلى سيرك سلامٍ جديد، ولا إلى مليارديرات ينظرون إلى غزة كفرصةٍ استثمارية لا كقضية شعب وحقوق. لا سلام يُبنى على محو الإرادة الفلسطينية وترسيخ حصانة دولة الكيان من المحاسبة. ما يطالب به الفلسطينيون هو حق تقرير المصير، والعيش في دولةٍ مستقلة، آمنة، وذات سيادة. وما عدا ذلك ليس سلامًا، بل إدارة دولية للإخضاع والإبادة.
غزة لا تحتاج إلى مرحلةٍ جديدة ولا إلى «مجلس» آخر. غزة تحتاج إلى عدالةٍ ومساءلة حقيقية لنظام دولة الاحتلال القائم على الإجرام والتمييز العنصري. غزة تحتاج إلى فتحٍ كامل وغير مشروط لمعابرها برًا وبحرًا وجوًا. ولا يجوز أن يُحكم على أهل غزه بالبقاء كجزء من كيان إنساني مُدار، تُقنَّن حياتهم بالمساعدات وتُدار شؤونهم بإرادة المانحين. على المجتمع الدولي أن يستعيد سيادة القانون الدولي، عبر تمكين المحكمة الجنائية الدولية من ملاحقة القادة السياسيين والعسكريين في دولة الكيان المتهمين بجرائم حرب وإبادة جماعية، دون ضغوطٍ أمريكية، ودون استثنائيةٍ غربية، ودون نفاقٍ أخلاقي قائم على ازدواجية المعايير.
إن وقف إطلاق نارٍ يترك الرضّع يموتون من البرد، لأن دولة الاحتلال تمنع إدخال الملاجئ الشتوية، ليس سلامًا. و«مجلس» يمنح نفسه حق التصرّف بالممتلكات، فيما تواصل دولة الكيان انتهاك الاتفاقات في غزة، وتروّع العصابات اليهودية المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية، ما هو الا محاولة لتكريس مرحلةً جديدة من تطبيع الاقتلاع والإبادة الجماعية.

