لم يعد العالم يُدار بالقانون الدولي الذي ساد إدارة العلاقات بين الدول وحل النزاعات بينها، ولم تعد تُحسم النزاعات بالمواثيق الدولية المعترف بها، ولا تُصان سيادة الدول عبر الأمم المتحدة. ما نشهده اليوم هو عودة صريحة إلى منطق الغلبة والقوة: من يملك القوة يفرض الواقع، ومن يعترض يُسحق أو يُحاصر أو تُشن الحرب ضده. العالم برمته يعيش أزمة في النظام الدولي، بل انهياره العملي، وبات أكثر وضوحًا مع وصول ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية.
الولايات المتحدة، والكيان الصهيوني وروسيا والصين والمملكة العربية السعودية رغم اختلاف مواقعها وخطاباتها ودوافع كلٍّ منها، تشترك في سلوك جوهري واحد: فرض الوقائع بالقوة ثم البحث عن تشريعها لاحقًا، بعد إضعاف أو الانتصار على الطرف الأضعف عبر اتفاقات تُفرض على الدول الضعيفة.
الولايات المتحدة هي الخطر الأكبر على أي ادعاء بوجود "نظام قائم على القواعد"، وهذا ما عبّر عنه الكثير من الزعماء والخبراء في منتدى دافوس الأسبوع الماضي، لا لأنها تستخدم القوة فحسب، بل لأنها تحتكر تعريف الشرعية. فالرئيس الأمريكي يعتبر أن جزيرة غرينلاند يجب أن تكون ضمن السيادة الأمريكية دون أن يقدم أي تبرير قانوني للاستيلاء على هذه الجزيرة، وتبريره الوحيد أنه يستطيع ضمها بالقوة إذا لم توافق الدانمارك على التخلي عنها لصالح أطماعه، مكررًا ما فعله بالاعتداء على سيادة فنزويلا وخطف رئيسها الشرعي مادورو لأنه رفض طلب ترامب بالتنازل عن رئاسته للدولة.
وتم إخضاع الحكومة الفنزويلية لمصالحه أو مصالح الولايات المتحدة بالقوة والتهديد. ويعمل على تكرار التجربة ضد إيران ونظامها، بدعوته للسيد الخامنئي بالتخلي عن موقعه، ويلوح ويهدد علنًا بالحرب ضد إيران تحت عناوين الردع ومنع الانتشار النووي. لكن جوهر التهديد لا يتعلق بسلاح نووي لم يُنتَج، بل بكسر إرادة دولة ترفض الخضوع الكامل. التهديد بالحرب هنا أداة سياسية لإعادة ضبط ميزان القوة والقوى في المنطقة، بالتوازي مع حماية "إسرائيل" ومنحها حصانة مطلقة. وما يُلوَّح به ضد إيران من حرب يصدر عن المنطق ذاته: كسر الإرادة من خلال فرض شروط التفاوض قبل كسر السلاح.
المطلوب ليس أمنًا ولا استقرارًا، بل إخضاع المنطقة وإعادة ترتيبها وفق ميزان قوة واحد، لا مكان فيه للاعتراض. الأمثلة على السلوك الأمريكي كثيرة، والمثير للسخرية أنه يضرب بعرض الحائط كل المواثيق الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة، وبذات الوقت يلجأ إليها عندما يريد تمرير قرار لمصلحته، مثلما حصل حين قدم لمجلس الأمن مبادرته المكونة من عشرين بندًا المتعلقة بـ "إنهاء النزاع في غزة وتشكيل مجلس سلام عالمي"، أو عند تمرير قرارات تتعلق بالعقوبات الدولية ضد إيران وروسيا، معتمدًا في كل هذا على فائض القوة. والأمر ذاته يحصل باعتراضه على تكليف المالكي لرئاسة الوزارة في العرق، إضافة الى تسهيل عودة مقاتلي داعش إلى العراق لتوظيفها لاحقا في تعميق عدم الاستقرار في العراق.
الكيان الصهيوني يُمثل الحالة الأكثر فجاجة في هذا العالم الجديد. القوة بالنسبة للكيان ليست وسيلة، بل عقيدة. في فلسطين، تُعاد صياغة الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ بالقصف، والاستيطان، والحصار. غزة تُباد، والضفة الغربية تُنتهك يوميًا سواء من خلال بناء المستوطنات المخالفة لكل القرارات الدولية، أو من خلال زيادة الإجراءات القمعية والاعتقالات واعتداء المستوطنين، ضاربة بعرض الحائط قرارات الأمم المتحدة والأعراف والمواثيق الدولية وقرارات محكمة العدل والمحكمة الجنائية. ما يُمارس على غزة من إبادة، تُنفَّذ تحت مظلة دولية صامتة، ما يجعل الجريمة جزءًا من النظام الجديد لا خرقًا له. ويعتمد الكيان الصهيوني على الولايات المتحدة التي تمنحه الغطاء السياسي والدعم العسكري وإعفائه من الالتزام بقرارات الأمم المتحدة والقوانين الدولية.
أما في الحالة الروسية، وبغض النظر عن الدوافع، فروسيا تتحدى أوروبا الغربية عبر تغيير الحدود مع أوكرانيا بالقوة متجاوزة كل القرارات والمواثيق الدولية، غير عابئة بالعقوبات، لأنها أدركت حقيقة باتت مكشوفة: القانون الدولي لا يحمي إلا من تحميه القوة. وبهذا يتشابه المنطق الروسي والامريكي و الصهيوني فيما يتعلق بأهمية القوة لتجاوز كل المواثيق والقوانين الدولية.
أما بالنسبة للصين، فإنها تعتبر الحسم في مسألة سيادتها على تايوان مسألة وقت لا أكثر. فإن حصلت الحرب بشأن تايوان، ستشارك فيها الولايات المتحدة ليس دفاعًا عن سيادة تايوان ولا عن الديمقراطية أو اقتصاد السوق الحر، بل ستكون مشاركتها لحسم مسألة احتكار القوة العالمي.
وفي المنطقة العربية، التي لم تعد منطقة أزمات، بل منطقة تجارب مفتوحة. ف سوريا تُحتل أراضيها ويتم إخضاعها بالقوة لاتفاقية أمنية بإملاءات "العدو القوي"، ومهددة بالتقسيم أو على الأقل بإخضاع الحكومة الحالية لنفوذ عدد من الدول الإقليمية بإدارة أمريكية، وقوة كل دولة تحدد منطقة ومساحة نفوذها السياسي والاقتصادي.
أما فيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية فقد راقبنا تأثير القوة الذي مارسته ضد دولة الإمارات العربية المتحدة وحلفائها في جنوب اليمن، وما حصل قبل ذلك خلال حربها ضد اليمن والتي انتهت بتقسيم فعلي لليمن إلى كيانين ونشاهد التهديد من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد أنصار الله في الشمال اليمني، كما شاهدنا غارات تلك الدول على المرافق المدنية والبنى التحتية دون أي رادع دولي.
وفي لبنان، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701، قام الكيان الصهيوني بأكثر من ثلاثة آلاف خرق للاتفاقية، واستمر في قصف المناطق المدنية والاغتيالات والغارات التي تستهدف بنية تحتية وأهدافًا مدنية. وبالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، تقوم تلك الدول بكل هذا السلوك باسم "الاستقرار".
أي استقرار هذا الذي يُبنى على المقابر، وتُدار فيه السياسة بقذائف المدافع وغارات الطائرات؟
هذا ليس عالمًا جديدًا، بل عالمًا عاريًا من الأقنعة. لم تعد القوى الكبرى بحاجة إلى تبرير أفعالها، ولا تشعر بالحرج وهي تدوس القانون الدولي. في هذا العالم، لا يُقاس الحق بالعدالة، بل بالقدرة على الصمود والرد.
ومن لا يفهم ذلك اليوم، سيفهمه غدًا… لكن بعد فوات الأوان.

