شلال الدم الفلسطيني مستمر في النزف بلا توقف ،في ظل عالم أبستين، وما كشفه ليس مجرد شبكة انحرافات جنسية، بل انهيار معيار الأهلية الأخلاقية للنخبة الحاكمة والمؤثرة عالميًا.
ونحن كشعب فلسطين ضحايا عالم أبستين ،والتوحش والتغول وسقوط كل أقنعة التغني بالأخلاق والقيم وحقوق الإنسان والمُثل، والتي سقطت على بوابات قطاع غزة، حيث الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وفق ما قالته محكمة الجنايات الدولية.
وكذلك سقطت الشرعية الدولية وكل منظومات القيم والأخلاق في حي الشيخ جراح في القدس ، حيث جرى هدم أسس الشرعية الدولية بهدم مباني وكالة الغوث واللاجئين"الأونروا" وحرق مقراتها، وإغلاق مدارسها ومؤسساتها الإجتماعية والصحية في مدينة القدس وتباهي قادة دولة الإحتلال بالتخلص من " الوحش النازي".
اما في سجون الإحتلال فأسرانا يتعرضون لأبشع أشكال القمع والتنكيل والتعذيب والإذلال والتجويع، ويرتقون يومياً حيث بلغ عدد الأسرى الشهداء في سجون الإحتلال منذ السابع من أكتوبر2023،91 شهيدا، و يريد قادة دولة الإحتلال، وهم من منظومة عالم أبستين، إعدام أسرانا في السجون، فحكومة الإحتلال وأجهزتها الأمنية أقرت قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. هذا الإعدام الذي يمارس يومياً.
المناظر والهيئات التي يخرج عليها أسرانا من سجون الإحتلال، بأجساد منهكة ومجموعة كبيرة من الأمراض ،وعلامات التعذيب بادية عليهم، فهي لا تثير في حكام عالم أبستين، أي مشاعر أو انفعالات إنسانية واحتجاجات ومطالبات بوقف مسلسل التعذيب، والقمع والتنكيل بحق أسرانا، فالمهم جثة آخر رهينة إسرائيلية، وليس أكثر من سبعين ألف شهيد وأكثر من 171 الف جريح وحوالي عشرة آلاف أسير.
المناضل خالد الصيفي المبدع والمدير التنفيذي لمؤسسة إبداع الشبابية في مخيم الدهيشة، والتي حرص مع زملائه في الهيئة الإدارية على تحويلها إلى خلية نحل تعج بالأنشطة والفعاليات واللقاءات الرياضية والثقافية والأمسيات الفنية، والتي تجاوز دورها وصيتها وسمعتها وشهرتها أسوار الخيمة لتصبح مشهورة على مستوى الوطن وخارج الوطن، عبر نسج أوسع علاقات صداقة وتعاون مع مؤسسات شبابية ورياضية وفنية وثقافية صديقة للشعب الفلسطيني في أكثر من دولة، هي رمز وعنوان وحدي يجمع عليه كل أهل المخيم.
المناضل خالد الصيفي في اعتقالاته الإدارية، المتكررة ،بعد السابع من أكتوبر/ 2023 التي تعرض فيها لعمليات تعذيب قاسية وإهمال طبي متعمد، حيث خرج من اعتقاله الإداري الأخير كهيكل عظمي، ويعاني من مجموعة أمراض تفاقمت بسبب سياسة الإهمال الطبي، والموت البطيء عبر سياسة ممنهجة قائمة على التنكيل وممارسة الوحشية بأبشع صورها بحق الأسرى.
فور خروجه من المعتقل، نقل إلى المستشفى الإستشاري في رام الله، في وضع صحي صعب، كان يوحي بأن المناضل خالد الصيفي، لن يتجاوز محنته، وبأن جسده المنهك غير قادر على تحمل كل هذه الأمراض التي نتجت عن سياسة عزل وقمع وتنكيل وتعذيب ممنهجة بحقه وبحق بقية الأسرى.
وليعلن الأطباء عن توقف قلبه وإرتقاءه شهيداً ،وهو لم يمض على تحرره من السجن سوى أسبوع واحد. هذا الرحيل المبكر لخالد، أحدث صدمة في قلوب كل محبيه من أبناء شعبه ورفاقه وإخوته، في مخيم الدهيشة وخارجه، وفي كل أنحاء فلسطين وفي خارج الوطن. وخاصة بأن هذا الرجل يمتاز بنفس وطني وحدوي، فهو لم يجعل من مؤسسة إبداع، مؤسسة تخص لون سياسي واحد، بل مؤسسة وطن.
وفور وصول خبر استشهاده للمخيم قال أبناء المخيم، خالد الصيفي صديق المخيم ترجل يا سماء أمطري دموعك لعلك توفي الرجال حقهم. وأبرقي لكي تضيئي عيون النائمين وأرعدي لعل في الرعد هزة توقظ النيام نم قرير العين وأنت في القلب والعقل.
رحلت، وخلفت المخيم صامتا أمام خسارتك، يئن من ثقل غيابك، يفترش الأرض غربة وحزنا.
رحلت جسداً وبقيت قضية نابضة في وجدان الوطن، ستظل ذكراك شاهداً صادقاً على وطنيةٍ صلبة لا تموت، تلهمنا الثبات كلما اشتدّ الغياب، سنفتقد حضورك، لكننا سنستدل بك، فالقادة العظام لا يغيبون، إنما يتحولون الى ضوء يُهتدى به.
خالد الصيفي من الشخصيات الوطنية والمجتمعية البارزة، وله إسهامات واضحة في الحقلين الثقافي والاجتماعي، وكان معروفًا بمواقفه ونشاطه الوطني، حيث تعرّض للاعتقال عدة مرات خلال مسيرته النضالية.
ذكرى المناضل خالد الصيفي، ستبقى خالدة في قلوب محبيه من رفاق وأخوة وأحبة ومن كل أبناء مخيم الدهيشة الذين كان خالد بالنسبة لهم رمز وعنوان جامع وموحد، خالد ذاهب نحو الخلود الأبدي جسداً، ولكن ذكراه ستبقى خالدة عند كل من عرفوه وأحبوه فهو أحبهم وهم أحبوه.
هذا حال المنتمين للوطن، حال السائرين على درب من سبقوهم من الشهداء من قادة وكوادر وأفراد، وإستشهاد المناضل الصيفي، لن يكون الأخير لا بالنسبة لأبناء شعبنا، ولا بالنسبة لأسراه، فالإحتلال، لا يريد لهذا الشعب أن يعيش بأمن واستقرار، ولو على جزء من أرض فلسطين التاريخية، فهو لا يرى وجود لهذا الشعب، إلا خارج أرض فلسطين، فهو لا يعترف بوجوده ولا بحقوقه الوطنية والسياسية، ولا بحقه بالعودة إلى أرضه التي طرد وهجر منها .

