يصور الروائي والكاتب والصحفي خليل صويلح في روايته (ماء العروس), الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت بالعام 2025, مدينة دمشق المثقلة بإرثها التاريخي والعمراني, ولم تستطيع أن تتجاوز العقلية السلطوية الأبوية المسيطرة على فضاءاتها العامة في الشوارع والأبنية والأحياء التاريخية في أسواقها, ودور هذه المدينة في إعادة تشكيل المهاجرين إليها من الفضاءات السورية وغير السورية, إذ تلعب دوراً كبيراً في إعطاء هذه الشخصيات بعداً إنسانياً وحضارياً ذي عمق تاريخي.
فضاءات سورية:
تحتل الأمكنة السورية الرواية منذ الصفحات الأولى حيث الصحراء السورية القاسية، فبعد الإفراج عن ساري البشر, كانت الشمس على وشك الغروب, عندما عزم على الذهاب مشياً إلى مضارب عشيرته بقلب هش, ومعدة فارغة, وشهقة بكاء مكتومة. لم أرغب في أن أقود الأب المحزون للتهلكة في الصحراء.
إذ كانت الصحراء السورية هي مكان الشخصيات الرئيسية في الرواية, فإن دمشق هي مكان السارد الأساسي فيها حيث يذهب لطباعة صورة شخصية لجواز سفر "اتجهت إلى شارع 29أيار حيث استديو العاصمة للتصوير- لفتني الزحام في تراس مقهى العراب عند ناصية الشارع, على الرغم من برودة الطقس".
ويصف شارع29أيار ذاك المساء "فبعد خمسين متراً, كان بائع كتب أرصفة يضع نسخة مقرصنة من رواية (العراب) في أعلى رخام السور المحاذي لمستشفى الشرق لمعالجة العقم وأطفال الأنابيب, ثم من مسافة أقل, سأنتبه إلى محل عصائر يضع على الواجهة أكواماً من البرتقال على هيئة هرم هندسي متناسق.
ومن على سطح بيته يشاهد أنه " لا تيار كهربائياً في هذا التوقيت, فقط أضواء شحيحة متناثرة فوق سفوح جبل قاسيون, وهواء تشرين الثاني القارس, وضجيج موسيقا ينبعث من تراس فندق البلوتاورز على بعد ثلاث مائة مثر من السطح.
كان الشارع معتماً كمقبرة, لا أحد سوى القطط وجامعي المخلفات من حاوية القمامة في الناصية.
ليعود إلى بيئة الشخصية الرئيسية في الرواية قرية الجابرية المتاخمة لنهر الخابور, وهو يقف على بوابة قسم الهجرة والجوازات في البرامكة بدمشق للحصول على جواز سفر, بينما ساري البشر يختار منحدر تلة عالية غير بعيدة عن النهر, متسلحاً بعصا وخنجر وأحلام غامضة في تدبير أقل ذلاً مما هو فيه.
بعد أن سمع الراوي شتيمة الطابور من الشرطي أختار أحد معقبي المعاملات لانجاز جواز السفر مع دفع مبلغاً ضخماً غادر المكان مشتتاً وهو يجتاز الشارع نحو جسر الرئيس: هل يكمل طريقة نحو المتحف الوطني؟ أم يعرج على باعة كتب الأرصفة تحت الجسر؟ أم يستقبل تاكسي ليعود إلى البيت.
لكنه ينزل من فوق الجسر إلى كراج الحافلات ليتلقفه أحد بائعي الكتب, ويعرض عليه كتبه الجديدة, في حين ساري البشير يثبت أوتاد خيمته فوق تله تطل حقول القطن على مقربة من ضفة نهر الخابور الشرقية.
ويخوض ساري البشير مغامرة اكتشاف الكامب الفرنسي المهجور منذ أواخر أيام سلطة الانتداب عندما وجد نفسه وسط هنغارات صدئة, فحلقة الأبواب والشبابيك, ومكاتب بأسقف من التوتياء, يغطيها الغبار والرمل, وخرائط وأوراق متناثرة على الأرض المكسوة بالسيراميك الأبيض, موزعة على مساحة خمسة أفدنة تقريباً. ويأخذ منه بانيو يضعه في زريبت البيت, ويصبح المكان المفضل لنوم إسماعيل أبنه.
بينما يقص السارد ما عثر عليه في فلاشة الميموري من ملف ضخم مرفق بالصور التي توثق حريق حي ساروجة الأثري في مدينة دمشق, ليلة 16تموز 2023, كآخر نسخة لحرائق أخرى شهدتها المدينة لأسباب مختلفة منذ ألف عام إلى اليوم، ويذهب إلى مكان الحريق ليجد سيارة شرطة أغلقت الطريق، لكن بدورة التفافية يجد نفسه أمام "مركز الوثائق التاريخي" المغلق.
تأمل الأمكنة متجاهلاً ضجيج (سوق الحرمية) وزحام الباعة تحت"جسر شارع الثورة", والجدران الملطخة بسواد الفحم, وعبر جسراً معدنياً نحو القلعة, وصولاً إلى فضاء الجامع الأموي نحو مقهى النوفرة.
ويلتقي إسماعيل ساري البشر عبود السطام منقذ أبيه من السجن في مقهى الروضة بدمشق دون أن يعيره أدنى انتباه بسبب لقاءه مع مخرج سينمائي من أجل فيلمه بعدما غادر التدريس والقرية عبر القطار المتجه إلى حلب ليلتقي جاسم عطية في دمشق وينام في منزله بعش الورور ليلة واحدة, ويغادرها إلى بيت في حي الديوانية مستأجراً غرفة إلى جانب عدد من المستأجرين.
ويسرد الروائي أماكن جديدة في دمشق مثل حانة "اللاتيرنا", وصالة كامل بالمزة للفنون الجميلة, ومقام الأربعين في أعلى قمة جبل قاسيون, ومكتبة ميسلون, وشارع الشعلان.
أحداث وشخصيات واقعية:
يصعب فرز خطوط السرد الخيالي عن الواقعي في رواية ماء العروس بسبب التداخل الكبير في الوقائع والشخصيات الإنسانية التي تغص بها الرواية, فالخط الواقعي في الرواية يمثله الراوي السارد من زاويته علاقته بالأمكنة, والأحداث الواقعية منها حريق ساروجا الأثري الذي بررته وكالة الأنباء الرسمية بأنه نتيجة "ماس كهربائي" وتساءل الصحفيين عن مصير نحو خمسة ملايين وثيقة نادرة تعود إلى حقبة العهد العثماني, وفترة الانتداب الفرنسي, وحكومات الاستقلال( سجلات المحاكم الشرعية، ووثائق أصول العائلات الدمشقية، والفرمانات السلطانية, والصحف, والجريدة الرسمية "السالنامة" والمخطوطات النادرة, والصور الفوتوغرافية).
ويزور مقهى "النوفرة" المتاخم لحائط الجامع الأموي من جهته الشرقية, لحضور مشهد الحكواتي الذي غادر كرسيه في المقهى منذ سنوات. لينتقل إلى مقهى الروضة, حيث يعالج حرائق الأراكيل بمشتل من الأشجار, ويضع فوق كل طاولة غصناً أخضر بدلاً من الخرطوم العجائبي للأركيلة, فتهب روائح أوراق ليمون وجوز وصنوبر, متجاهلاً رائحة التنباك والمعسل والفحم التي تحاصره من كل الجهات.
ومن الشخصيات التي يتعرف عليها إسماعيل في بيت الديوانية شاعر الومضة كما يسميه مصعب هاشم, وفي الواقع والحياة هو (الصاعد هاشم), وكذلك أكثر من مخرج عراقي كان في دمشق خلال تلك الفترة, فمن المخرج (جواد الأسدي, باسم قهار, الراحل هادي المهدي, صلاح هادي, والراحل عوني كرومي). ومن الأسماء الحقيقية التي للشخصيات في الرواية "محمد النجاري ولد سيدي المختار" الموريتاني الذي قطن الشام, وطاب له هواها.
ويذكر معرض "عاريات" للفنان يوسف عبدلكي في صالة كامل بالمزة, والموقف من المعرض بوجود نظام بشار الأسد حيث اعتبره العديد من المثقفين السوريين المقيمين خارج سوريا تطبيع من النظام البائد, لكن الفنان عبدلكي رد على كل ذلك في مقال مطول في صحيفة القدس العربي.
ويوظف الروائي صويلح ذكرى الزلزال الذي حدث في6/2/2023, في سوريا و تركيا من صور سريالية عصية على الفهم, ومشهديات مرعبة غير قابلة للمحو, كما لو أن ذلك حدث في متحف للأنقاض, بشر عالقون بين الموت والحياة, لا أوكسجين يكفي لاكتمال دورة الشهيق والزفير, أوراق نعي جماعي لتوطين الألم. ويكتب عن بار فريدي الذي تحول إلى مطعم للوجبات الجاهزة, وعن قصة حب ضائعة, وعن عرق الريان, وعن سيرة كحولي واضح, عن الحرب والموت والمخيم.
ويعبر عن صعاليك الشام التي فقدوا أثناء الحرب ما بعد 2011, بيوتهم وأراضيهم إذ يقول:" كلانا يحرث التضاريس نفسها, في خريطة ممزقة, منذ أن فقد بيته في مخيم اليرموك بقذيفة عمودية أحالت كل ما فيه حطام منزل وذكريات وصور على الجدران. وهكذا وجد نفسه حارساً لمفاتيح غرف المهاجرين من صعاليك الزمن السعيد الذين غادروا البلاد فجأة, ليستقر أخيراُ في غرفة متهالكة في حي ساروجة, كان يشغلها شاعر يدعى "الشنفرى". وقد حاز هذا اللقب بسبب سرعته في العدو هرباً من الدائنين, وليس لفروسية سلفه الجاهلي ونبالته وشعريته.
ويعود الراوي إلى الطريق الذي سلكه في بداية الرواية: شارع العابد, مروراً بمقهى العراب, ثم شارع29أيار ثم بائع الكتب المستعملة, ثم أهرامات البرتقال في واجهة محل العصائر (لا تتوقعوا جريمة قتل أو ورشة تصوير سينمائية), ثم اجتاز الشارع نحو الرصيف المحاذي للمركز الثقافي الروسي, ثم الرصيف الموازي للجدار الخلفي لسينما السفراء المغلقة منذ سنوات, ثم توقف أمام كشك لبيع السجائر (كان يلصق إعلاناً على الزجاج الأمامي عن غرف للإيجار), ثم سلك درجاً يقود إلى أو زقاق في الحي, ثم متاهة شوارع ضيقة ومتداخلة ومعتمة.
أخيراً تضفي فضاءات الرواية بعداً جمالياً على المكان السوري من الصحراء إلى نهر الخابور والقرية إلى العاصمة وأحيائها وشخصياتها الواقعية والمتخيلة وأحداثها الواقعية والخيالية في خلطة سردية جاذبة قادرة على جعل القارئ يمشي في زواريب الرواية جرياً خلف إسماعيل والرواي.
فرواية ماء العروس للكاتب والصحف والروائي خليل صويلح تستحق قراءات متعددة تستوعب ما جاء فيها من خطوط روائية.

