Menu

بعد أن ضاق ذرعاً بالتضامن الأمريكي مع غزة ترامب يعلن الحرب على الجامعات الأمريكية

د. محمد عبد القادر

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

مدخل
بات من المعروف والمؤكد أن الولايات المتحدة ترزح تحت حكم نظام (بلا نظام) ديكتاتوري بلا حدود، وعنصري مسكون بأشكال العنصرية وأنماطها وأبعادها. تجسدت في تصريحات، وممارسات، والأوامر التنفيذية للرئيس ترامب، واستهدف فيها دوائر الهجرة وقوانينها والمهاجرين من ذوي البشرة غير البيضاء.

ثم استُهدِف الدستور والقضاء والمحاكم والمحامين. ولن ينسى المشاهدون تعليق الرئيس على رفض مسؤولة أمريكية تنفيذ أحد أوامره التنفيذية لأنه غير دستوري؛ فعقب قائلاً: «أنا الدستور».

ومن ميدان الهجرة والمهاجرين إلى مقارعة القضاء، ثم إلى معاداة وسائل الإعلام والصحف الأمريكية ومحطات التلفزة الكبرى، وإهانة الصحافيات والصحافيين بأساليب تخلو من اللباقة واللياقة والأدب. تجاوز الرئيس حدود الأفراد والمؤسسات في بلده، وتطاول على دول أخرى تهديداً وتنفيذاً مدفوعاً بعقلية التفوق العسكري العنصري التي لا تميز بين حليف أو صديق أو مخالف.

ثم جاءت حرب ترامب على الجامعات الأمريكية، والتي نلقي عليها الضوء في هذه المقالة... والسؤال الكبير الذي يفرض نفسه على الجميع: هل يعرف ترامب قيمة وأدوار الجامعات الأمريكية؟ تطورات الموقف الرئاسي المعادي لهذه الجامعات يجيب عن هذا السؤال بالنفي. بل إنه يرى أن حماية صورة الكيان الصهيوني وممارساته أهم من قيمة الجامعات الأمريكية برمتها. وفي الأساس منها كبرى الجامعات المعروفة عالمياً "برابطة اللبلاب" (Ivy League)، التي تتربع على قمة 7,000 جامعة أمريكية بمستويات مختلفة.

ويبدو أنه لا يدرك أيضاً أن هذه الجامعات تمثل قواعد أساسية في الإنتاج المعرفي والتكنولوجي للبلاد، وتعتمد مؤسساتها على الموارد المالية التي تضخها في عروق الاقتصاد الأمريكي. ويكفي أن نشير هنا إلى ما أعلنته رابطة الجامعات الأمريكية، وهو أن الجامعات الأعضاء في الرابطة قدَّمت للاقتصاد الأمريكي في عام 2021 ما مقداره 289 مليار دولار؛ 95 مليارًا منها كانت مدفوعات الطلبة الأجانب الدارسين فيها.

وهكذا يتنافس الرؤساء الأمريكيون في مدى صهيونيتهم وولائهم للكيان، ما يذكرنا بتصريح بايدن الشهير: «لو لم أكن صهيونياً لوجدت أن أكون صهيونياً». لكنه كان صهيونياً ولم يزل.

والسؤال الكبير الثاني: لماذا يطلق الرئيس نيرانَه على مرتكزات العقل والإنتاج والتطوير الأمريكية ممثلة بالجامعات؟ إذا ما أمعنا النظر في موقف الإدارة الأمريكية مما حدث في الجامعات الأمريكية من حركات احتجاجية ضد مجازر الكيان الصهيوني في غزة، سنجد أن ترامب ارتعب وفقد صوابه من:

  1. حركة التضامن الواسعة والمؤثرة مع أهلنا في قطاع غزة، والتي اجتاحت جامعات أمريكية عديدة، في مقدمتها هارفرد وكولومبيا وكورنيل وغيرها. في تلك الساحات سقطت إسرائيل وتهاوت الصهيونية وكيانها ومؤيدوها، وشهدت تحالفاً واضحاً بين الطلبة والأساتذة وغيرهم. لقد كانت "الجرائم الإسرائيلية" في غزة والتضامن مع فلسطين، وهتاف «من النهر إلى البحر» و«فلسطين حرة حرة»، مثيرات لجنون رئيس صهيوني وشرارات أشعلت غضب واشنطن ورعب تل أبيب.
  2. الربط المباشر بين جرائم الكيان وموافقة الإدارة الأمريكية.
  3. التأثير السلبي على الناخب الأمريكي المؤيد للجمهوريين.
  4. تدهور صورة الكيان في الجامعات الأمريكية التي تخرج قادة المستقبل.
  5. الخوف من تفاقم الاحتجاجات بما يمنع أو يعرقل دعم واشنطن لتل أبيب على المستويات كافة.
  6. اتساع تأثير ما تصفه إدارة ترامب باليسار الأمريكي الذي يمكن أن يتمدد في مؤسسات أخرى.

 

  • مظاهر حرب ترامب على الجامعات الأمريكية

جاهلاً أو متجاهلاً قيمة الجامعات وأدوارها وتَأثيرها، شن الرئيس حرباً بلا هوادة على مؤسسات التعليم العالي الأمريكية، واتخذ إجراءات متضافرة تمثل أبرزها فيما يأتي:

  • مطالبة إدارات الجامعات بتغيير سياساتها تجاه:

- قبول الطلبة (والأجانب خاصة)

- المناهج التعليمية.

- الإعلان عن موضوعات التدريس والرقابة على المناهج.

- اتهام الجامعات بالتحريض ضد أمريكا.

  • الادعاء أن الجامعات تستولد الاتجاهات اليسارية في أوساط الطلبة والأساتذة.
  • إقالة رؤساء الجامعات أو تهديدهم بالإقالة إذا لم يتم الالتزام بالأوامر الرئاسية.
  • لا حرية ولا استقلالية للجامعات الأمريكية.
  • طرد الأساتذة الأجانب المقيمين، وإلغاء إقاماتهم.
  • رفع الضرائب الحكومية على مداخيل الجامعات.
  • الحرمان أو التهديد بالحرمان المالي المستحق للجامعات.
  • التدخل الحكومي في المناصب الإدارية العليا.

 

  • أهداف ترامب من حربه على الجامعات ومغزاها
  1. تحويل الجامعات إلى نظم أقرب إلى النظم المدرسية.
  2. نشر ثقافة الخوف المهني / الوظيفي لدى الأساتذة، والطرد لدى الطلبة (الأجانب خاصة).
  3. محاربة فكرة التعدد والتنوع الثقافي في الجامعات.
  4. ضرب المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
  5. تفكيك مصادر قوة الجامعات (المعرفية والاجتماعية والسياسية وغيرها).
  6. تقييد الحرية الأكاديمية والسياسية للجامعات.
  7. إرساء معالم بيئة أكاديمية قامعة، تلتزم الإدارات الجامعية والطلبة والأساتذة بالإملاءات الحكومية المركزية، ورسم السياسات في إطار تعليمات الحكومة.
  8. التسليم الضمني بأن الرئيس هو مصدر السياسات، وأهمها الحفاظ على صورة إسرائيل وعدم الاحتجاج على ممارساتها مهما كانت.

 

  • الرئيس يلحق الأذى بالجامعات


لم يُبدِ الرئيس الأمريكي اهتماماً لعواقب سياساته العدائية ضد الجامعات الأمريكية؛ فقد كان همه تعزيز صورته وتحكّمه في القرار، والدفاع عن الكيان وحماية مستقبله، وتدجين منابع القوة في المجتمع الأمريكي. لقد ألحق الرئيس ترامب بالجامعات الأمريكية أذى لم يكن ليلحق بها جيش من الأعداء، وتتجسد مظاهر هذا الأذى فيما يأتي:

  • الإلحاق بالأذى بالسمعة الدولية للجامعات الأمريكية.
  • تقليص أعداد الطلاب الملتحقين بها، وتقليص مواردها المالية.
  • مغادرة أعداد من الاساتذة خوفاً على مصداقيتهم أو نزاهتهم.
  • تقييد حرية البحث العلمي وحرية التعبير بعامة.
  • حرمان بعض الجامعات من مستحقاتها المالية الحكومية.
  • استقالة رؤساء جامعات.
  • قبول الجامعات بتشريعات تقيد النموذج الأكاديمي الأمريكي.
  • اتهام بعض الجامعات بمعاداة السامية.
  • ترحيب أوروبي بالأساتذة المغادرين للجامعات الأمريكية.

 

  • موقف الجامعات من ممارسات ترامب


حين يكون الجهل سيد الموقف يلجأ العقل إلى القضاء. لم تنتهِ الحرب بين عاقل وجاهل، وإذا كان من الممكن أن تتراجع بعض الجامعات أمام قبضة الجنون، فإن أغلب الجامعات متمسكة بمجموعة من الأسس والمبادئ، وأهمها:

  • لا تفاوض على استقلالية الجامعات.
  • لا تفاوض على حرية الجامعات.
  • لا تفاوض على التنوع الفكري والثقافي.
  • لا للانغلاق أياً كان.
  • لا يَملِي السياسيون على الجامعات سياساتها ونتائج أبحاثها، ولن يؤثروا فيها.

والطريق طويل، والرئيس إلى زوال.