Menu

في ذكرى رحيل جورج حبش

محمد العبد الله

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

 

- " كان الوجه الأنصع ل فلسطين والرمز البارز لشعبها كان ثوريا " كاملا "، لم يضع يوما حياته الخاصة أو علاقاته الشخصية في ميزان نضاله السياسي ".

من شهادة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة: جورج حبش ضمير القضية الفلسطينية.

رحل الحكيم جسداً وبقيت روحه وأفكاره منغرسة في وجدان وضمير كل وطني وعروبي، خاصة وأن المبادئ العظيمة التي حملها ونقلها للأجيال التي تربت في مدرسته السياسية والأخلاقية مازالت متوهجة. طوال سنوات عمره المديدة، أعطى الحكيم لأمته وشعبه كل ما لديه، وغادر الحياة وهو لا يملك _بالمعنى المادي الذاتي_ شيئاً. عاش راحلنا الكبير عفيف اليد واللسان، زاهدا في حياته، وكان نموذجاً لعدد كبير من القيادات والكوادر، كما عرفناها في حياة القادة الكبار " أبو ماهر اليماني، وديع حداد، أبو علي مصطفى ، وأبو أحمد فؤاد ".

 

جورج حبش، ذلك الإنسان العظيم، الذي تتجلى في إرثه النضالي، وسلوكه الأخلاقي، وصلابته الكفاحية، كل المزايا والصفات التي تليق بالقادة التاريخيين، لأنه لم يكن المؤسس والقائد لتيار جماهيري، سياسي وكفاحي على مستوى الوطن الكبير والأمة " حركة القوميين العرب "، ولا لأنه القائد والمؤسس لتنظيم فلسطيني أساسي وفي القلب من الحركة الوطنية الفلسطينية " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " فقط، لكنه كان أكثر من كل ذلك، لأنه مَثَّل على مدى أكثر من نصف قرن، القدوة لأجيال من الشرفاء في الوطن العربي، التي كانت تبحث عن القائد / الإنسان، الذي يحمل منظومة القيم الفكرية والأخلاقية والمسلكية لقائد من نسيجها وطينتها.

في الخطاب التاريخي للحكيم في المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي انعقد في شهر تموز / يوليو عام 2000، وفيه قدم استقالته من قيادة الجبهة، تحدث عن أسباب تنحيه عن المواقع القيادية؛ " هناك سببان رئيسيان يقفان وراء قراري التاريخي هذا:

أولاً: رغبة صادقة لدي تبلورت في أواخر الثمانينات بتقديم مثل ونموذج للآخرين، بأن الإنسان المناضل والقائد يستطيع أن يستمر في العمل والعطاء حتى بدون مواقع قيادية رسمية، هذا من جانب ومن جانبٍ آخر إعطاء مثل نقيض للحالة العربية والفلسطينية، والتي تتجسد في تشبث المسؤولين في مواقعهم مهما طال بهم العمر، حيث لا مجال لتداول السلطة إلا تحت وقع الموت أو الانقلابات. قد يبدو للبعض أن هذا الكلام جاء متأخراً، ومع ذلك فهذا سبب حقيقي، كان ينضج في فكري ويتبلور باستمرار، ولم يكن استمراري في منصبي كل هذه السنين بأي حال من الأحوال تحت ضغط الامتيازات، أو الحفاظ على المركز، أو تلبية نداء التمسك بالكراسي، بل كان نابغاً من نداء الضمير وواقع الجبهة وتطورها أولاً وعاشراً.

ثانياً: في ضوء الوضع العام والإجمالي، أشعر وأدرك أنه من الأفضل لي في السنوات المتبقية من عمري، التركيز في عملي على مهمات وطنية وقومية، أعتقد أنها تحظى بمكانة محورية ومركزية في العمل الوطني والقومي أكثر من مهمة استمراري في الأمانة العامة، دون أن يعني هذا الكلام أي انتقاص أو مساس بهذا المنصب الذي يتطلب كل الجهد والطاقة والعطاء. ولكنني كجورج حبش وفي ظل الوضع المحيط والخاص أصبحت على قناعة بأنني سأفيد أكثر بإحداث هذه النقلة الجديدة في حياتي… دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال الابتعاد عن الجبهة التي أعطيتها عمري، أو عن العمل السياسي والمهمات النضالية الأشمل وطنياً وقومياً كما ذكرت ". لكنه يضيف “رغم كارثية اللحظة وقساوة التحديات، إلا أنـني لا زلـت أمسك بخيط الأمل، ليس من منطلقٍ عاطفي، وإنما لأنني أدرك طبيعة الصراع، وأدرك أصالة هذا الشعب وهذه الأمة، كما أعرف دروس التـاريخ، وبـأن الهزائم والإحباط ومهما امتدت زمنياً فإنها تبقى مؤقتة وعابرة، فالـشعوب في نهاية المطاف هي صاحبة الكلمة والفصل، وهي قادرة على أن تطلق أحلامهـا وآمالها مقاومةً وصموداً ودفاعاً عن أهلها ومصالحها ".

تميز الحكيم بنقائه، بثقافته الواسعة، وقناعته بأهمية الديمقراطية، المتلازمة مع العقلية النقدية التي تعيد قراءة التجربة / التجارب لتبني وتؤسس لمرحلة جديدة بعيدا عن أخطاء الماضي.

في مقابلة صحفية نشرتها جريدة السفير 23 / 1 / 1989 يقول: أكبر موضوع أندم عليه عدم الإعلان عن انطلاقنا كحركة قوميين عرب عن نهج الكفاح المسلح يوم استشهد لنا الرفيق خالد أبو عيشة في منطقة الجليل عام 1964 أي قبل أي حديث عن كفاح مسلح ".

 

عندما تقرأ كلمات هذا الثوري، أو تسمع خطاباته، رغم كل الانتكاسات، تنتقل إليك شحنات كبيرة من الأمل، وعندما تلتقيه، يفاجئك بتلك الروح المقدامة، المسكونة بالإصرار على الانتصار رغم كل الصعاب، مؤكدا على الدوام " لا وجود لليأس في قاموسي، ولا أستطيع التسليم بانتصار دائم للظلم ".

 

في الذكرى الثامنة عشر لغياب الجسد، نقف مجددا أمام إنسان، قائد استثنائي، تحدى المستحيل عندما بدأ في النصف الثاني من القرن الفائت، مع عدد محدود من الشباب العربي في الجامعة الأمريكية في بيروت، مواجهة الفكر الصهيوني الاستعماري الذي تجسد في المستعمرة اليهودية / الصهيونية في فلسطين. ستون عاما من عمر هذا القائد / النموذج، قضاها في ساحات الاشتباك والمواجهة مع الاستعمار بكل أشكاله؛ العسكرية والثقافية والاقتصادية، وواجه بعزيمة فولاذية لا تلين، المستعمرين لوطنه، الذي اقتلعوا وهَجَّرَوا، بالمذابح والقتل، وبدعم مباشر من بريطانيا الاستعمارية، أصحاب الأرض الأصليين خارج بلادهم " فلسطين "، وقد عاش سنوات عمره، صلباً، قابضا على جمر القضية في أصعب وأقسى الظروف، لا تهتز بوصلته، ولا تتزعزع قناعته، بحتمية الانتصار.

 

إن سنوات النضال الطويلة للحكيم، نقلته من قائد ثوري على صعيد الوطن العربي والإقليمي، إلى قائد أممي، عرفته حركات التحرر الثورية في العالم، كما زار العديد من عواصم العالم التقدمية، المؤيدة للشعب الفلسطيني في نضاله، ضيفا على حكوماتها، نظرا لمكانته الكبيرة داخل حركة التحرر الوطنية الفلسطينية / العربية. كانت هافانا قد جمعت فيديل والحكيم عدة مرات الى درجة ان الرئيس الكوبي فاجأ الحكيم في زيارة بعد منتصف الليل في مكان اقامته، كما أخبر الكاتب، القائد الراحل " أبو أحمد فؤاد "، عضو الوفد، الذي تحرك باتجاه باب السكن الذي ينزلون فيه، ليجد أمامه الرئيس فيديل كاسترو، ويبادره قائلا "جئت لأطمئن على الرفيق حبش".

 

في السنوات الأخيرة من عمره المليء بالتضحية والعطاء، انصب جهده على أهمية القراءة النقدية لتجربة العمل القومي العربي، والبحث في أسباب / عوامل التخلف التي تعيق في وطننا مسيرة التحرر والنهضة والوحدة، من أجل التوصل إلى رؤية جديدة تعمل على قيام شكل جديد لحركة سياسية عربية، كفاحية، تنطلق أهدافها وشعاراتها من قلب المعاناة الشعبية، وطنيا، اقتصاديا، واجتماعيا، وعلى أسس مقاومة المشروع الإمبريالي الصهيوني لتحقيق حرية الوطن وكرامة الإنسان.