Menu

جيفري ابستين... ازدواجية المعايير عند رجال السياسة والإعلام

عمر فارس

بوابة الهدف

لو كان جيفري إبستين مسلمًا، لتحوّلت قضيته إلى عاصفة إعلامية عالمية لا تهدأ. كانت الشاشات ستربط جريمته بدينه، وسيغوص المحللون في كل نص ديني وثقافي في محاولة لإيجاد “تفسير” لفعله، بينما يصبح الدين الإسلامي بأكمله تحت الاتهام. كان الإعلام سيبث صورته ليل نهار، وسيستثمر السياسيون جرائمه في خطاباتهم، كما حدث عشرات المرات منذ غزو العراق، حين صُنّف كل مسلم تقريبًا على أنه تهديد أمني محتمل، ووسم الإسلام بالإرهاب و أصبح قاعدة لا استثناء.

منذ 2003 وحتى اليوم، شهد العالم كيف يُستخدم الإسلاموفوبيا كأداة سياسية وإعلامية لتبرير الحروب والسيطرة على المجتمعات المسلمة، في الوقت الذي تُغلق فيه أعين الإعلام والسياسة عن الجرائم نفسها إذا ارتكبها غير مسلم.

لكن إبستين لم يكن مسلمًا. كان والده يهوديًا، ووالدته يهودية أيضًا. ومع ذلك، لم نرَ أحدًا يحمّل اليهودية مسؤولية جرائمه، ولم تتحول خلفيته الدينية إلى مادة لإدانة جماعية. فجأة أصبحت الجريمة “فعلًا فرديًا”، وهو المبدأ الصحيح: المجرم مسؤول عن نفسه وحده، ولا دين يُدان بجريرة شخص واحد.

وهنا يظهر السؤال الجوهري: لماذا لا يُطبَّق هذا المبدأ دائمًا؟ لماذا يُوسم المسلم بالإرهاب لمجرد خلفيته، بينما يُعامل إبستين كفرد؟ لماذا يُفتح ملف الدين والثقافة عند كل فعل ينسب إلى مسلم، بينما يُغلق على الفور عند غير مسلم؟ هذه ليست عدالة، بل ازدواجية صارخة في المعايير الإعلامية والسياسية.

حتى السياسة الأمريكية تُظهر هذه الازدواجية بوضوح. حين اندلعت فضائح إبستين، كان ترامب مرتبطًا ببعض هذه الفضائح، وكان على الأقل من الناحية الأخلاقية والسياسية مسؤولًا عن علاقاته معه. ومع ذلك، لم يُستغل الدين أو الخلفية العرقية لإدانته، ولم يُستغل الإعلام لإلصاق وصمة جماعية باليهودية. لو كان الجاني مسلمًا، لأصبح الدين الإسلامي تحت المجهر الإعلامي والسياسي، و وسِمت الأفعال الفردية بالإرهاب، كما حدث مرارًا منذ غزو العراق وحتى اليوم، حيث تُستخدم تهمة الإرهاب كأداة للضغط والتخويف والسيطرة على المسلمين في الغرب.

المشكلة ليست في ديانة والديه أو في أصله العرقي. المشكلة في ازدواجية المعايير التي تسمح للأقوياء بالنجاة من النقد، بينما يُستغل الدين والهوية لإدانة الضعفاء. انتقاد مجرم — أيًا كانت ديانته — يجب أن يكون مشروعًا، ويجب أن يُركز على أفعاله وليس على خلفيته. أما تحويل الدين إلى أداة للهجوم على جماعة بأكملها أو استخدام الهوية كدرع سياسي، فهذا نفاق واستغلال صريح للمعايير الإعلامية والسياسية.

العنصرية تبدأ عندما نعمّم، والنفاق يبدأ عندما نغيّر المعيار بحسب هوية الجاني. في الغرب، كثيرًا ما يُستخدم مفهوم “معاداة السامية” لحماية اليهود الأفراد من النقد المشروع، بينما يُطبق العكس على المسلمين في الإعلام والسياسة، فيصبح الدين بأكمله محل اتهام، لا الفرد وحده. هذه اللعبة المزدوجة لا تؤدي إلا إلى إضعاف قيم العدالة والمساواة، وتجعل الحقيقة اختيارية حسب هوية المتهم، لا بحسب الفعل نفسه.

إما أن يكون المعيار واحدًا للجميع، إما أن نعترف بأن هناك نظامًا مزدوج المعايير يُدار بوعي كامل، حيث ينجو الأقوياء ويحاكم الضعفاء، ويصبح الدين أداة تبرير أو حصانة، حسب ما تقتضيه المصالح السياسية والإعلامية. العدالة لا تتجزأ، والمبدأ إن لم يكن شاملاً للجميع، يتحوّل إلى أداة انتقائية، تُوظف لخدمة مصالح معينة، وتشرعن الظلم تحت ستار القانون والأخلاق.

في النهاية، لا يمكن وصف أي مجتمع أو دين بالمسؤولية عن أفعال فردية، كما لا يمكن اعتبار انتقاد شخص مجرم جريمة بحق دينه. كل فرد مسؤول عن أفعاله، وكل جريمة يجب أن تُحاسب بمقياس واحد. ما نراه اليوم في الإعلام والسياسة الغربية ليس محاكمة عادلة للأفعال، بل لعبة مزدوجة تُغيّر القواعد بحسب هوية المجرم، وتستغل الدين والسياسة لإخفاء الحقائق أو لتضخيمها حسب المصالح. هنا تكمن الأزمة الحقيقية: ليس في دين إبستين، بل في ازدواجية المعايير التي تسمح للبعض بالنجاة من العدالة، بينما يُستغل الدين والهوية لمحاسبة آخرين بطرق لا علاقة لها بالعدالة.