Menu

د. عصام الكوسى... ابن مخيم اليرموك... قصة كفاح ونجاح

وفاء حميد

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

يقول المتنبي على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وهذا هو حال المثقف الفلسطيني، يجتهد لإثبات هويته ويحفر بالصخر الصلد غيرَ آبهٍ بالمخاطر، يقف في وجه التحديات العاصفة؛ لأن الهدف والعقيدة هما دَأْبُه حتى يصل إلى مبتغاه...

ومن الكتّاب الذين تحدّوا العقبات الكأداء ليصبح أحد نجوم الثقافة في مخيم اليرموك عاصمة الشتات، وليكون منارة علمية وثقافية مؤثرة في المشهد الثقافي العام في سورية، الكاتب والباحث د. عصام الكوسى الذي كان معه هذا الحوار الكاشف لبعض المحطات التي مرّ بها:

د. عصام، لقد كبرتُ على فاجعة فقدان والدك وأنت في ريعان شبابك، والشاب البكر في عائلته عادة ما يجد صعوبة في متابعة دراسته بسبب اضطراره لإعالة أسرته، أو يذهب إلى اتجاه آخر في حياته. ما الدافع الذي جعل الدكتور عصام يتابع دراسته وبتفوق أيضًا في وقت حرج كالذي مررتَ به؟

رحيل والدي لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته القاسية. ولحظة فاصلة في حياتي، زرع في داخلي شعورًا بالمسؤولية لا بالانكسار. أدركت أن العلم ليس ترفًا، بل وسيلة للنجاة كنت أؤمن بأن الاستمرار في الدراسة هو شكل من أشكال المقاومة، وأن التفوق رسالة أوجهها لروحه، ولأسرتي، ولنفسـي... وكلما دهمني الفتور وتراخت همتي عادت إلى ذاكرتي مقولة أبي التي كان يرددها دائمًا: (ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر).

أكملت دراستك العليا ولم تقف عند حدود الوضع الذي فرضه عليك الواقع الاجتماعي، وأصبحت كتبك تدرّس في الجامعات، ووصلت إلى المرحلة التي أنت عليها الآن. كيف وصل الدكتور عصام إلى هذا الطريق بتميز؟ ولماذا اخترت قسم اللغة العربية رغم أنك أردت دخول كلية الهندسة الميكانيكية؟ وما النهج الذي خطوته حتى وصلت إلى ما أنت عليه؟

التميّز لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة صبر طويل وانضباط والتصاق حقيقي بالعلم. أما اختياري للغة العربية، فعلى الرغم من أن رغبتي الأولى هي دراسة الهندسة، لكن ضيق ذات اليد حرمني إياها، فوجدت نفسي منجذبًا إلى اللغة العربية بوصفها هوية وفكرًا وذاكرة، ولاسيما أن لي محاولات شعرية، فشعرت أنني أستطيع أن أخدم بها أكثر، وأن أترك أثرًا علميًا ومعرفيًا أوسع، فاخترتها عن قناعة لا عن اضطرار.

 

من هو الدكتور عصام الكوسى بعيدًا عن المسيرة الأكاديمية؟

أنا إنسان أحاول ألّا أخون بساطتي، وأؤمن بأن القرب من الناس هو أعلى مراتب المعرفة، وأن التواضع والصدق أساس أي حضور حقيقي. وأرى أن الكلمة الصادقة أهم من أي لقب، وبأن الأخلاق هي السيرة الذاتية الحقيقية للإنسان.

أما على الصعيد الشخصي، فأنا متزوج وأب لخمسة أبناء، اختار كلٌّ منهم طريقه في الحياة وفق قناعته: فابنتي الكبرى إعلامية تعمل في وكالة رويتر، والابنتان الأخريان طبيبتان بشريتان، وولدي الكبير صيدلي، وآخر العنقود يدرس في كلية الهندسة المعمارية.

ولا أنسى الدور الكبير لزوجتي في هذه النجاحات، إذ كانت شريكة الدرب والسند الحقيقي، وركن الاستقرار الذي لا يُرى أثره في العناوين، لكنه حاضر في كل إنجاز.

د. عصام، نبتَ وعاش كل لحظات حياته في مخيم اليرموك، وعندما كان عملك في محافظة أخرى عشت متنقلاً بين المخيم وعملك خارجه، لكن السعادة كانت تغمرك كلما رجعت إليه بعد غياب طويل. ما شعورك عندما بدأت الحرب الظالمة على مخيم اليرموك؟

لم يكن الخبر عابرًا، كان كأن الذاكرة نفسها تتعرّض للقصف. المخيم ليس مكانًا نسكنه، بل زمنٌ يسكننا. شعرتُ بأن الطفولة تُستهدَف، وبأنّ البيوت التي حفظت أسماءنا تُهدَم من جديد. كان موقفي صمتًا مثقلًا بالألم، وإيمانًا عنيدًا بأن ما بُني بالوجع لا يسقط بسهولة...

هل تفكّر بالعودة إلى بيتك في مخيم اليرموك والإسهام في إعادة الإعمار؟

العودة حلم لايغادرني، هي ليست قرارًا، بل هي يقين مؤجّل. الأرض التي غادرناها ما زالت تعرف أسماءنا وإن خرجنا منها فهي لاتخرج منا. وأؤمن أن الإعمار الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الإنسان، وترميم الوعي، وحماية الذاكرة من النسيان. حين نعود، نعود لنعيد المعنى قبل أن نعيد الحجر. وإن كتب لي أن أعود فسيكون ذلك فعل مسؤولية قبل أن يكون حنينًا....