Menu

الهند وإسرائيل: تحالفُ الشرّ… وإيران بوابة مشروع إسرائيل الكبرى

جمال كنج

بوابة الهدف

أنهيت النسخة الأولى من هذا المقال قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية–الأميركية المشتركة على إيران بيومٍ واحد. انصبّ التحليل حينها على السيناريوهات المحتملة لمحاولة تحييد إيران، وعلى السعي الصهيوني الدؤوب لجرّ الولايات المتحدة إلى حربٍ جديدة تُفصَّل بالكامل على المقاس الصهيوني. فمنذ عام 1948، لعبت دولة الكيان عنصر اضطرابٍ دائم في الشرق الأوسط، مستغلة القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية الأميركية لتحويل دولٍ عربية وإقليمية إلى كياناتٍ منهكة أو فاشلة: من العراق وسوريا إلى ليبيا و السودان . وكانت إيران، في هذا السياق، الحلقة التالية في مسلسل تخريب الدول وتفكيكها.

غير أن المرحلة المقبلة قد ترتبط بمحورٍ صهيوني–هندي آخذٍ في التشكل؛ اصطفافٌ يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، وقد يُفضي إلى تحولاتٍ جيوسياسية عميقة تعيد رسم خريطه شبه الجزيرة العربية ضمن مشروع ما يُسمّى «إسرائيل الكبرى».

أخرج مهاتما غاندي وجواهر لال نهرو وأنديرا غاندي الهندَ من ظلمة ليل الاستعمار الطويل، ورسّخوا حضورها قوةً أخلاقية في حركة عدم الانحياز. شيّدوا دولةً حديثة على ركائز التعليم العام، والصحة، والتصنيع الوطني، والاستقلال في القرار السياسي. كانت السيادة لديهم مشروعًا يُبنى بالاستثمار في الإنسان الهندي، لا بالارتهان لتحالفاتٍ ضيقة أو اصطفافاتٍ عقائدية.

غير أن الهند في عهد ناريندرا مودي تشهد انزياحًا عميقًا في هويتها السياسية. فالإرث العلماني الذي أتاح لأجيالٍ من أبناء الطبقات الفقيرة الإرتقاء عبر التعليم، يُعاد اليوم توظيفه لخدمة خطابٍ قوميٍّ هندوسيٍّ إقصائي، يصادر منجزات الدولة الحديثة وينسبها إلى سرديةٍ دينيةٍ أحادية، فيما تُفرَّغ السياسات الاجتماعية التي مكّنت الفئات المهمشة من مضمونها وتُقوَّض تدريجيًا.

كان مشهد مودي في الكنيست، وهو يصف إسرائيل بـ«الأب» والهند بـ«الأم»، لحظةً كاشفة لا رمزية فحسب. فالهند التي كانت تتحدث لغة التحرر من الاستعمار، باتت تنسج تحالفًا عضويًا مع دولةٍ قائمة على مشروعٍ استعماري استيطاني. ولم يكن اختزال عامين من المجاعة والإبادة في غزة في سردية السابع من أكتوبر إلا تعبيرًا صارخًا عن تحوّلٍ أخلاقي وسياسي عميق.

هذا التقارب ليس مجرد مشاريع تجارية أو صفقات سلاح؛ إنه التقاءُ مشروعين يقومان على التفوق الديني–القومي: قومية هندوسية متشددة وصهيونية يهودية، ضمن منظومةٍ أوسع من العسكرة وإعادة تشكيل العالم العربي بالقوة. ويأتي ذلك في سياق شبكةٍ أمنية تقودها دوله الاحتلال، توظّف النزعة العسكرية الأميركية وتستثمر انقسامات العالمين العربي والإسلامي لإدامة حالة الاشتباك الدائم واستنزاف الجميع.

في هذا التصور، تُشكّل الهند ضلعًا أساسيًا في خلق طوقٍ صهيوني قد يمتد من شبه القارة الهندية إلى شرق الخليج. فثقلها السكاني والعسكري، ومكانتها الرمزية كقائدٍ تاريخي لحركة عدم الانحياز، يمنحان هذا الاصطفاف غطاءً سياسيًا يُخفي طبيعته الإمبريالية الصريحة. وبهذا، تتحول نيودلهي من فاعلٍ ما بعد استعماري إلى ركيزةٍ مساندةٍ لمحورٍ استعماري جديد تقوده دوله الاحتلال والغرب.

إيران، في هذا المشهد، ليست هدفًا عابرًا، بل حلقةً مركزية من أجل تمكين إحكام الطوق على الضفة الشرقية لشبه الجزيرة العربية. أما السعودية، فتُطرح في دوائر التفكير الصهيوني بوصفها الهدف الاستراتيجي الأثمن في المرحلة القادمة، بينما قد تمثّل الإمارات رأس الحربة الاقتصادية والأمنية لهذا الاصطفاف داخل خاصرة الجزيرة العربية.

ولا تقف التحديات عند هذا الحد؛ فباكستان و تركيا تمثلان عقبتين أمام اكتمال هذا المسار. ومع إضعاف إيران واندماج الإمارات في محورٍ إسرائيلي–هندي، تجد باكستان نفسها تحت ضغوطٍ متزايدة من هندٍ مدعومةٍ صهيونيًا، فيما تُمهَّد الساحة لمواجهةٍ أوسع مع تركيا في سياق إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية على نحوٍ يضمن التفوق الصهيوني.

لكن هذا المسار ليس بلا كلفة. فالهند ترتبط بعلاقاتٍ تجاريةٍ واستراتيجيةٍ أوسع وأعمق مع إيران والعالم العربي مما تربطها بإسرائيل. وأي انحيازٍ كاملٍ لهذا المحور قد يعرّض مصالحها الاقتصادية الحيوية لاهتزازاتٍ قاسية، خصوصًا أن ملايين العمال الهنود في الخليج يشكّلون رافعةً أساسيةً لاقتصاد بلادهم عبر التحويلات المالية.

إلا انه من الواضح ان الهند قد تبدو مستعدة لتضحي بهذه العلاقات طمعا بتقسيم المكاسب مع الكيان الصهيونى ووضع مرتكز داخل الخليج من خلال تحويل الإمارات- حيث عدد الهنود يتجاوز ثلاث مرات تعداد السكان المحليين- إلى ولاية هنديه.

 

لقد كشفت الحرب القائمه على إيران درسًا بالغ الوضوح: أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي التي تُدار أميركيًا في المنطقة جرى تسخيرها بشكل كلي لحماية دولة الاحتلال أولًا وأخيرًا، بينما تُركت عواصم الخليج في موقع الشريك الثانوي القابل للاستهلاك. المال عربي لمنظومة الدفاع الجوي، والإدارة أميركية، والغاية حماية دوله الكيان لا غير.

 

أمام هذا المشهد، لا تملك الأنظمة العربية ترف الانتظار أو الاكتفاء بالمراقبة. فالتحولات الجارية لا تُواجَه بردود الفعل المرتبكة، بل بإعادة تقييمٍ جذرية للخيارات والتحالفات قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحةٍ مشاريع الآخرين.