Menu

القراءات العالمية للقضية الفلسطينية

بسام عليان

بوابة الهدف

لعل الوضع في فلسطين وعلى الأرض الفلسطينية وما يتناولها من تطورات له أكبر الأثر والتأثر في كل ما يجري من متغيرات وتحولات إقليمية وحتى دولية. وذلك لطبيعة الاحتلال الإسرائيلي نفسه الذي يتجاوز خطره حدود أرض فلسطين ليستهدف المحيط الإقليمي؛ فيقصف، ويدمر، ويعتدي على سيادة دول بغارات طيرانه مستهدفا المدنيين في فلسطين المحتلة وخاصة في الضفة الفلسطينية وفي قطاع غزة، ولبنان وسورية واليمن وإيران وغيرها من الدول الآمنة. ويقوم منذ سنتين بهجوم بربري متوحش على قطاع غزة دمر في ما يقارب اكثر من 85% من البنايات السكنية والمدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة (المساجد والكنائس)، والاسواق والمتنزهات والشوارع والحدائق ومحطات الوقود ومحطات السيارات ومراكز التعليم والتنمية وغيرها من المؤسسات الخاصة والعامة؛ ويقوم باغتيال القادة الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين والايرانيين؛ ويتشارك مع أنظمة عدوانية لشن هجمات على السودان لتدميرها إقتصادياً وإضعافها عسكرياً، وتعطيل دورها الاجتماعي والتنموي والتعليمي في حماية شعبها والنهوض به. إضافة الى ما يمثله هذا الاحتلال الاسرائيلي من خصوصية في التمرد على قرارات الشرعية الدولية، ورفض الانصياع للقرارات الدولية التي تقف مع الشعب الفلسطيني في حق تقرير مصيره واستعادة إقامة دولته المستقلة، كما أن الاحتلال الإسرائيلي يتمتع بحصانة التي توفرها له الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الإمبرياليين ما يجيز لها ارتكاب أبشع الجرائم والمجازر في حروبها العدوانية المتكررة على الفلسطينيين وعلى الدول المجاورة بلا حسيب ولا رقيب.

أضف إلى ذلك نفوذ اللوبي الصهيوني العالمي وتأثيره السياسي والإعلامي والاقتصادي وتغلغله في المافيات الدولية، كل هذا يخيف الرأي العام العالمي ويوصله إلى قناعة (64%، حسب استفتاء أحد المراكز الأوروبية قبل سنوات) بأن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على السلم العالمي وعلى مستقبل احلال السلام في العالم. وكانت الأمم المتحدة قبل اربعة عقود قد اقرت بأن "الحركة الصهيونية حركة عنصرية"؛ صحيح أنها ألغت هذا القرار بضغط أميركي، لكن هذا لا يلغي الحقيقة التي عاد وأكدها الملتقى الاجتماعي العالمي، الذي يضم عشرات الآلاف من ممثلي الحركات الاجتماعية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني من جميع أنحاء المعمورة، حول "عنصرية الحركة الصهيونية" وكيانها الذي لا يقتصر خطره على المكان "فلسطين" بل يتعداه إلى حيث يوجد إمكانية لممارسة عنصريته في أي مكان بالعالم.

اسرائيل بطبيعتها عنصرية، عدوانية، توسعية، لا تقتصر أطماعها على اغتصاب فلسطين/ كل فلسطين، وإنما تشمل بأطماعها أراضٍ عربية أخرى ك الأردن وجنوب سورية ولبنان.

وبين هذا وذاك بقيت القضية الفلسطينية حيةً؛ بل ازداد قوة حضور القضية الفلسطينية في العالم بعد الحرب الهمجية الإبادية (المقتلة)؛ حرب الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة التي تستمر منذ أكثر من عامين. إلا أن دول العالم؛ وخاصة الدول الأوروبية ودول أميركا اللاتينية تحاول جاهدة أمام الضغط السياسي والاقتصادي الأميركي الذي يتحكم ب 99% من تدوير سياسة العالم اقتصاديا وعسكريا من الوقوف والتضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

ففي العام 1990/1991 وبعد انهيار الإتحاد السوفييتي وتفتت المعسكر الإشتراكي، تفردت الولايات المتحدة الأميركية في القيادة وفرضت سيادتها على العالم. وهذا مكنها ضمن حسابات مصالحها من أن تفرض حلاً يقوم على أساس الدولتين (إسرائيل - فلسطين) وبهذا تنتهي بؤرة الصراع المتفجرة في المنطقة، وتحقق أهم هدفين لها هما: الاعتراف بإسرائيل كدولة في المنطقة (رغم أنها ليست دولة بل جيش احتلال ومجموعة من المستوطنات؛ فالأرض هي للشعب الفلسطيني)؛ والصلح معها ضمن حدود آمنة، والاطمئنان إلى استمرار سيطرتها على منابع النفط بدون إزعاجات ومخاطر؛ أي أن هذا الاحتلال يقوم بدور وظيفي كثكنة عسكرية أميركية في المنطقة. وهي تقوم بعدوانها على الشعب الفلسطيني لإجباره على ترك أرضه وممتلكاته للاستفراد بأرض فلسطين وثرواتها المائية والنفطية واقتصادها الزراعي المتطور والمتنوع والمزدهر منذ أكثر من قرنين من الزمان؛ فالشعب الفلسطيني يهتم بالزراعة منذ قرون.

فيما يذهب بعضهم؛ فيرى أن (إسرائيل - هذه الثكنة العسكرية الأميركية بالمنطقة) تخلت عن سياسة التوسع الجغرافي لتأخذ بإستراتيجية التوسع الاقتصادي، لغزو الأسواق العربية والدول المجاورة لفلسطين المحتلة، وليكون لها نصيب من الذهب الأسود المتوفر بكثرة في المنطقة.

ويتابع الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ مشروعه القائم على أساس أن فلسطين بحدودها التاريخية هي (أرض إسرائيل اليهودية) - وهذا الأمر يروجون له على أساس خرافات ووهم تلموذي ديني لا يستند إلى أسس علمية أو تاريخية او جغرافية).

ويحاول الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين أن يستفيد من الدعم الأميركي غير المحدود - وهذا باعتراف أميركي بتدفق المساعدات العسكرية التدميرية لتمكين الاحتلال من القيام بدوره الوظيفي في المنطقة - معتمدا على أوراق القوة الأميركية في المتغيرات والتطورات على جميع الصعد الذاتية والإقليمية والدولية.

و أمام الكثير من عناصر القوة في المتغيرات والأحداث الجارية، منها: ثقافة المقاومة الوطنية الفلسطينية وفعلها لا زالت موجودة وممكنة، ولها من يدعمها ويحتضنها إقليمياً وربما دولياً، وخاصة في ظل أجواء ومناخات دولية بدأت تكتشف حقيقة اسرائيل بعنصريتها وعدوانيتها وأنها تعطل جهود السلام العالمي.

وهنا لا بد للدول التي تتضامن مع الشعب الفلسطيني ومع قضيته العادلة من العودة إلى قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة، وهي كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3236) في الدورة 29 الصادر عام 1974 والذي يشير إلى "حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف" بما فيها "الحق في تقرير المصير ودون تدخل خارجي، والحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين، والحق في العودة إلى دياره وممتلكاته ( اراضي فلسطين التي احتلتها العصابات الصهيونية في 15 أيار 1948)".

وفي قرار عام 1982 يؤكد على حقوق الشعب العربي الفلسطيني "وحقه في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة" وفي عام 1988 تذكِّرنا الجمعية العامة بقرار 181 بأنها "على علم بإعلان دولة فلسطين من قبل المجلس الوطني الفلسطيني إنسجاماً مع قرار الجمعية العامة 181".

وحتى قرار الأمم المتحدة بمنح فلسطين عضو مراقب فقد حصلت عليه منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1988 بنص واضح: "ورغبة من الجمعية العامة في المساهمة في إنجاز حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة والوصول بذلك إلى حل عادل وشامل في الشرق الأوسط، فقد قررت منح فلسطين بصفتها مراقباً حقوقاً وامتيازات إضافية على الوجه المبيّن في الملحق لهذا القرار للمشاركة في دورات وأعمال الجمعية العامة والمؤتمرات الدولية التي تعقد تحت رعاية الجمعية العامة او اي جهة أخرى".

يسبق هذا كله القرار عام 1971 الذي يؤكد "شرعية نضال الشعوب في سبيل تقرير المصير والتحرر من الاستعمار والتسلط والاستعباد الأجنبي... بكل الوسائل المتوفرة التي تنسجم مع ميثاق الأمم المتحدة". وبالإضافة إلى قرارات المحكمة الدولية الأخيرة.

أي أن لدى الفلسطينيين ما يكفي من قرارات الشرعية الدولية؛ التي على الدول المناصرة للقضية الفلسطينية أن تستند إليها وتتمسك بالمطالبة بتنفيذها في تثبيت حق الفلسطينيين على ارضهم وطرد الاحتلال.

لا بد من الاعتراف بأن هناك متغيرات جديدة على الصعيد العالمي مما تفتح آفاقاً واسعة أمام دول العالم المتضامنة والمناصرة للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني لتصحيح مسارها؛ فالولايات المتحدة الأميركية لم تعد وحدها الآمر الناهي في هذا العالم فقد أخذت تبرز مراكز قوى جديدة أقرب لتفهم الموقف الفلسطيني ودعمه، خاصة بعد أن ظهر بالملموس وبالتجربة أن الأميركي ليس وسيطاً عادلاً بل منحازاً بالمطلق إلى الاحتلال الإسرائيلي، وأن الإدارة الأميركية من الرأس حتى الأسفل أعجز من أن تفي بوعودها التي قدمتها للفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية، ووقف الاستيطان ولا حتى تجميده.

واعتقد أن قراءة واعية ودقيقة وصادقة ومنطقية للرأي العالمي؛ وخاصة شعوب العالم؛ ستكتشف مدى التأييد والتضامن الذي تحظى به قضية فلسطين وقضية شعب فلسطين ونضالات هذا الشعب للوصول إلى حقوقه المشروعة والأصيلة، فمن السهل أن يلمس ذلك من يشارك في الملتقيات العالمية كالملتقى الاجتماعي العالمي الذي يحضره عشرات الآلاف وفلسطين هي القاسم المشترك الأبرز في نشاطاته وبرامجه، وكذلك الملتقى الاجتماعي للهجرة واللجوء الذي يصفق حضور جلساته بالآلاف وقوفاً لفلسطين وليس لأي بلد آخر غيرها.