Menu

دولة يهودية جديدة بديلة عن الكيان الصهيوني الراهن

عبد الله جناحي

دولة-يهودية-.png

نشر في مجلة الهدف العدد (80)(1554)

حيثيات عنوان هذا المقال:

  1. تصريحات ترامب الأخيرة بشأن "تهجير" الشعب الفلسطيني في غزة إلى مصر والأردن، حيث استخدم ترامب مصطلح "التهجير" و"تنظيف" غزة من سكانها؛ وهو مصطلح يعكس رؤيته المتماثلة مع رؤية الحكومات الصهيونية، والحركة النازية اللتين استخدمتا مصطلحات شبيهة، مثل "التطهير" العرقي و"العزل" و"التهجير" القسري لليهود.
  2. وحيث تعامل ترامب أيضاً مع قطاع غزة، ضمن عقليته التجارية، وكرجل يعمل في الاستثمار العقاري. وتعامل مع غزة وكأن أصابها زلزال دمرها بالكامل، وبحاجة إلى "تنظيفها" من البشر والحجر، وإعادة إعمارها، بما يخدم الاستثمار السياحي والتجاري. وقد عكست تركيبة مجلس السلام الذي يرأسه هذه الرؤية الصهيونية/النازية/التجارية!.

وحيث صرح ترامب بأن (غزة عملياً موقع هدم الآن. أفضل أن أشارك مع بعض الدول العربية وأبني مساكن في "موقع" مختلف، حيث يمكنهم "ربما" العيش في سلام). والموقع المختلف الذي يقصده هو سيناء المصرية، أو الصحراء الأردنية!. وممكن لاحقاً ضواحي العراق ولبنان، وصحراء الربع الخالي!.

  1. ولكن، أهم تلك الحيثيات هو الاقتراح الاستهزائي المنشور في إحدى الصحف الأمريكية، رداً على تصريحاته تلك. ويتمثل في (أن الحل ليس في تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، بل إعادة توطين المستوطنين الذين اغتصبوا الأرض الفلسطينية في بعض المدن والولايات الفارغة ديموغرافياً. والمبادرة بنقل 6 ملايين "إسرائيلي" ومستوطن إلى الولايات المتحدة لإقامة مستقرة ما دام ترامب يقترح التهجير).

هذا الاقتراح، جدير بالتفكير في تنفيذه للعديد من الأسباب التي تكون في صالح اليهود في العالم، خاصة وأن "اليهودية" هي الديانة الوحيدة على كوكب الأرض التي رفضت الانفتاح على أجناس وأعراق وشعوب العالم، من غير اليهود. واعتبرت المؤمنين بها بمثابة شعب نقي الدم يحتاج إلى أرض تبنى عليها أمة "يهودية"!.

كما أن هذا الاقتراح -على المدى الإستراتيجي طويل المدى- في صالح الغرب الرأسمالي عامة، والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

مرتكزات عنوان هذا المقال:

إن وجاهة "نقل" الصهاينة المستوطنين من فلسطين، أو تأسيس ولاية فيدرالية يهودية في الولايات المتحدة الأمريكية، تنطلق من المركزات التالية:

  1. المرتكز التاريخي التوراتي، حيث إن ما ورد في التوراة من نصوص "أرض الميعاد"، قد تحقق فعلياً في القارة "الأمريكية" بعد وصول سفينة "الحجاج" المهاجرين من بريطانيا إلى هذه القارة الجديدة بعد اكتشافها.
  2. مرتكز فشل كافة المشاريع الأممية والمخططات الصهيونية والبريطانية والأمريكية التي هدفت "اصطناع" دولة يهودية على أرضٍ كان- ولا يزال- يعيش عليها شعب عربي من المسلمين والمسيحيين واليهود واللادينيين وغيرهم. شعب يسمى بالشعب الفلسطيني منذ مملكة كنعان. حيث كان هذا المخطط الاستعماري الصهيوني "البلفوري" قد انبثق في عصر مختلف تماماً عن عصور اكتشافات الأوروبيين للقارتين الجديدتين في القرن الرابع عشر، وغزو أستراليا ونيوزلندا، وإحلال شعوب أوروبية فيها، وذلك بعد إبادة الشعوب الأصلية التي كانت مستقرة في تلك القارات والبلدان منذ ما قبل التاريخ المكتوب. وحيث تكرار هذه "السيناريوهات الإحلالية" في الجزائر من قبل الفرنسيين، وجنوب أفريقيا من قبل خليط من الشعوب الأوروبية، وفلسطين من قبل خليط من يهود العالم. قد باءت بفشل هذه الهجرات الاصطناعية، لأسباب بروز وصعود وعي قانوني وأخلاقي وحقوقي وسياسي في مرحلة تاريخية جديدة مختلفة تماماً عن عصور الاكتشافات القارية. ولأسباب تنظيم مقاومة شعبية مدعومة أممياً من شعوبٍ ودولٍ لا تؤمن بالتطهير والإبادات الجماعية للبشر والحجر.
  3. مرتكز انتهاء الدور الوظيفي للكيان الصهيوني الراهن بعد انتهاء عهود الاستعمار العسكري المباشر، وانتهاء دوره الوظيفي بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. وهذا المرتكز الهام الذي أعلنه مؤسس الحركة الصهيونية الجديدة هرتزل، وكذلك الصهيوني بن غوريون وغيرهما، والذين عملوا على إقناع البريطانيين بفائدة الكيان الصهيوني لحماية المصالح البريطانية في مصر، وكدولة عبور استراتيجي للهند خاصة، ودول شرق آسيا عامة. وكمكان لليهود وبالتالي التخلص من عبء وجودهم في بريطانيا وبقية الدول الأوروبية. وتعزيز هذا الدور الوظيفي بعد الثورة المصرية لحماية قناة السويس. وجاء الدور الوظيفي للكيان الصهيوني، في النصف الثاني من القرن العشرين، ضد الشيوعية في الشرق الأوسط. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990. أصيب هذا الكيان ببعض من الاضطراب خشية انتهاء دوره الوظيفي، وذلك قبل بروز "العدو" الجديد للغرب الرأسمالي والمتمثل بالإرهاب الإسلامي. وهذا ما تم تنفيذه بعد تفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك. وقد كشف بشكل بليغ عن هذا الدور الجديد المتوقع للكيان الصهيوني من قبل الجنرال شلومو جازيت، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية "الإسرائيلية"؛ حيث كتب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قائلًا "إن "مهمة" إسرائيل الأساسية لم تتغير على الإطلاق، فهي باقية على أهميتها وضروريتها الحاسمة. فموقعها في مركز الشرق الأوسط العربي المسلم، يقدر لها بأن تكون حارسًا للاستقرار في جميع الدول المحيطة بها. و"دورها" يتمثل في حماية الأنظمة القائمة من خلال منع أو وقف العمليات الراديكالية، ومنع توسع أي حماس أصولي ديني". هذا النص ذكره ناعوم تشومسكي في كتابه "أوهام الشرق الأوسط". وأصل هذا النص في صحيفة إيديعوت أحرونوت، بتاريخ 27 أبريل 1993. وهذا التصريح يكفي وحده لتأكيد وجود كيان مصطنع في قلب الشرق الأوسط لينفذ دوره الوظيفي خدمة لأسياده. ويتوضح من كل ما تقدم ذكره، بأن الكيان الصهيوني كان ينتقل من دور وظيفي أمني وسياسي إلى دور جديد، حسب أولويات صناعها من المستعمرين البريطانيين والإمبريالية الأمريكية. مثلما كانت الحركة الصهيونية نفسها تفعل عند بحثها عمّن "يصنع" لها كيانها، حيث لجأت لألمانيا القيصرية، وروسيا القيصرية وتركيا العثمانية، وأخيراً حصلت على وعدها من بريطانيا عام 1917، وتأسيس دولتها في عام 1948 بدعم فاضح وكامل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا.
  4. مرتكز المصالح الرأسمالية العالمية، الاقتصادية والجيوسياسية في الدول العربية، والشرق أوسطية. وذلك بعد صعود دول تنافس الأحادية القطبية الأميركية. حيث يتطلب اندماج جميع الدول العربية والشرق أوسطية في الأسواق المالية والصناعية وغيرها، والتي تتطلب الاستقرار، والتعامل السلمي معها، بدلاً من مخططات الهيمنة "الجبرية"، والترهيب اللذين يجبران هذه الدول الانحياز لأقطاب أخرى رأسمالية جديدة صاعدة، غير القطب الرأسمالي التقليدي الهابط.
  5. مرتكز شعار "أمريكا أولاً" الذي رفعه ترامب في حملته الانتخابية، والذي أشير له بالتفصيل في (إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي) بأن الأولوية الاقتصادية في داخل أمريكا، والتوقف عن "هدر" الأموال الأمريكية على الدول الحليفة الأوروبية والحليفة الأخرى، وبالطبع، يأتي الكيان الصهيوني كأولوية في هذا الهدر لمليارات الدولارات الأمريكية له.

وبالتالي فإن إعمار ولاية أمريكية جديدة، أو أي شكل آخر مناسب لهجرة المستوطنين الصهاينة من فلسطين إلى الولايات المتحدة، سوف يخدم هذا الشعار الأثير لدى الرئيس الأمريكي ترامب، بل لعله شعار أثير وجذاب لأي رئيس أمريكي آخر سيأتي مستقبلاً.

توضيح للحيثية الثالثة من هذا المقال:

وهي التي اقترحتها إحدى الصحف الأمريكية (أن الحل ليس في تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، بل إعادة توطين المستوطنين الصهاينة الذين اغتصبوا الأرض الفلسطينية في بعض المدن والولايات الفارغة ديموغرافياً. والمبادرة بنقل 6 ملايين "إسرائيلي" ومستوطن إلى الولايات المتحدة لإقامة مستقرة ما دام ترامب يقترح التهجير).

فمن المعروف بأن الفكرة الصهيونية في تأسيس وطن لليهود في فلسطين. كانت تواجه في بداياتها برفض ومقاومة من قبل بعض المذاهب اليهودية. حيث كانوا ينظرون لوجود اليهود في "الشتات" ضرورة دينية توراتية، واعتبروا "الدياسبورا"- أي الشتات- مسألة مركزية لهم. وقد أشار المفكر المصري عبد الوهاب المسيري في كتابه "الأيديولوجية الصهيونية" لموقف سيمون دوﻓﻨﻮف- مفكر يهودي رفض مبدأ الهجرة لفلسطين من مواليد 1860- حيث صرح بأن "ﻋﺪة ﻣﺌـﺎت ﻣـﻦ اﻟـﺮﺟـﺎل ﻗـﺪ ﻫﺎﺟﺮوا إﻟﻰ ﻓﻠﺴﻄين، ﻓﻲ اﻟـﻮﻗـﺖ اﻟـﺬي ﻳـﻬـﺎﺟـﺮ ﻓـﻴـﻪ ﻋـﺸـﺮات اﻵﻻف إﻟـﻰ اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة". وﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻫﺬه الملاحظة اﻧﺘﻬﻰ إﻟﻰ أن "اﻷﻣﻞ ﻓﻲ ﻧﻘﻞ ﻗﻠﺐ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻴﻬﻮدي ﻣﻦ اﻟﺸﺘﺎت إﻟـﻰ اﻟـﻮﻃـﻦ اﻷﺻـﻠـﻲ اﻟـﺘـﺎرﻳـﺨـﻲ ﻳـﺒـﺪو ﻻ أﺳﺎس ﻟﻪ". وﻗﺪ ﻛﺮس دوﻓﻨﻮف ﻛﻞ ﺟﻬﻮده لتحسين الحياة اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻌﺎت اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﻛﻞ ﻓﻲ وﻃﻨﻪ، ﺑﻞ ﻟـﻘـﺪ ﺗـﻜـﻬـﻦ ﺑـﺄن "المركز اﻟـﺮﺋـﻴـﺴـي لليهودية سيكون الولايات المتحدة". وﻗﺪ أﺛﺒﺘﺖ اﻟﺘﻄﻮرات اﻟﺘﺎرﻳﺨﻴﺔ ﺻﺪق ﻧﺒﻮءﺗﻪ. ﻓﻌﺪد اﻟﻴﻬﻮد ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﻣﺜﻞ ﻧﻴﻮﻳﻮرك ﻳﻔﻮق ﻋﺪد ﻛﻞ ﺳﻜﺎن إﺳﺮاﺋﻴﻞ.

وﻳﻬﻮد اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة ﻟﻴﺴﻮا ﻋﻠﻰ وﺷﻚ اﻻﻧﻘـﺮاض، ﺑـﻞ ﻟـﻴـﺴـﻮا ﻓـﻲ ﺣـﺎﻟـﺔ ﺿﻤﻮر. ﻛﻤﺎ ادﻋﻰ ﺑﻦ غورﻳﻮن ﻓﻲ المؤتمر الصهيوني الخامس واﻟـﻌـﺸـﺮﻳـﻦ عام 1961, ﺑﻞ إن اﻷﻗﻠﻴﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة ﻗﺪ ﻛﺸﻔﺖ ﻋﻦ ﻫﻮﻳـﺔ أﻣـﺮﻳـﻜـﻴـﺔ ﻳﻬﻮدﻳﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﻋﻦ اﻟﺘﺼﻮرات اﻟﺼﻬﻴـﻮﻧـﻴـﺔ الخاصة ﺑـﺎﻟـﻴـﻬـﻮدي الخالص. ﻓﺎﻟﻴﻬﻮدي اﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﻳﺴﻬﻢ ﻓﻲ ﺣﻀﺎرﺗﻪ اﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ وﻳﺜﺮﻳﻬﺎ وﻻ ﻳﺘﻌﺎرض اﻟﻄﺎﺑﻊ اﻟﻴﻬﻮدي الخاص ﻹﺳـﻬـﺎﻣـﺎﺗـﻪ ﻣـﻊ اﻧـﺘـﻤـﺎﺋـﻪ ﻟـﻮﻃـﻨـﻪ أو وﻻﺋـﻪ ﻟـﻪ تماماً، ﻣـﺜـﻞ اﻷﻣﺮﻳﻜﻴين ﻣﻦ أصل إﻳﻄﺎﻟﻲ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﻬﻤﻮن ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻷﻣﺮﻳﻜﻲ وﻳﻀﻴﻔﻮن لحضارته دون أن ﺗﺘﻌﺎرض ﺟﺬورﻫﻢ الحضارية اﻹﻳﻄﺎﻟﻴﺔ ﻣﻊ اﻧﺘﻤﺎﺋﻬﻢ ﻟﻮﻃﻨﻬﻢ اﻷﻣﺮﻳﻜﻲ الجديد واﻟﻮﺣﻴﺪ. كما أشار المسيري إلى أحد أﻫﻢ المفكرين اﻟﻴـﻬـﻮد ﻓﻲ اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة اﻟﺬﻳﻦ ﺗﺒﻨﻮا ﺑﺸﻜﻞ واﺿﺢ ﻓﻜﺮة ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ اﻟـﺪﻳـﺎﺳـﺒـﻮرا، وهو الحاخام اﻹﺻﻼﺣﻲ "ﺟﺎﻛﻮب ﺑﺮﻧﺎدر آموس" اﻟﺬي ﻳﺮى أن اﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﻴـﻬـﻮدﻳـﺔ ﻟﻴﺲ ﻟﻬﺎ أي أﺳﺎس ﻋـﺮﻗـﻲ، إذ إن أﺳـﺎﺳـﻬـﺎ دﻳـﻨـﻲ ﻓـﺤـﺴـﺐ. وﻳـﺆﻛـﺪ آﻣـﻮس أﻫﻤﻴﺔ اﻟﺸﺘﺎت، وﻳﺸﻴﺮ إﻟﻰ أن اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﻻﻳـﺎت المتحدة ﻟـﻴـﺴـﺖ دﻳـﻨـﺎً دﺧﻴﻼً ﻟﺸﻌﺐ أﺟﻨﺒﻲ ﻏﺮﻳﺐ، وإنما ﻫﻲ واﺣﺪة ﻣﻦ اﻟﺪﻳﺎﻧﺎت اﻷﺳـﺎﺳـﻴـﺔ ﻓـﻲ ﻫﺬا اﻟﺒـﻠـﺪ. وﻫﻮ ﻳﻘﺪم رؤﻳﺔ ﻟﻴﻬﻮد اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة ﻋـﻠـﻰ اﻧـﻬـﻢ ﺟـﻤـﺎﻋـﺔ دﻳﻨﻴﺔ ﻟﻬﺎ ﺟﺎﻧﺐ ﻓﺮﻋﻲ إﺛﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﻋﻜﺲ اﻹﺳﺮائيليين اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﻄﻮرون ﺑﺸﻜﻞ ﺳﺮﻳﻊ ﻟﻴﺼﺒﺤﻮا ﻣﺠﺮد "ﻗﻮﻣﻴﺔ ﻋﻠﻤﺎﻧﻴﺔ، ﻻ ﺗﺸﻜﻞ اﻟﻌﻘﻴﺪة اﻟﻘﺪيمة ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻬﺎ إﻻ واﻗﻌﺎ "ﺛﺎﻧﻮﻳﺎ"، ﺑﻞ إن الحاخام آموس ﻳﺮى أن اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﺳﺘﺆدى ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻷﻣﺮ إﻟﻰ ﺗﻘﺴﻴﻢ ﻳﻬﻮد اﻟﻌﺎﻟﻢ إﻟﻰ ﻗﺴﻤين: ﻗﺴﻢ دﻳﻨﻲ وﻗﺴﻢ ﻋﺮﻗﻲ. وقد أشار المسيري أيضاً إلى أحد المفكرين المدافعين ﻋﻦ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ "اﻟﺪﻳﺎﺳﺒﻮرا" مفكر علم اﻻﺟـﺘـﻤـﺎع اﻟـﻴـﻬـﻮدي اﻷﻣﺮﻳﻜﻲ-اﻟﺒﺎﻛﺴﺘﺎﻧﻲ اﻷﺻﻞ- ﻣﺎﻳﻜـﻞ ﺳـﻠـﺰر اﻟـﺬي ﺗـﺒـﻨـﻰ ﻣـﻮﻗـﻒ سيمون دوﻓﻨﻮف، إذ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﻫﻮ أﻳﻀﺎً أن ﻣﺮﻛﺰ اﻟﺪﻳﺎﺳﺒﻮرا ﻗﺪ اﻧﺘﻘﻞ ﻣﻦ أوروﺑـﺎ إﻟـﻰ اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة، وﻳﺮى أن اﻟﻴﻬﻮد ﻓﻲ أﻣﺮﻳﻜﺎ ﻗﺪ ﺣﺼﻠﻮا على ﻓﺮص ﻻ ﺣﺼﺮ ﻟﻬﺎ ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ الحر وﻟﻠﻨﻤﻮ، ﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﻷي ﻗﻴﻮد، وﺑﻌﻴﺪة ﻋﻦ ﺣﻴﺎة "الجيتو"، وﻋﻦ اﻟﻨﻈﺮة اﻻﻧﺪﻣﺎﺟﻴﺔ اﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻟﻠﻘﺮن اﻟﺘـﺎﺳـﻊ ﻋـﺸـﺮ. يقول سلزر "إن اﻟـﻴـﻬـﻮدي يمكنه أن يُنمي ﻫﻮﻳﺘﻪ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ دون أن ﻳﺘﻨﺎﻗﺾ ذﻟﻚ ﻣﻊ ﻫـﻮﻳـﺘـﻪ اﻷﻣـﺮﻳـﻜـﻴـﺔ". ويرى المسيري بأن "اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة ﻓﺮﻳﺪة، حيث لا توجد ﺣـﻀـﺎرة أﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺧﺎﻟﺼﺔ ﺗﺴﺘﺒﻌﺪ اﻟﻴﻬﻮد، ﻷن اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﻫﻮ ﺧﻠﻴﻂ ﻣﻦ اﻷﻗﻠﻴﺎت والجماعات المهاجرة، ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻳﺤﺘﻔﻆ ﺑﺸﻲء ﻣﻦ ﺗﻘﺎﻟﻴﺪه الحضارية". اليهود الذين يعيشون في الولايات المتحدة، هم اليهود الجدد- حسب تعبير المسيري- وهم بالتالي اليهود ما بعد "الجيتو" الذين يعيشون ﻓﻲ ﺣﻀﺎرة ﻟﻢ ﺗﻌﺮف ﺗﻘﺎﻟﻴﺪ ﻣﻌﺎداة اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ إﻻ ﺑﺸﻜﻞ ﺳﻄﺤﻲ، وﻟﻢ ﺗﻔﺮض ﻋﻠﻰ اﻟﻴﻬﻮد أي وﻇﺎﺋﻒ اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ أو ﻣﻬﻦ ﻣﺤﺪودة، كما حدث في أوروبا وروسيا القيصرية. وﻟﻜﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن اﻟﻴﻬﻮد ﻓﻲ اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة ﻳﺸﻜﻠﻮن أﻗﻠﻴﺔ ﻟﻬﺎ إنجازاتها المستقلة وإﺳﻬﺎﻣﺎﺗﻬﺎ ﻓﻲ الحضارة الأمريكية.، وﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن ﻫﺬه اﻷﻗﻠﻴﺔ ﻻ ﺗﺪﻳـﻦ ﺑﺎﻟﻮﻻء اﻟﻔﻌﻠﻲ ﻟﻠﻮﻃﻦ اﻟﻘﻮﻣﻲ الإسرائيلي، وإن ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺪﻳﻦ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﻮﻻء اﻟﻠﻔﻈﻲ. ﻓﺈن ﻫﺬا الموقف ﻻ ﻳﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺸﻜﻞ واﺿﺢ ﻋﻠﻨﻲ. وﻳﻌﻮد ﻫﺬا اﻟﻮﺿﻊ ﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﻋﺪة يمكننا أن ﻧﺸﻴﺮ ﻣﻦ ﺑﻴﻨﻬﺎ إﻟﻰ اﻟﻬﻴﻤﻨﺔ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﻋﻠﻰ الإعلام ﻓﻲ اﻟﻮﻻﻳﺎت المتحدة. ويرى المسيري بأن "تأكيد مركزية اﻟﺪﻳﺎﺳﺒﻮرا ﻫﻲ أﺷﻜﺎل ﻣﺴﺘﺘﺮة ﻟﻠﺮﻓﺾ اﻟﻴﻬﻮدي ﻟﻠﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﻏﻴﺮ واﻋﻴﺔ ﺑﻨﻔﺴﻬﺎ، وﺗﻜﻤﻦ أﻫﻤﻴﺔ اﻷﺷﻜﺎل الجديدة ﻟﻠﺮﻓﺾ ﻓﻲ أﻧﻬﺎ ﺗﺴﺎﻋﺪ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﻮيم اﻟﻘﻮة اﻟﺬاﺗﻴﺔ الحقيقية ﻟﻠﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ". ويعتقد المسيري أن اﻟﻨﻀﺎل اﻟﻌﺮﺑﻲ والفلسطيني ﺿﺪ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ- وﻫﻮ اﻟﺴﺎﺣﺔ اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ اﻟﺘـﻲ ﻳﺘﻢ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻨﻀﺎل ﺿﺪ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ- ﺳﻴﺴﺎﻋﺪ ﺣﺮﻛﺎت اﻟﺮﻓﺾ اﻟﻴـﻬـﻮدﻳـﺔ ﻓـﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ وﺳﻴﺸﺪ ﻣﻦ أزرﻫﺎ، ﻷن اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﺳﺘﻈﻬﺮ ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﺎ: أﻛﺬوﺑﺔ ﻻ ﺳﻨﺪ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ، ﻟﻢ ﺗﻜـﺘـﺴـﺐ ﻣـﻘـﻮﻣـﺎت الحياة إﻻ ﻣـﻦ ﺧـﻼل اﻟﻌﻨﻒ. وﺑﻬﺬا ﻻ ﻳﻜﻮن اﻟﻨﻀﺎل اﻟﻌﺮﺑﻲ ﺿﺪ اﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﻣﺠﺮد ﻧﻀﺎل ﻟﺘﺤﺮﻳﺮ اﻷرض اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻹﻧﺴﺎن اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﺤﺴﺐ، وإنما ﻫﻮ أﻳـﻀـﺎً ﻧـﻀـﺎل ﻣـﻦ أجل تحرير اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻴﻬﻮدي اﻟﺬي أخفق ﻓﻲ ﻛﻔﺎﺣﻪ ﺿﺪ أﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻋﻨﺼـﺮﻳـﺔ ﻫﻴﻤﻨﺖ ﻋﻠﻴﻪ وﻋﻠﻰ ﻣﻌﺘﻘﺪاﺗﻪ.

توضيح للمرتكز الأول من هذا المقال:

وهو المرتكز التاريخي التوراتي، حيث إن ما ورد في التوراة من نصوص "أرض الميعاد"، قد تحققت فعلياً في القارة "الأمريكية" بعد وصول سفينة "الحجاج" المهاجرين من بريطانيا إلى هذه القارة الجديدة بعد اكتشافها.

لقد وثق العديد من الباحثين عن العلاقة العضوية بين هؤلاء "الحجاج" وبين إيمانهم الوثيق بالتوراة اليهودي، باعتباره العهد القديم للمسيحية. معتمدين في هذا المقام بمرجع للباحث في "الإنسانيات" والتاريخ الأمريكي، وظاهرة "الصهيونية غير اليهودية" الدكتور منير العكش في كتابه (أميركا والإبادات الجماعية، حق التضحية بالآخر). ففي سياق مقترحنا بتأسيس ولاية جديدة بمثابة دولة فيدرالية يهودية في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنه منذ تحول الهيمنة من بريطانيا لأميركا أصبح الكيان الصهيوني ولاية فيدرالية أمريكية عملياً وفعلياً.

يشير العكش بأن اسم "إسرائيل" هو الاسم الذي أطلقه الحجاج الإنكليز على مستعمراتهم الأمريكية. كل تصورات العبرانيين القدامي ومفاهيمهم عن السماء والأرض والحياة والتاريخ زرعها هؤلاء المستعمرون الإنكليز في أمريكا التي أطلقوا عليها اسم "أرض الميعاد" و"صهيون" و"إسرائيل الله الجديدة" وغير ذلك من التسميات التي أطلقها العبرانيون القدامى على أرض فلسطين. من هذا التقمص التاريخي لاجتياح العبرانيين أرض كنعان. كانوا يقتلون الهنود وهم على قناعة بأنهم عبرانيون فضلهم الله على العالمين. بل كانوا يسمون أنفسهم بالمستعبرين Hebriests. وإنهم- كما يقول الحاخام المؤرخ لي ليفنغر- "أكثر يهودية من اليهود، لأنهم يعتبرون أنفسهم يهود الروح الذين عهد الله إليهم ما عهد إلى يهود اللحم والدم قبل أن يفسدوا ويتخلوا عن أحلام مملكتهم الموعودة". وإن "يهودية هؤلاء الحجاج هي التي أرست الثوابت الخمسة التي رافقت التاريخ الأمريكي- وهي ذات الثوابت للحركة الصهيونية في فلسطين- في كل محطاته من أول مستعمرة إلى الآن:

١ -المعنى الإسرائيلي التوراتي لأمريكا.

٢- عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي.

٣ -الدور الخلاصي للعالم.

٤ - قدرية التوسع اللانهائي-استراتيجية المجال الحيوي-.

٥ - حق التضحية بالآخر.

لقد تمكن مستعمرو القارة الجديدة من إبادة سكان قارة كاملة- أكثر من 112 مليون إنسان، لم يبق منهم في إحصاء أول القرن العشرين سوى ربع مليون-. وبالطبع فقد أصدر الإعلام الأمريكي سيلاً من الكتب والمعلومات التي أغرق بها التاريخ المنتصر على العقول، وهي بمعظمها تؤكد على "فراغ الأرض" و"وحشية هذه الشراذم الهندية ومسؤوليتها عما جرى لها". تماماً كما فعلت الحركة الصهيونية حين روَّجت عن أرض فلسطين بلا شعب، لشعب بلا أرض، وأن الموجودين عليها من غير اليهود هم همجيون متخلفون. حتى تبريرات إبادتهم الجماعية للهنود الحمر كانت مستوحاة من التوراة. فعندما نشر المستعمرون الإنجليز على جميع القبائل الهندية جرثومة "الجدري" ووباء السفلس. سموها "الأوبئة نعمة أرسلها الله" هذه العبارة في الواقع الترجمة الحديثة لعبارة "العناية الإلهية" التي استخدمها قبلهم أنبياء المستعمرين الإنكليز في أوائل القرن السابع عشر عندما قالوا إن هذه الأوبئة نعمة أرسلها الله لتطهير الأرض التي أعطاها لشعبه، ومنهم من اعتبرها معجزة لا تقل عن معجزة الأوبئة العشرة التي يقال إنها فتكت بالمصريين في زمن موسى. حتى قبل أن تبحر سفينة الحجاج الأولى ماي فلور Mayflower من ميناء إنجليزي، لم ينس الملك جيمس أن يحمد الله على هذا الوباء البديع wonderful plague الذي أزاح المتوحشين من بين أقدامنا. وكان وليم برادفورد حاکم أول مستعمرة إنجليزية "بليموث" يرى أن نشر هذه الأوبئة بين الهنود عمل (يدخل السرور والبهجة على قلب الله. فمما يرضي الله ويفرحه أن يزيل هؤلاء الهنود وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت). كانت هذه "المعجزات الإلهية" صورة عن رغبات المستوطنين وطموحاتهم. فلطالما توحدت القدرة الإلهية مع الشعب المختار في أرض كنعان الجديدة.

أمريكا بديلة عن أورشليم:

كان الغزاة الأوائل يسمون بالحجاج أو القديسين، فقد كانوا يعتبرون هذا العالم الجديد بديلاً عن «أورشليم» والأراضي المقدسة. ولهذا فقد سموه بكل الأسماء التي أطلقها العبرانيون على بلاد كنعان. بل، لا يزال هناك كثرة من المدن الصغيرة والقرى في الولايات الأمريكية بأسماء إسرائيلية توراتية. وما يزال التاريخ الأميركي إلى الآن يضفي على هؤلاء الحجاج قداسة طوباوية ويعتبرهم أول أنموذج للاستثناء الأمريكي الذي فضله الله على العالمين وأورثه ما أورث بني إسرائيل من قبل، وجعل العهد الذي عقدوه مع الله على متن سفينتهم الأسطورية التي أوصلتهم للقارة الجديدة، من اللحظات النادرة الخالدة في التاريخ الإنساني، كما يقول الرئيس الأميركي جون آدامس، فعهدهم مع الله جبَّ عهدَ الإسرائيليين القدامى، وتأسيس مستعمرتهم على صخرة بليموث تضاهي تأسيس الكنيسة على صخرة بطرس. قصة هؤلاء (الحجاج) هي الأصل الأسطوري لكل التاريخ الأمريكي ومركزيته الأنكلوسكسونية. وما يزال كل بيت أمريكي يحتفل سنوياً في عيد الشكر بتلك النهاية السعيدة التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم "فرعون" البريطاني وخروجهم من أرضه و«تيههم» في البحر، وعهدهم الذي أبرموه على ظهر سفينتهم مع إله اليهود "يهوه"، ووصولهم في النهاية إلى "أرض الميعاد". ويعتبر هذا العيد الطقسي الذي يبجله الأمريكيون وطنياً ودينياً أكثر من أي عيد آخر- بما في ذلك عيد الاستقلال- من أكثر أعياد أمريكا قدسية. يستعيد الأمريكيون أسطورة تاريخهم بكل ما يعنيه بطقسية الاحتفال بالأسطورة. فهو طقس يتضمن تقديس فعل الاستعمار الاستيطاني والتأكيد على التفوق الطبيعي والأخلاقي للمستعمرين، وهو تأكيد على صدق الأسطورة وحياتها المتجددة، وهو احتفال برعاية الله لكل عناصر أسطورة الولادة المقدسة للتاريخ الأميركي، وهو - من خلال هذا الطقس الاحتفالي - يؤكد على التسامي بالأسطورة ومعايشتها كدين.

منذ نزول الحجاج في أرض الميعاد الجديدة عام 1607 كانت المقاربة بين وعود يهوه لليهود في حصولهم على اللبن والعسل في أرض كنعان، مع ما وجدوه في أرض الميعاد الأمريكية (لم يستطع القديسون أن يميزوا بين السماء وعجل الذهب: لقد وجدنا أرضاً واعدة أكثر من أرض الميعاد، فبدلاً من اللبن وجدنا اللؤلؤ، وبدلاً من العسل وجدنا الذهب).

المعنى "الإسرائيلي" لأمريكا:

)قدر الهندي الذي يواجه الأنكلوسكسوني مثل قدر الكنعاني الذي يواجه الإسرائيلي: إنه الموت). جيمس بولدين، نائب في الكونغرس ما بين 1834-1839. إن أمريكا ليست إلا الفهم الإنكليزي التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخية، وإن كل تفصيل من تفاصيل تاريخ الاستعمار الانجليزي لشمال أمريكا حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك الإسرائيل ويتقمص وقائعها وأبطالها وأبعادها الدينية والاجتماعية والسياسية، ويتبنى عقائدها في الاختيار الإلهي وعبادة الذات وحق تملك الأرض وحياة الغير. لقد ظنوا أنفسهم، بل سموا أنفسهم «إسرائيليين» و«عبرانيين» و"يهوداً". وأطلقوا على العالم الجديد اسم «أرض كنعان» و"إسرائيل الجديدة"، واستعاروا كل المبررات الأخلاقية لإبادة الهنود (الكنعانيين) واجتياح بلادهم من مخيلات العبرانيين التاريخية.

إن فكرة اجتياح مستعمرين لشعب مستقر هي ذاتها فكرة الاجتياح المسلح وبمبررات "غير طبيعية"، هي محور فكرة إسرائيل التاريخية. وإن عملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورة بشخصيات أبطالها الإسرائيليين، (الشعب المختار، العرق المتفوق) وضحاياها (الكنعانيين، الملعونين، المتوحشين، البرابرة) ومسرحها (أرض كنعان، وإسرائيل) ومبرراتها (الحق السماوي أو الحضاري) وأهدافها (الاستيلاء على أرض الغير واقتلاعه جسدياً وثقافياً)، وكلها من فكرة إسرائيل التاريخية. هذا الاعتقاد بأن هناك قدراً خاصاً بأميركا. وأن الأمريكيين هم الإسرائيليون الجدد والشعب المختار الجديد، يضرب جذوراً عميقة في الذاكرة الأمريكية. وما يزال صداه يتردد في اللغة العلمانية الحديثة، أو ما صار يعرف بالدين المدني. إنه اعتقاد يتجلى في معظم المناسبات الوطنية والدينية وفي كل خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء الأمريكيون مفاده أن "إرادة الله، القدر، حتمية التاريخ ... إلخ" اختار الأمة الأمريكية الأنكلوسكسونية المتفوقة وأعطاها دور المخلص الذي يعني حق تقرير الحياة والموت والسعادة والشقاء لسكان المجاهل. وأنه مهما حل بإسرائيل فوق أرض فلسطين، فإن إسرائيل الأمريكية تبقى القلعة المحصنة لإعادة بناء إسرائيل ولقيمها ومبادئها وأخلاقها.

التماهي مع الأسطورة التوراتية:

خروج الإنجليز من جزيرتهم نحو القارة الجديدة، هو ذاته خروج موسى من مصر عبر البحر الأحمر نحو كنعان. وبالطبع فقد وجد بعض السياسيين الإنكليز في استعمار العالم الجديد- القارة الجديدة، فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في وطنهم الكنعاني. وبذلك تأكد لهم أن خروجهم من جزيرتهم البريطانية صوب القارة الجديدة يضاهي الخروج الأسطوري للعبرانيين من أرض مصر، ولم يساورهم الشك في أخلاقية استعمارهم وحقهم في إبادة الهنود ومقارنة ذلك كله باجتياح العبرانيين لأرض كنعان وإبادة الفلسطينيين. كل أدب المستعمرين الأوائل في القارة الجديدة يؤكد على هذه "القدرية التاريخية".

تدشين الدستور الأمريكي بتماهي إسرائيلي:

لقد تم التماهي الأمريكي للمعنى الإسرائيلي لأميركا في المحكمة العليا حيث تم إلقاء خطبة بمناسبة تدشين الدستور الأمريكي، عندما تقرؤها لن تشك لحظة في أنه يقرأ مقاطع من سفر الخروج أو التثنية من التوراة. حيث تبدأ الخطبة عن ولادة الدستور بهذا المقطع من سفر التثنية (لقد علمتكم فرائض وأحكاماً، كما أمرني الرب إلهي لكي تعملوا بها في الأرض التي أنتم داخلون إليها لتتملكوها. فاحفظوا واعملوا، فتلك هي حكمتكم وفطنتكم في عيون الشعوب الذين سيسمعون عن هذه الفرائض). والواقع أن كل هذه الخطبة شرح واستطراد وتعليق وقياسات تمثيلية بين شريعة موسى والدستور الأمريكي، وبين الإسرائيليين والأمة الأمريكية. فالدستور مناسبة للتأكيد على وجه الشبه بين ما نزل على موسى من ألواح وبين ما نزل على قلب واضعي الدستور. وهي مناسبة للتذكير بأن إسرائيل القديمة والجديدة أمة مختارة باركها الله قديماً بشريعة ليس لها مثيل وجعلها «فوق كل الشعوب نبراساً للعالم عبر كل العصور، ثم أكرمها حديثاً بدستور ليس له مثيل، وجعلها فوق كل الشعوب» مثالاً يحتذى عبر كل العصور.

كما إن تأسيس مجلس الشيوخ الأميركي أيضاً ليس إلا استمراراً لما فعله موسى، عندما اشتكى إلى يهوه أنه لا يطيق الحكم وحيداً، فأمره باختيار سبعين رجلاً من الحكماء والرتباء. ونجد في تلك الخطبة، بأن حكومة موسى كانت (جمهورية) وقائمة على المبادئ الجمهورية، وأن قبائل إسرائيل كانت تحكمها حكومات محلية لامركزية لا تختلف عن الحكومات المحلية للولايات الأمريكية. ولم يكن الآباء المؤسسون للدولة الأمريكية مثل جفرسون وآدامس وفرنكلين وپاين - أصحاب الاتجاه العقلاني والمذهب الطبيعي - بأقل حماسة للمعنى الإسرائيلي للأمة الأمريكية من الحجاج والقديسين. ومعروف أن فراكلين وجفرسون كليهما أصرا على صورة "الخروج الإسرائيلي" من مصر إلى كنعان كمثل أعلى للنضال الأمريكي من أجل الحرية. وفي الرابع من يوليو 1776- عيد الاستقلال- عهد الكونغرس لفرنكلين وجفرسون أن يضعا تصميماً لخاتم الولايات المتحدة. أما فرنكلين فاختار رسماً لموسى رافعاً يده، والبحر الأحمر منفلق، وفرعون في عربته تبتلعه المياه. وأما جفرسون فاقترح رسماً لبني إسرائيل في التيه يرشدهم السحاب في النهار وعمود النار في الليل. وكان الرئيس جفرسون من أبلغ من تحدث عن المعنى الإسرائيلي لأمريكا.. بل إنه ختم خطابه التدشيني لفترة الرئاسة الثانية بتعبير يشبه الصورة التي اقترحها لخاتم الجمهورية: «إنني بحاجة إلى فضل ذلك الذي هدى آباءنا في البحر كما هدى بني إسرائيل، وأخذ بيدهم من أرضهم الأم ليزرعهم في بلد يفيض بكل لوازم الحياة ورفاه العيش».

اللغة العبرية أساس الثقافة الأمريكية:

منذ اليوم الأول لوصول المستعمرين الإنكليز إلى العالم الجديد، كانوا يريدون أن ينشئوا في أمريكا دولة ثيوقراطية تعيد سيرة اليهود التاريخيين. فالخطباء والوعاظ استمدوا نصوص خطبهم من العهد القديم، وأما الآباء فقد استعاروا منه أسماء أولادهم. لم تكن العبرية لغة ثانوية بل كانت عمود ثقافة المثقفين والمعلمين المتدينين وغير المتدينين. كان تاريخ اليهود في العهد القديم قراءتهم اليومية، بل لربما كانوا يعرفونه أكثر مما يعرفون تاريخ أي شعب. فاللغة العبرية ومعها اللاتينية- لا الإنكليزية- هي التي كانت لغة التعليم الأساسية في جامعة هارفرد عند تأسيسها في عام1636. وشريعة موسى هي القانون الذي حاولوا تبنيه، إلى جانب العبرية التي أرادوها لغة رسمية لأبناء مستعمرات الثلاث عشرة على ساحل الأطلنطي.

لقد شقت "العبرية" مع الزمن قنواتها إلى عقائد الآباء المؤسسين وأنبياء الرأسمالية الجدد.

أليست كل هذه القيم والأفكار تكفي لتشييد ولاية أمريكية يهودية السكان، ليجسدوا هذه الأسطورة القديمة بشكل معاصر. ويتماهون معاً بأرض كنعان الأمريكية، ويتناسون أمام "حيثيات" و"مرتكزات" هذا المقال أرض كنعان لشعبها العربي الفلسطيني!؟