تحفل الذاكرةُ الجمعيةُ الفلسطينية، الفنية منها والفكرية، بالعديدِ من المحطات الهامة عبر تاريخها الطويل المُغرِق في القِدَم والمرتبط مكاناً بإنسانِ الأرض الفلسطينية الذي ما انفكّ يشكل بإبداعِه وثراءِ فكرهِ جزءاً لا يتجزأ من تاريخ هذه الجغرافيا الممتدة من النهرِ إلى البحر.
عروض فرجوية
يشكل فنّ المسرح جزءاً أصيلاً من هذه الذاكرة بما يختزنه من تجارب وذكريات تشكل اليوم ثروةً حقيقيةً ينبغي أن تحفظَها ذاكرةُ الأجيال وألا تنسيها إياها الكوارثُ والمِحَنُ المتلاحقة التي حاولت النيلَ من إنسانِ هذه الأرض وتراثه وذاكرته دون جدوى، وتذكر المراجعُ التي رصدت التراثَ الفنيّ والثقافيّ الفلسطينيّ ومدى ارتباطه بالحراك الاجتماعي أن شهرَ رمضان ارتبط بالعديدِ من التظاهرات والفعاليات الثقافية في النصفِ الأول من القرنِ العشرين، حيث كانت العروض الفرجوية تُقدَّم في المقاهي والساحات وتجمع حولها الجمهورَ من مختلفِ الطبقات والفئاتِ الاجتماعية، وظهرتْ في تلك الفترة تجّمعاتٌ وفرقٌ مسرحية ذات طابع ارتجاليّ ومؤقت في أسلوبِ عملها وطريقة تقديم عروضِها للجمهور، لكنها استطاعتْ أن تجدَ لها أماكن ثابتة لتقديمِ عروضِها، وكانت العقبة الأهمّ التي وقفتْ حجرَ عثرةٍ في وجهِ هذه الفرق هي إيجاد العنصرِ النسائيّ المستعدّ من الناحيةِ الاجتماعية للمشاركةِ في هذه العروض التي كانت في جزءٍ كبيرٍ منها تحرص على أن تتواصلَ مع الجمهور في شهر رمضان تحديداً نظراً لخصوصيتِه وقدرتِه على جمعِ أكبر عددٍ ممكن من المشاهدين، وبينت المراجعُ التي رصدتْ الحراك الفني الفلسطينيّ في تلك المرحلة أن الممثلات كنّ أكثر التزاماَ من الممثلين بقواعد وتقاليد العملِ في المسرح، ومن أبرز الأسماء الفنية النسائية التي ظهرتْ في تلك الفترة نذكر: اميلي السلطي، نجلا حوراني، جورجيت واسيلي، وداد خوري، فريدة عطا، دلال خليف.
"السموأل"
من أبرز الأعمال المسرحية التي شهدتها مسارح فلسطين في أحد شهورِ رمضان في ثلاثينيات القرن الماضي مسرحية بعنوان "السموأل" قدمتْها نخبةٌ من طلابِ المدارس، وقد قُدّمَت في قاعةٍ تتسع لأكثر من ثلاثمئة متفرج، كما شهدت شهور رمضان في عقد الأربعينيات زيارةَ عدد من الفرق المسرحيةِ العربية لتقديمِ أعمالها للجمهور الفلسطينيّ في مدن القدس وحيفا ويافا وغزة، منها فرقتا الفنانين المصريين يوسف وهبي ونجيب الريحاني، وما يلفت النظرَ في جمهور المسرح في فلسطين في تلك الفترة من القرن العشرين التزامه التامّ بالنظام أثناء تقديم العروضِ المسرحية، ومن أبرز الفرق المسرحية التي ظهرتْ في تلك الفترة فرقة جمعية الفنون والتمثيل التي قدمت في شهر رمضان ولأكثر من موسم أعمالاً جيدة مثل "عنترة" ومن أهمّ المواضيع التي كانت تستأثر باهتمام الجمهورِ الفلسطينيّ المواضيع ذات الطابع الاجتماعيّ والمواضيع التي تعالج قضايا الأمراض الاجتماعية والفئات السلبية في المجتمع كفئة المرابين والمستغلّين من أصحاب المصانع والمعامل والشركات وسماسرة الأراضي الذين يتسببون بتشريدِ الناس وبيعهم لأملاكهم.
مسرح البسطة
بعد تلك المرحلة بعشراتِ السنوات يبدو المسرحيون الفلسطينيون سائرين على نفس النهج لجهة تحويل شهر رمضان إلى فسحة للفن الراقي والثقافة الواعية القادرة على أن تكون ثقافة متفاعلة مع الجمهور وقد تغيرت الظروفُ جذرياً عما كانت عليه قبل قيام دولةِ الاحتلال، ومن أبرز التجارب المسرحية الرمضانية التي شهدتها الألفية الجديدة التجربة التي قدمها خمسة من الفنانين الشباب في مدينة القدس في رمضان عام 2016 عندما أسسوا فرقة أسموها مسرح البسطة التي قدموا من خلالها أعمالاً مسرحية ساخرة في ما يُعرف بـ الكوميديا السوداء تحت شعار بالمسرح نواجه الحواجز والتهميش، وبالفنّ ننتصر لمن يشبهنا.. ويذكر الإعلامي الفلسطيني محمد أبو الفيلات أن مسرح البسطة مسرح متنقّل يهدف إلى تقليصِ المسافة بين الفنّ والناس عبر إدماج أشكالِ المسرح القديم مع أدوات المسرحِ الحديث، وهو يستمدّ أعمالَه من قضايا الناس، وتناول العرض الذي قدمتْه الفرقة ضمن عروض ما يسمى بـ مهرجان الفرجة الذي أطلقتْه الفرقة في رمضان 2016 مسألة العقارات في مدينةِ القدس بالاعتماد على أسلوبِ الحكواتيّ في تقديم محتوى العرض، وهو الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة المضامين التي كان المسرح الفلسطينيّ يقدمها قبل ما يقارب المئة عام.. تضمَّنَ العرض ثلاثةَ مَحاور، أولها قضية بيع عقارات المقدسيين للصهاينة عن طريق السماسرة الذين يشترون المنازل تحت غطاءٍ وطنيّ إنسانيّ ثم يقومون ببيعها للمستوطنين.. أما المحور الثاني فيتناول أزمةَ السكن التي يعاني منها الشباب وارتفاع إيجارات البيوت والشروط التعجيزية التي يضعها أصحابُ العقارات أمامَ الشباب.. ويتطرق المحورُ الثالث إلى تفضيل أصحابِ العقارات للمستأجر الأجنبي كونه يدفع لهم مبالغ باهظة، وقد لامس العرضُ قلوبَ عشرات المقدسيين ممن توافدوا لمشاهدتِه، وهو عرض واقعي وساخر ويدفع المُشاهد كي يتأملَ مأساته ويحاول الخروج مما هو فيه، ويشار إلى أن هذه الفرقة اختارت أن تقدم مسرحياتها كل يوم خميس من شهر رمضان في سوق الخواجات في بلدة القدس القديمة، وهي سوق مهجورة منذ سنوات عديدة ولا توجد فيها حركة تجارية جيدة تسدّ حاجة التجار مما دفع الكثيرين منهم إلى إغلاقِ متاجرهم، كما أن السوق يعاني من التمددِ الاستيطاني واتخاذ المستوطنين من سقفه مساكن لهم، إضافة إلى ملاصقته لمدخل حارة الشرف التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وحوَّلتْها إلى حيّ استيطانيّ، ويؤمن أفرادُ الفرقة أن إخلاء السوق من المقدسيين يجب إفشاله.
الجدير بالذكر أن فرقة مسرح البسطة تأسستْ في العام 2015 ومنذ ذلك الوقت قدمت عشرات الأعمالِ المسرحية، وقبل ذلك وبحوالي عشر سنوات قدمتْ فرقة مسرح وسينماتيك الفلسطينية في شهر رمضان من العام 2006 عرضاً مسرحياً بعنوان "الجدار" للمخرج جورج ابراهيم وهي تصور معاناة الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال والحصار، وتتألف من عدد من المَشاهد، تفصل بينها فواصل موسيقية وغنائية ضمن سياقٍ دراميّ متوازن وسبق وأن شرح الناقد المسرحي السوري الراحل عبد الفتاح قلعه جي تفاصيل العرض حين مشاهدته له في مهرجان دمشق المسرحي عام 2006:"سبعةُ فنانين يخترقون خشبة المسرح في المشهد الأول وهم يعزفون ويغنّون ويرقصون، فالعرض منذ البداية ليس دعوة إلى الندبِ والبكاء والهجاء بالرغم من المعاناة وإنما هو دعوة لممارسةِ الحياة بأفراحها وأتراحها وإلى البحث في المكان الضيق عن فسحةٍ للتحدي والإصرار على البقاء، ولم يكن الجدار مجرد شاخصة مكانية وإنما وجدناه يهتز ويرقص ويتحرك بتشكيلاتٍ متعددة، فهو الشخصية الثامنة في المسرحية وتعليقاً على المسرحية يقول رائد المسرح التسجيلي الفلسطيني سلمان ناطور:"نحن بأمسّ الحاجة إلى توجيهِ خطابٍ مختلفٍ إلى العالم يكون مقنعاً بعدالة قضيتنا وعراقة حضارتنا، وأريد أن أحصر القضية في مخاطبة الإسرائيليين من موقعنا كفلسطينيين يعيشون في قلب مجتمع يسهل علينا مخاطبته بشكل يؤثر فيه، ونحن نفعل ذلك دائماً، ويحدث كثيراً أننا نقدم مسرحياتنا مترجمة إلى اللغة العبرية، وعندما يشاهدونها يذهلهم جهلهم لنا، وهم يخافون من هذا الجهل، لذلك فقسم كبير منهم يأتي إلينا طالباً المزيد".
كانت هذه لمحات من الحركة المسرحية الفلسطينية في شهر رمضان في الأرض المحتلة، وهي حركة ما زالت تقاوم بكل ما أوتيت من قوة في وجه آلة التدمير الصهيونية بمختلف وجوهها وأشكالها.

