تصبح الآمال والأماني والرغبات جزءاً من سرديات وروايات الحرب في محاولة للخلاص من الواقع الذي تعيشه شخصيات الرواية, ولا سلاح أمام هذه الشخصيات سوى الصبر وإعادة إنتاج ذاتها وفق معطيات الواقع الجديد بعيداً عن مسببي هذه الحرب, وهو الحد الأدنى من المقاومة.
في عالم الحروب المتعددة الأوجه يصبح الخلاص الفردي والحفاظ على الذات الإنسانية فعل جليل, ومحاولة التقليل من التشوهات التي تتسلل إلى الإنسان بفعل واقع الحرب, وإذ ترافق ذلك مع فعل العطاء الإنساني المتعدد الأوجه, تكون الشخصية الإنسانية قد تجاوزت مفاعيل الحرب والحصار, وذلك ما نجده في رواية أرقص كأنك النون الحائزة على جائزة حنا مينة للرواية في العام2022, للروائية والقاصة الفلسطينية سوزان الصعبي, والصادرة عن وزارة الثقافة, والهيئة العامة للكتاب في العام2023.
الحرب والحصار:
تفرض الحرب إيقاعها في كل لحظة من لحظات على أهالي المناطق التي اجتاحتها السلاح والقذائف "لم يمضي على نومي سوى ساعتين حين انفجرت قذيفة قريبة جداً. صحوت فزعة كما أفراد العائلة. قفزنا نفتش عن أطرافنا ورؤوسنا ويطمئن بعضنا على بعض, خرجت إلى الشرفة يدفعني الفضول لمعرفة مكان سقوط القذيفة رأيت بضعة شبان يركضون, حاولت أن أمد رأسي للخارج كي أرى أكثر, لكن أختي شدتني للداخل غاضبة خائفة. دقيقة واحدة والقذيفة الثانية لحقت بسابقتها وهدمت منزلاً بأرواح".
القذائف والرصاص فرضت على أهل البيت, وكل شخصية منهم أنزوت إلى غرفتها وخذانتها لضب ثيابها, بينما تميزت شمس في وضع عدد من الكتب في حقيبتها, وأهتمت أخواتها في وضع ما يرغبن في حقائبهن, والوجه الأولى في الهروب والهجرة الأولى ذات الحي, لكن إلى مسافة أبعد بين الأخ باسم, لكن القناص الرابض على مدخل الحي يمنع الخروج الاعتيادي لأهل الأحياء, خمس أخوات وقفن عن مدخل الحارة استعداداً لمواجهة الموت والحياة في آن معاً.
ليلى أول من شقت الطريق وركضت وعبرت من أمام أعين القناص. وركض خلفها أخوتها الأربعة حتى وصلن إلى مدخل الشارع الآمن, ومشين بعده بتثاقل نحو بيت أخيهن في الجهة الأخرى من الحي في أقصر الطرق خوفاً من القذائف العشوائية التي تسقط في الحارات والشوارع خلفهن وأمامهن, وعندما يصلن بيت باسم يمازحن بالقول: "كنا تخطط لتناول العشاء عندكن الليلة".
الحرب حولهم من كل الجهات صارت كل الأحياء سواسية في تلقي القذائف والرصاص, لكن باسم قال إنه لن يغادر بيته ويتركه للصوص, أما زوجته فلم تدعه يكمل كلامه, قالت إنها تخشى على جنينها, ولذلك لن تبقى في الحي.
وتكمل شمس سردها بالقول: "هناك على بعد بيوت قليلة منا سقطت قذيفة, قفزنا جميعاً بحركة لا إرادية نحول النافذة لنعرف شيئاً, صرخت النسوة في الحارة, وانتشر الدخان. النساء تولول في الخارج, والهواء يختنق ويسعل".
وتذكرت كيف احتميت الأسرة في غرفة النوم كونها بعيدة عن الحارة, ويمكن أن تكون أكثر أماناً من غيرها. وكانت ليلتهم في بيت باسم حامية في شراسة الرصاص والقذائف, قضت مضاجع الأطفال, لم يقطع بكائهم سوى صوت زمامير السيارات المتبقية في الحارة التي تصرخ كلما سقطت قذيفة, ونتيجة المعركة الليلية وتأثيرها على العائلة يصرح باسم "سنخرج من هنا حين يطلع الفجر", وهو الذي كان يرفض المغادرة, وصباح اليوم التالي يجدوا آلاف مثلهم وقفوا عند ساحة صغيرة تفصل الحي عن الحي المجاور, وهم يحملون حقائبهم بأنتظار بزوغ أمل ما, وتفرقت العائلة إذ قررت زوجة باسم أن يذهبا إلى بيت أخيها ريثما يجدوا بيتاً وقبلت بعض صديقات الأخوات استضافتهن.
وترافقت عمليات التهجير من مناطق الحرب مع حصار لهذه المناطق تبدى في الرواية بعودة أخ السيدات الخمس باسم إلى تلك المنطقة ليحاصر بها إلى فترة زمنية طويلة رغم معرفته أن زوجته الحامل قد تضع مولدها في غيابه, وتحتفل الأسرة بعيد ميلاد (خليل الثاني بدون وجود باسم, ويرقص باسم بعيد ميلاد ابنه رغم أن الحواجز ومنها العسكري لم تسمح للمحاصرين بمغادرة هذه المنطقة (أرقص كأنك النون..), ليأتي الخروج من هذه المنطقة عبر تسوية في مرحلة لاحقة بعد خمس سنوات من الحرب عاد باسم ابنه وزوجته وأسرته.
الكتاب المونسن:
تخرق الروائية سوزان الصعبي السرد التقليدي في معمارها الروائي من خلال إنسنة الكتاب الذي يقوم بالسرد الروائي كإحدى الشخصيات الروائية في بنية روائية رشيقة خفيفة الظل على القارئ, لا تجعل من الملل جزءاً من عملية التلقي الروائي. فالكاتبة شمس عندما تخرج من منطقة الحرب والقذائف تأخذ عدد من كتبها معها "سقط كتاب من الحقيبة التي نسيتها مفتوحة واصطدم بالدرج, انحنيت لألتقطه وأنقذه من الخراب, لكن يداً أخرى كانت أسرع . رمت (لينا) الكتاب إلى عتبة البيت الداخلية بعنف وكأنها تقاتل".
يحتج الكتاب على سلوك لينا" أعرف أن شمس ستأسف عليّ, لكن هذا لا يكفي, كنت أعتقد أنها ستضمني إليها مهما حدث, تباً للحياة كم تفاجئنا بما لم نتوقعه أبداً". ويبين الكتاب حاله عندما تسقط القذائف اصطكت أوراقي, خفت من أن تسقط حولي وتتحطم (الصحون والفناجين) وتجرحني, ليتك لم تجعلني حبيس الأوراق, ليتك أبقيتني حراً في خيالك, وما نفعي أصلاً إن لم أستطيع شيئاً حيال هذه الحرب؟".
ويسرد الكتاب معاناته مع شخصية احتلت البيت بعد مغادرة الأخوات الخمس, وقامت باستخدامه "استيقظ أخيراً في أول الليل, تفقد محفظته وأشعل سيجارة, اقترب من الخزانة الخشبية, نظر متفحصاً, ثم دار حولها مفتشاً عن شيء ما, ودون أن ينتبه إلى داسني بقدميه, لا أدري ما الذي أغضبه من وجودي هنا, لذلك ركلني بقوة, فا ارتطمت بحائط غرفة شمس". ويداهم هذا الدخيل غرفة المكتبة حيث يتفقد الكتب ويرميها أرضاً من رفوف المكتبة كمن يتخلص من أوساخ!.
ويصف الكتاب لحظة المواجهة بين باسم صاحب البيت, والمعتدي حيث يتمكن من طرد باسم من البيت بقوة السلاح, وتحت تهديد بالموت, عندها يغادر باسم البيت ويبقى المعتدي. ويتساءل هل نسيت شمس أنها تركت خلفها عشرات الكتب المشاقة للنور والنظافة وللأيدي وللعيون, ولم تعد إلينا لتأخذنا أو حتى لتقابلنا, ولم يعد كذلك باسم أو أي إنسان سوى ذاك المسلح ورفاقه.
ويطلب قائلاً:"ليتنا نموت وتموت معنا معاناتنا. هذا ما بتنا ننطق به صادقين. وتتغير أحوال الكتب مع عودة شمس إلى بيتها ومكتبتها وتخاطبها :"أما أنا فاشتقت إليك, اشتقت لترتيبك وتصفح الكتب التي أحبها أكثر كلما قرأتها مرة أخرى, اشتقت لكتابي تيماء وأمجد, ولنفض الغبار عن المسافة بيننا جميعاً".
درويش وجبرا وكنفاني:
عندما غادرت شمس منزلها في المنطقة المحاصرة أخذت معها حقيبة, وضعت بها أحب الكتب لديها وبدأت بي "يوميات سراب عفان للكاتب جبرا إبراهيم جبرا التي قرأتها أول مرة قبل عشرين عاماً حين أصبحت طالبة في الجامعة حيث تمنت أن تكون سراب التي تداوم على كتابة المذكرات والعاشقة لرجل روائي يكبرها بكثير, والقادرة على التخلي حين تؤمن بفكرة أسمي.
وتسأل ديوان محمود درويش, ترى لو بقي حياً حتى الآن, ماذا كان سيكتب عنا؟ وهل ستطاوعه اللغة مجدداً ليقول بطريقة أشد مرارة": وأنت تخوض حروبك فكر بغيرك.. ولا تنسى من يطلبون السلام"، وتستكمل استعراض مكتبها بديوان واحد لنزار قباني, ورواية واحدة ل غسان كنفاني , لكنني لا أكتفي بواحدة, دسست مجموعته القصصية (موت سرير رقم12). ومجموعات تشيخوف ويوسف إدريس وموباسان وماركيز وبعض الكتب النقدية.
ويعيد ذي الأظافر المتسخة الكتاب إلى المكتبة ويتوضع بين مجموعة قصصية يوسف إدريس وبين مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) للكاتب سعد الله ونوس.
ويأتي نصر مدرس جديد إلى المدرسة التي تدرس بها شمس, وهو يهوى شعر المتنبي, وما كتبه شعراء المهجر, ويقرأن قصة غوغول المعطف "بدأت أقرأ بصوت هادئ ومسموع, وهو يصغي ويتابع معي كلمة فكلمة وحين تدفعني الأحداث والانفعالات إلى رفع صوتي أو تغير رنته, كنت أستجيب لذلك بكل شغف وعفوية. ثم حان دوره, واستمعت إليه منفعلة حزينة على المسكين (أكاكي أكاكيفيتش), وسعيدة بعيني نصر اللتين تنتقلان بين الصفحات وبيني, وكدت أنثني كما حال التمثال, كما يفعل أي شخص في بيته".
وتلتقى شمس نصر عند عودة المناطق المحاصرة والمدمرة إلى الحياة الطبيعية فيها, ويبدأن رحلة البحث عن الكتب الناجية من الحصار والدمار والحرق.
أن رواية ارقص كأنك النون للكاتبة الروائية الفلسطينية سوزان الصعبي مجددة في أسلوب السرد عبر شخصية الكتاب الذي يتسلل إلى القارئ قي رشاقة وسلاسة حكائية معبراً عن حالة من حالات الحصار للأغراض والأشياء الأحب إلى قلب الإنسان التي تستخدمها ويوظفها في حياته اليومية, والتي لا يستطيع الاستغناء عنها في أقسى وأصعب اللحظات الحياتية.
عن هذه الأغراض المحببة إلى الذات الإنسانية تأخذنا الرواية عبر شخصيات قريبة ومحببة منا مثل "باسم, تيماء, أمجد, نصر, شمس, زبيدة".
ويأتي توظيف الحوار مع كتب الكتاب المشاهير كجزء من البناء الروائي, وليس مقحم على هذا البناء في سلاسة السؤال والتوظيف.
أخيراً أن رواية أرقص كأنك النون للكاتبة سوزان الصعبي تستحق القراءة.

