Menu

الافتتاحية

نشر في مجلة الهدف العدد (80) (1554)

لا اجتهاد فيما تتعرض له فلسطين والمنطقة من مخاطر

يبلغ التصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري ذروته على مستوى العالم والمنطقة، وتذهب الإدارة الأمريكية إلى أقصى مدى من التوتير والتهديد لحسم الصراعات مع دول وقوى دولية وإقليمية ذات شأن اقتصادي وعسكري وجيوبولوتيكي، تحت عنوان مصالح أمريكا أولاً وهي فوق كل اعتبار، وهذا ما ترتكز عليه استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على مستوى الكرة الأرضية وخاصة النصف الغربي منها، عدا عن استراتيجيتها في الهيمنة على دول غرب آسيا والشرق الأوسط، لذا جاء اعتبار الامريكيتين والمحيطين الهادي والهندي مناطق نفوذ أمريكية خالصة، وبالتالي لا بد من مواجهة أي قوى دولية أو إقليمية تحاول المنافسة والمعارضة أو النيل من ذلك.

يتوجب على حلفاء أمريكا أيضاً أن يفهموا مكانة وأولوية الأمن القومي الأمريكي كقضية استراتيجية مركزية حتى لو تعارضت مع مصالحهم. إن مواجهة الصين وحصارها ومنع تمددها (خطة الحزام- الطريق) ووضع حد لتنامي قدراتها ومكانتها ودورها الاقتصادي والسياسي والتقني والعسكري هو الهدف الأمريكي الأول، أما الهدف الثاني هو إضعاف روسيا والحد من نفوذها واستنزافها اقتصادياً وعسكرياً من خلال العقوبات الاقتصادية المتصاعدة والمشددة، والاستثمار في حربها مع أوكرانيا، وتسعير تناقضاتها مع أوروبا ودول الجوار الأخرى.

أما أمريكا اللاتينية، فالتهديد والوعيد والتدخل العسكري هو التوجه الأمريكي المعتمد لإخضاع الدول هناك، وهذا ما حصل في فنزويلا، وما يتهدد كولومبيا والبرازيل وحتى المكسيك، وأيضاً كوبا المحاذية جغرافياً للقارة الأمريكية، وأبعد من ذلك يصل الأمر إلى جزيرة غرينلاند والمطالبة بضمها والسيطرة عليها وهي التابعة للدانمارك الدولة الحليفة لها في الناتو، أما تايوان ستبقى محمية أمريكية وشوكة في "خاصرة" الصين، ولا بد من حمايتها وتعزيز قدراتها العسكرية.

يبقى الشرق الأوسط وغرب آسيا حيث يبلغ الصراع ذروته أيضاً، وهذا الجزء الحيوي والاستراتيجي من العالم تسعى أمريكا ومعها الكيان الصهيوني إلى تغيير الخرائط الجغرافية والسياسية والأدوار والوظائف للدول الإقليمية الفاعلة والمؤثرة فيه بما يخدم مخططات الهيمنة والنفوذ الأمريكي، ويضمن أمن ومصالح الكيان الصهيوني الاستراتيجية، وهذا يعني تصفية القضية الفلسطينية، واستمرار محاصرة إيران وضربها بهدف تدمير قدراتها الدفاعية وبرنامجها النووي، والعمل على تغيير النظام فيها.

فلسطين هي الغائب الأكبر في الاستراتيجية الأمريكية وفي مجلس السلام العالمي، رغم كل ما تعرض له قطاع غزة من حرب إبادة وتطهير عرقي، وما تتعرض له الضفة و القدس من عمليات تدمير واقتلاع وسيطرة على الأرض واستيطان وتوغلات صهيونية وعنصرية يومية.

بعيداً عن المجتمع الدولي والأمم المتحدة والقانون والقرارات الدولية، وبغياب الدول الكبرى الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها... يجتمع مجلس السلام العالمي ليقرر بأن قطاع غزة سيكون منطقة اقتصادية جيدة ومجالاً حيوياً للاستثمار العقاري بمسؤولية الإدارة الأمريكية ومساهمة دولية وإقليمية ، وستكون ضمن المجال الأمني الإسرائيلي، دون أي إشارة إلى وجوب وضرورة الانسحاب الإسرائيلي من أراضي القطاع، أو وقف الخروقات التدميرية والقاتلة المتكررة لوقف إطلاق النار، أو الضغط لتنفيذ وإدخال حزمة المساعدات الكمية والنوعية المتفق عليها .

بدعوة من الرئيس الأمريكي ترامب يجتمع مجلس السلام العالمي ويُستبعد من هذا الاجتماع وعن تشكيل هذا المجلس أي حضور للمستوى الرسمي الفلسطيني، بل يحضر السيد علي شعث الموظف المدير للجنة التكنوقراط الفلسطينية من دون الإشارة لأي رمزية فلسطينية (العلم الفلسطيني). عندما يقرر مجلس السلام العالمي استقطاع قطاع غزة من الخارطة الفلسطينية والكيانية الفلسطينية، ويحوله إلى منطقة استثمارية عقارية واقتصادية، هذا مؤشر إلى انسداد أي أفق سياسي لقيام دولة فلسطين. تغدو الأمور أكثر وضوحاً عندما تصدر الحكومة الإسرائيلية قانون بدء تسجيل الأراضي في الضفة الفلسطينية من قبل السلطات الإسرائيلية باعتبارها أراضي "دولة"، الأمر الذي سيتيح للمستوطنين شراء وتملك الأراضي في الضفة، وهذه لم تعد مجرد تصريحات لسموتريتش أو بن غفير حول اعتبار الضفة "أرض إسرائيلية"، بل هي ممارسة مادية وترجمة لأيديولوجيا توراتية استعمارية وعنصرية، ثم يصرّح السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني هاكابي مؤكداً بأن لإسرائيل الحق في ضم الضفة الغربية وأجزاء من أراضي السعودية والعراق و مصر معلناً موافقته على خارطة إسرائيل الكبرى التي تحدث عنها مجرم الحرب نتنياهو (العضو في مجلس السلام العالمي).

يتعدى الخطر القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني على أرض فلسطين، والكيانية والهوية الفلسطينية ليصل إلى تهديد أرض وسيادة دول وعواصم عربية وإقليمية، وهذا مخطط حقيقي وحاضر في الأجندة الصهيو- أمريكية.

لم يعد من خيار إلا المواجهة الشاملة لهذه المخططات العدوانية والعنصرية، وهذا برسم دول وشعوب المنطقة وهي المعنية بالدفاع عن الأرض والكرامة والسيادة، ولم تعد المقاومة شأناً فلسطينياً فقط رغم أن ذلك خياراً استراتيجياً لها يجب أن يلتف كل الفلسطينيين حوله ويجب أن يكون هو العنوان الرئيسي للحوارات الوطنية القادمة وفقاً لما جاء في ورقة التفاهمات المشتركة بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح، باعتبار أن طبيعة المرحلة هي مرحلة تحرر وطني. كما يتوجب أن يكون خيار المقاومة بأشكالها المختلفة شأن كل الشعوب ودول العرب والمنطقة.

 ولنا في شعوب العالم أنصاراً داعمين لفلسطين وقضايا العدل الحرية يشكلون عمقاً عربياً وأممياً حيوياً تمثل بالحراك الشعبي العالمي، الذي انتصر لسردية الحق الفلسطيني والرواية التاريخية الفلسطينية في مواجهة زيف الرواية وفظائع الجرائم الصهيونية وحرب الإبادة والتطهير العنصري، وسيستمر هذا التضامن العالمي بطرق مختلقة ولعل أسطول الصمود الأممي الشهر القادم سيشكل ملحمة عالمية بالتضامن والتلاحم مع نضالات وتضحيات وثبات وصمود شعبنا في قطاع غزة وكل فلسطين.