في الوقت الذي تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي جرائم الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، ولا تلتزم بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتصاعد التصريحات المتواترة داخل الحكومة الإسرائيلية، التي تدعو إلى توسيع دائرة العدوان ليشمل دولاً عديدة في المنطقة. وهو تعبير عن حاجة إسرائيل الملحّة للحرب في المرحلة الحالية، والمضي في المغامرة التي يقودها نتنياهو والتيار الصهيوني المتطرف. ذلك أن الحرب تشكل خياراً استراتيجياً للأحزاب اليمينية وعلى رأسها حزب الليكود الذي يعطي الأولوية للعدوان، من أجل توسيع الاستيطان وتحقيق أهداف الاحتلال بالاستيلاء على الأرض وإقامة إسرائيل الكبرى. وقد بشر نتنياهو الإسرائيليين أنه لا يمكنهم العيش بلا حرب، انطلاقاً من رؤيته بأن «إسرائيل يجب أن تسيطر على الأراضي كلها وأنها ستعيش على السيف الى الأبد»، ما يعني أن حروبهم لن تنتهي وهي حاجة مستدامة ستقرر مصيرهم ومستقبلهم في المنطقة. ولهذا تزداد الأصوات ارتفاعاً في الحكومة الإسرائيلية التي تقرع طبول الحرب وتلحّ على الإدارة الأمريكية للمشاركة بشكل مباشر في العدوان. ويمكن تحديد ثلاثة أسباب رئيسية تكمن وراء حاجة إسرائيل للحرب:
1- تأكيد الدور الوظيفي في إطار العلاقة الإسرائيلية الأمريكية
منذ اليوم الأول لمعركة طوفان الأقصى كان واضحاً أن الكيان الصهيوني لا يستطيع خوض المعركة وحيداً ومواجهة المقاومة وحلفائها معتمداً على ذاته، وكان بحاجة إلى حضور الولايات المتحدة إلى المنطقة من أجل مساندته والتغطية على عجزه عن القيام بوظيفته العدوانية ضد دول المنطقة. ويؤكد ذلك مارتن إنديك، السفير الأمريكي السابق في الكيان الصهيوني، مشيراً إلى أن الخطوة التي قامت بها حاملات الطائرات الأمريكية في البحر المتوسط وفي البحر الأحمر استعداداً لتقديم الدعم للكيان الصهيوني منذ اليوم الأول للمعركة في حزيران/ يونيو 2025، تثبت أن هذا الكيان غير قادر على ذلك من دون مشاركة الولايات المتحدة. فمن وجهة نظر واشنطن ترى أن الكيان الصهيوني هو الحليف الاستراتيجي الوحيد في الشرق الأوسط، يمكن أن يسهم في تعزيز "الأمن القومي للولايات المتحدة"، وعليه يجب تكريسه قوة رادعة للدول العربية من خلال تكريس تفوقه العسكري. وقد روجت الدعاية الصهيونية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية وأعطت الانطباع بأن المشروع الصهيوني بعد عدوان 1967 أثبت تفوقه العسكري على الدول العربية، وأثبت جدارته في خوض المعركة وحده، وأنه مؤهل لكسب ثقة المركز الإمبريالي من أجل دور متميز في الصـراع العربـي الصهيوني. وقد حرصت القيادة الإسرائيلية على تمتين العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني بوصفه حليفاً استراتيجياً لها في منطقة الشرق الأوسط، وقدمت له الدعم الاستراتيجي اللازم لتفوقه العسكري على دول المنطقة.
إن إخفاق قوات الاحتلال عسكرياً وأمنياً في كشف المقاومين الفلسطينيين الذين تمكنوا من تنفيذ عملية طوفان الأقصى، يثير أسئلة كثيرة حول قدرة قوات الاحتلال على تأمين الحماية الكاملة للجمهور الإسرائيلي، وحول قدرة الكيان الصهيوني على القيام بدوره الوظيفي في المنطقة، وجدوى النظرية الأمنية الإسرائيلية التي يعتمد عليها في مواجهة التحديات التي تفرضها المقاومة الفلسطينية، ما أدى إلى نشوب تناقضات وخلافات وانقسامات في الأوساط القيادية الإسرائيلية حول الفشل الإسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023. إن اندفاع قادة الاحتلال الإسرائيلي بشكل جنوني للانتقام من الفلسطينيين بعد عملية طوفان الأقصى، وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، وهدم المباني على رؤوس ساكنيها دون تمييز، يؤكد حجم الصدمة التي جعلت الكيان الصهيوني برمته يهتز ويصاب بالانهيار، وأنه أمام خطر وجودي حقيقي. كما أنه استخدم أقصى درجات العنف والوحشية في جرائمه ضد الفلسطينيين، من أجل إثبات نجاعته في الأداء، وقدرته على شن العدوان، وتحقيق الردع والتفوق على جميع القوى في المنطقة، ومن أجل الحفاظ على مكانته الفريدة والمتميزة في إطار العلاقة مع الولايات المتحدة.
2- استعادة هيبة الجيش الإسرائيلي أمام الجمهور الإسرائيلي
لا تزال تبعات الحرب الوحشية الإسرائيلية وجرائم الإبادة في قطاع غزة، تترك آثارها السلبية على الجيش الإسرائيلي، وآخرها ظاهرة التهرب من الخدمة العسكرية، وتزايد حالات الانتحار في صفوف الجنود العائدين من الحرب، إضافة إلى تزايد أعداد الجنود المصابين بأمراض نفسية، ما جعل أزمة الجيش الإسرائيلي تتعمق في ظل رفض الحريديم الالتحاق بالخدمة العسكرية. كما أن الجمهور الإسرائيلي أصيب بصدمة جماعية غير مسبوقة، بسبب عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، التي بددت أحلام الصهاينة وحطمت أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، إذ ساد في الأوساط الإسرائيلية حالة عدم الثقة بالجيش وعدم الاعتقاد بأنه لا ينهزم.
ثمة استطلاعات مختلفة، أجرى واحدة منها "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، تُظهر مكانة متدنية للجيش الإسرائيلي، والنقد المتزايد في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، وكذلك الانتقادات الموجهة من قبل الجنود والمقاتلين، تضع فجوة بين كيفية رؤية كبار مسؤولي المؤسسة العسكرية لأداء الجيش؛ والدرجات التي يمنحها لنفسه، وبين الدرجات التي يحصل عليها من الجمهور. ولهذا يسعى قادة الجيش الإسرائيلي لاستعادة هيبته التي اهتزت أمام الجمهور الإسرائيلي. وبحسب ما نشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية، تنطلق رؤية الجيش من أن المواجهة العسكرية المقبلة حتميّة، ولذا ينبغي التركيز على الاستعدادات المطلوبة لها من ناحية الجيش وإنجازها، وفي مقدمتها امتلاك مزيد من القوة.
3- استخدام العدوان لخدمة أغراض سياسية وشخصية لنتنياهو
يتمحور السبب الثالث لمواصلة الحرب؛ حول المصلحة الشخصية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي يصر على شن العدوان ضد الشعب الفلسطيني ودول المنطقة. فالحرب تخدم أغراضاً متنوّعة لنتنياهو مثل تأجيل محاكمته المتعلقة بالتهم الموجهة له بشبهات جنائية، من أجل كسب الوقت والحصول على عفو رئاسي يحقق له النجاة من نتيجة حتمية تنهي حياته السياسية وتلقي به في السجن. فقد عاد الحديث رسمياً بشأن فساد نتنياهو وأغلب المحيطين به من موظفين ومستشارين إلى تصدّر عناوين وسائل الإعلام الإسرائيلية وكتابات محلليها، على أعتاب الاقتراب من الانتخابات الإسرائيلية العامة المقبلة. كما أن الحرب تخدم نتنياهو في عدم فتح ملف التحقيقات بشأن الإخفاق الأمني والعسكري في السابع من أكتوبر 2023 والتهرب من تحمل المسؤولية أمام المحكمة الإسرائيلية. فقد نشر نتنياهو وثيقة تشمل روايته الخاصة لأحداث 7 أكتوبر وما سبقها، في محاولة للتنصل من المسؤولية عنها. ووفقاً له، تتضمن الوثيقة إجاباته عن الأسئلة التي وجهها إليه مراقب الدولة متنياهو انجلمان في إطار التحقيق الذي يجريه، وبحسب صحيفة هآرتس 8/2/2026 فإن نتنياهو لجأ إلى الكذب من أجل الحفاظ على ائتلافه الحكومي ومنعه من الانهيار حتى يومه الأخير، وبناء سردية أمنية جديدة للانتخابات القادمة. وفي هذا السياق جاءت زيارته المستعجلة إلى واشنطن في محاولة لإقناعها بالخيار العسكري ضد إيران قبل أن تنتهي جلسات التحقيق معه بحلول عيد الفصح المقبل، ويقدر مكتب الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ أنه سيتسلم المواد النهائية في نهاية آذار2026. وعلى الرغم من كارثية الحرب المدمرة وأثرها على الحياة الإسرائيلية وانعكاساتها الخطيرة، إلا أنها تشكل ملاذاً لنتنياهو من الملفات القضائية التي تلاحقه وتهدد مستقبله السياسي، لأن تنفيذ الحكم بالنسبة له ليس أقل من الصواريخ التي ستهطل على تل أبيب.
وهكذا لا يستطيع قادة الاحتلال الإسرائيلي العيش من دون الحرب، لا سيما في ظل الأزمات المتفاقمة في الداخل الإسرائيلي، والنقاشات الحادة التي تدور في الحكومة الإسرائيلية حول الفشل الأمني والاستخباراتي في السابع من أكتوبر2023، ومحاولات نتنياهو تحميل المسؤولية للجيش الذي فقد ثقة الجمهور الإسرائيلي. فهو يقرع طبول الحرب للإفلات من القانون، ويلوذ بالعدوان للحصول على عفو ينجيه من العقوبة وتحمل المسؤولية.

