Menu

جيش اللصوص: تمثيلات السقوط الأخلاقي للقوات الصهيونية

د. محمد عبد القادر

نشر في مجلة الهدف العدد (80) (1554)

مدخل

إذا كان الكيان الصهيوني قد نشأ من رحم النهب والسلب والسرقة بمختلف أشكالها، فلا شك في أن أدواته العسكرية وأجهزته الأمنية قد شكلت تاريخيًا القوى التنفيذية لاستراتيجيات وسياسات وأوامر وخطط صهيونية وضعها قادة سياسيون وعسكريون ذوو بنية فاشية دموية، ولم يكن الجيش الصهيوني إلا حصيلة الاندماج الفوري للعصابات الصهيونية المسلحة المعروفة، وأبرزها الهاغاناه والإرغون وشتيرن، والتي قامت بجرائم التهجير القسري وأعمال التخريب والتفجير والمجازر والنهب والقتل والتدمير الشامل. ومن هنا كان الإرهاب بصوره كافة جوهر السلوك العسكري الصهيوني من بداياته وعبر مساره التاريخي حتى اللحظة، وبخاصة مجازر الإبادة التي ارتكبها وما يزال في غزة، وبوسائل متعددة في الضفة الفلسطينية وفي لبنان و سوريا وأماكن أخرى.

وإذا تركز هذه الدراسة على السلوك العسكري الصهيوني الوحشي في قطاع غزة وفي أعقاب طوفان الأقصى، فإن الرصد الدقيق لهذا السلوك الدموي كشف طبيعة التوجهات العسكرية – السياسية - الأمنية لقادة الفرق والكتائب وضباطها وجنودها، والتي يمكن إيجازها على النحو الآتي:

1- لا توجد قواعد اشتباك لقتالكم في غزة.

2- أطلقوا النار على كل ما يتحرك أمامكم حتى النبات.

3- دمروا كل شيء، وكل مبنى سكني على رؤوس ساكنيه.

4- لا حصانة لأي مؤسسة إنسانية أو دولية أو إقليمية.

5- لا حصانة لأي رمز ديني إسلامي أو مسيحي.

6- دمروا مؤسسات التعليم الفلسطينية، مدارس وجامعات سواء تلك التابعة للأونروا والحكومة أو المدارس الخاصة.

7- كل ما تجدوه في مساركم قابل للحمل والنقل هو ملك للدولة وحق مشروع لها سواء كان فوق الأرض أم في جوفها.

ومن هذا البند السابع، تنطلق الدراسة لتضيء بعض جوانب أعمال النهب والسرقة وجرائم السطو التي مارسها ضباط الجيش الصهيوني وجنوده، محصورة في مجالات ثلاثة:

الأول: نبش القبور وسرقة الجثث وسرقة الأعضاء البشرية من أجساد الشهداء والأسرى.

الثاني: سرقة الآثار الفلسطينية وتدمير المعالم التاريخية.

الثالث: نهب الأموال والمجوهرات وأشياء أخرى محمولة.

وسوف نتناول كل مجال من هذه المجالات على حدة توثيقًا لجرائم جيش اللصوص الذي عاش فسادًا في كل أرض فلسطين وليس في غزة وحدها، ولكن ما حدث في غزة يفوق الوصف.

 

أولًا: نبش القبور وسرقة الجثث وسرقة الأعضاء البشرية من أجساد الشهداء والأسرى

طبقا تقرير نشرته محطة (CNN) الأمريكية إن الجيش الإسرائيلي نبش (16) مقبرة في غزة وقام بتسوية القبور بالأرض قصدًا، وأضاف التقرير أن (100) جثة فلسطينية تم دفنها في قبر جماعي في رفح حتى ذلك الحين. وقبل العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025 كان العدو يحتجز (735) جثة فلسطينية بينها 67 جثة لأطفال، وفي 23/10/2025 أعادوا لغزة (195) جثة لكن (57) جثة فقط احتفظت بمعالم تم التعرف عليها، وجميع الجثث كانت مقطعة الأوصال في خرق فاضح لمعاهدة جنيف الرابعة( novaramedia 29,10,2025)، وهو ما وصفه الإعلام الغربي بأنه عنف ضد الجثث.

والحقيقة أن العدو الصهيوني قد دأب منذ عقود على سرقة أعضاء الأسرى والشهداء الفلسطينيين كالعيون والقرنيات والكلى والجلد. وفي هذا الصدد جاء في تقرير للقناة العاشرة الإسرائيلية أن "تل أبيب" لديها أكبر بنك للجلد البشري في العالم، بل إن هذا المخزون من جلد البشر أكبر مما لدى الصين والهند، وهو جلد فلسطيني بلا شك قطعوه من أجساد الشهداء والأسرى والموتى.

وقبل أيام قليلة سعى العدو لدى إدارة مؤسسة (جينيس) المتخصصة في تسجيل الأرقام القياسية ليبلغ المؤسسة أن ترصد في قوائمها أن "إسرائيل" تمتلك أكبر مخزون من الكلى البشرية. تندر إسرائيليان فيما بينهما عن مصدر هذه الكلى واتفقا أنها ليست سوى كلى فلسطينية، إذا لم يعرف الإسرائيليين مبادرتهم للتبرع بالكلى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العدو يمتلك ما يعرف بالبنك الحيوي الذي هو نوع من المخازن التي تحتفظ بعينات بشرية لاستخدامها في البحوث الحيوية والطبية والوراثية. وفي هذا السياق أشارت "الوطن نيوز" نقلًا عن القناة العاشرة الإسرائيلية أن مسؤولين صهاينة أقروا بسرقة أعضاء بشرية من جثامين الفلسطينيين لمداواة الجرحى من جنود الاحتلال، وأن بنك الجلد الإسرائيلي يحتوي على (170) مترًا مربعًا من الجلود البشرية لشهداء فلسطينيين. وقد أقر أطباء إسرائيليون بتورطهم المباشر في سرقة أعضاء الفلسطينيين وزرعها في أجساد مرضى إسرائيليين. والحقيقة أن الحديث عن سرقة الجيش والأطباء والعلماء لأعضاء من أجساد الفلسطينيين يحتاج إلى تقرير خاص أكثر اتساعًا وتنوعًا.

 

ثانيًا: سرقة الآثار الفلسطينية من قطاع غزة

مثلما ينبشون قبور الموتى ويسرقون أعضاءهم البشرية، بل ويسرقون الجثة كاملة، سطوا على آثار غزة ونهبوها بعد أن دمروا مئات من المواقع التاريخية الغزية.

قد لا يعرف الكثيرون أن غزة تحتضن الكثير من المعالم الحضارية والتاريخية التي قامت قوات الغزو الصهيوني بتدمير معالم بارزة من بينها؛ المسجد العمري الكبير، ومسجد السيد هاشم، وكنيسة القديس برفيريوس، والكنيسة البيزنطينية، والمدرسة الكمالية، وحمام السمرة، وقصر الباشا وغيرها الكثير.

لكن متحف قصر الباشا ينطوي على أهمية خاصة من حيث القيمة الأثرية، إذ بعد أن دمر جيش الغزاة الإرهابي 226 موقعًا تاريخيًا في غزة، سرق جنوده من متحف قصر الباشا 17000 قطعة أثرية. وقد وثقت اليونسكو تدمير 114 موقعًا تاريخيًا خلال الحرب على غزة.

أما قصر الباشا ذاته فهو مبنى عريق يعكس فن العمارة الإسلامية التاريخية، وهو ينتمي إلى العصر المملوكي وبني في غزة قبل ما يقرب من ثمانية قرون، حيث كان مقرًا للحكام ومركزًا للتجارة خلال الحقبة العثمانية، وتم تحويله إلى متحف في زمن السلطة الفلسطينية. لقد ظل القصر صامدًا طوال قرون، لكن جيش اللصوص دمره وسرق محتوياته الأثرية.

 

ثالثًا: نهب الأموال والمجوهرات وأشياء أخرى

قبل 23 عامًا نقلت منظمة "مفتاح Miftah" تصريحًا لرقيب صهيوني يدعىLiaran Ron Furer قال فيه: "لقد تصرفنا كالحيوانات والمجرمين واللصوص تجاه الفلسطينيين". أصاب هذا الرقيب لأن سلوكهم كان دمويًا وإجراميًا ولصوصيًا حيال الفلسطينيين منذ نشأ الكيان.

أما مؤسسة (يورو- ميد مونيتر) فقد نشرت تقريرًا في 31/12/2023 يقول ما معناه: "لقد أطلقت إسرائيل كلابها في غزة، من القتل، إلى ممارسات لا أخلاقية وسرقة ممتلكات شخصية وسطو على البيوت وأحيانًا حرقها ضمن استراتيجية منظمة".

المصدر: منظمة .(Euro-Med Monitor)

وجاء في التقارير الإعلامية العديدة التي تحدثت عن سلوك جيش اللصوص في غزة والضفة أنه في شهر واحد فقط سرق الجنود ما يقرب من 5 ملايين شيكل، واشتكى جندي من ثقل الأحمال قائلًا: "لقد كسرنا ظهورنا من ثقل الأجهزة التي سرقناها وحملناها، وكنا نعرف أن هذا ضد القانون الدولي".

ونقلت مؤسسة (M.E.Eye) في 5/3/2025 شهادة جندي صهيوني كان يعمل في غزة مفتشًا للجنود فقال: كنت أفتش حقائب الجنود، كل جنود الكتيبة كانوا يرتكبون السرقات من كل مكان وكانوا يخفون السرقات في أي زاوية ممكنة، والقيادة لا ترى مشكلة في عمل من هذا النوع.

وحسب تقدير (يورو ميد مونيتر) فقد نشر الجنود الإسرائيليون مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي توثق التخريب المتعمد للمنازل المدمرة للفلسطينيين في غزة والشعارات الصهيونية التي كتبوها على الجدران، وخرجوا بعدها إلى الإعلام يرفعون ما سرقوا من أساور وعقود ذهبية وفضية، وقال أحدهم إنه سيهديها لصديقته.

وفي الضفة الغربية قالت سيدة فلسطينية إن سرقات الجنود أصبحت عادية يومية روتينية، لا قوانين ولا عقوبات عسكرية على هؤلاء اللصوص.

وكتبت مريم البرغوثي على موقعها في الضفة الفلسطينية تقول: "هناك تزايد ملحوظ في قيام الجيش الإسرائيلي بالسرقة مثل سرقة الجواهر من المنازل، وفي آخر سنتين سرق الجنود ملايين الشواكل من الفلسطينيين ومحلات الصرافة. هذا ليس جيشًا، إنه مجموعات من اللصوص تستخدم القوة القاتلة لإنهاك الفلسطينيين اقتصاديًا.

ويستخدم الجنود اللصوص وسائل التواصل الاجتماعي لبيع المسروقات التي نهبوها من منازل الفلسطينيين في غزة ولبنان حسب ما أوردت صحيفة (هاماكوم هاكيم) وإذاعة التلفزيون (TRT) في 7/3/2025.

أما المواد المسروقة فتشتمل على كميات من النقود، ومجوهرات، وحواسيب وأجهزة إلكترونية، وأثاث، وملابس، وأدوات تجميل، وكوفيات، وسجاد، ومصليات.

وفي جيش اللصوص توجد وحدة تعرف بالوحدة 641 وتنشط في غزة والضفة ولبنان وسوريا، ومهمتها الإشراف والمتابعة لأنشطة السرقة والنهب والسلب التي يقوم بها الجنود وتعتبر ذلك جباية أو غنائم حرب، وتهتم أيضًا بسرقة الأثر والخرائط والمعدات وأجهزة الاتصال، ما يؤكد أن اللصوصية والنهب والسرقة مهمة رئيسية من مهمات الجيش الذي يصفه النتن بأنه الأكثر أخلاقية، وفي حقيقة الأمر أنه الأحط أخلاقيًا بين جيوش العالم. إن الكيان كله لا يعدو كونه سلسلة من الوحدات الإجرامية التي تتكامل فيما بينها لعلها تزيد قليلًا من عمر كيان آيل للسقوط، طال الزمن أم قصر.