لطالما كان وما زال الهدف الاستراتيجي للمشروع الصهيوني في فلسطين ، الاستيلاء على الأراضي والتطهير العرقي، وتغيير الديموغرافيا لاقامة ما يسمى وطنا قوميا يهوديا وتحويله إلى دولة يهودية استيطانية عبر الهجرة المكثفة، مع تكريس تفوق عسكري واقتصادي إقليمي ودعم استعماري غربي، فإن ما يجري في قطاع غزة من تثبيت خطوط ملونة ( خضراء – زرقاء - حمراء - صفراء ) لتقسيمه في اطار تحقيق نتائج حرب الابادة ، يأتي في سياق بقاء الاحتلال والسيطرة الكاملة برا وبحرا وجوا على غزة بهدف اخراجها من الصراع، وانهاء مرحلة المقاومة المسلحة وصولا الى تكريس واقع يتمثل بخطة الرئيس الامريكي دونالد ترامب ( ريفييرا غزة ) .
من السر إلى العلن
بداية من الضروري تنشيط الذاكرة قبل الخوض في سبرغورهذه الخطوط وما تتركه من اثارو نتائج كارثية ، من خلال تلخيص الأهداف الرئيسية للمشروع الصهيوني في النقاط التالية:
أولا / الاستيطان والتهجير: تجميع يهود العالم في فلسطين، وزيادة الهجرة اليهودية، وبناء المستوطنات (الاستعمار الاستيطاني) مع طرد الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم.
ثانيا / إقامة دولة يهودية: إنشاء كيان سياسي يهودي بحدود توسعية، يضمنه القانون الدولي، مع السعي لامتلاك أكبر مساحة أرض بأقل عدد من السكان العرب.
ثالثا / السيطرة الاقتصادية والبنية التحتية: تطوير بنية تحتية (طرق، موانئ، سكك حديدية) لخدمة الاقتصاد اليهودي، والسيطرة على الموارد المائية.
رابعا / التفوق العلمي والعسكري: تحقيق تفوق نوعي في العلوم، التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وتدجيج (إسرائيل) بأسلحة متطورة لضمان السيطرة الإقليمية.
خامسا / التطهير العرقي وإلغاء الوجود الفلسطيني: رفض الوجود العربي الفلسطيني والعمل على إزالته، وإعادة هيكلة الأرض لتكون ذات طابع يهودي خالص.
سادسا / الصهيونية التدعيمية: ربط يهود الشتات بالوطن القومي (إسرائيل) وتجنيدهم لخدمة أهداف الاستيطان.
سابعا / الدعم الغربي: ترسيخ دور (إسرائيل ) كحليف استراتيجي للغرب في المنطقة، يعمل كحاجز بشري يعيق تقدم المنطقة ويضمن تبعيتها.
هذا ما كتبه قادة الاحتلال ومفكروه بالسر سابقا ويصرحون اليوم علنا بأنهم يسعون لتفريغ فلسطين من أصحابها الشرعيين والاستيلاء عليها كاملة، وأنهم لا يؤمنون بالسلام مع الفلسطينيين، ولن ينفذوا أفكار مشروع حل الدولتين وكل ما يقومون به تحايل على الأمم المتحدة والشرعية الدولية ولكسب الوقت ولفرض الحقائق على الارض في نظرة عنصرية استعلائية رافضة للوجود الفلسطيني حيث تتجلى الحقيقة في أن جوهر فكرة الفصل العنصري في المفهوم والتطبيق الصهيوني هو حدوث التزامن بين (عملية الضخ إلى الخارج، والضخ إلى الداخل).
ولع صهيوني بالألوان
بات واضحا أن قادة الكيان الصهيوني على كافة المستويات مولعون بالألوان التي تستخدم لتسمية خطوط الهدنة التي تتحول إلى حدود قابلة للاختراق بدرجات متفاوتة .
أمثلة على ذلك الخط الأخضر بين هذا الكيان والضفة الغربية، والخط الأزرق بينه ولبنان، وانضم إليهما في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي خط جديد هو الخط الأصفر، والذي تم إنشاؤه مع اتفاق وقف إطلاق النار بين كيان العدو والمقاومة الفلسطينية الذي دخل حيز التنفيذ، ويقسم قطاع غزة طوليا: شرقا منطقة تخضع لسيطرة جيش الاحتلال وميليشياته المساندة، وغربا منطقة مخصصة للمدنيين الفلسطينيين وتخضع لما تبقى من إدارة وشرطة حركة حماس كقوة حاكمة .
هذا الخط لم يفترض أن يكون دائما، إذ كان من المقرر انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال الصهيوني من المنطقة الشرقية التي تغطي رسميا 54% من مساحة قطاع غزة ، وذلك خلال المرحلة الثانية التي أعلنت في 14 يناير/كانون الثاني الماضي من "خطة ترامب" ذات النقاط العشرين. وهنا نشير الى ما صرح رئيس الأركان الصهيوني إيال زمير في ديسمبر/كانون الأول الماضي بأن الخط الأصفر يمثل فعليا "حدا جديدا، وخط دفاع متقدما، وخطا هجوميا"ضد الفلسطينيين والى ما توقعه المراسل العسكري يوآف زيتون في مقال بصحيفة "يديعوت أحرونوت"، الصهيونية أن يتطور الخط الأصفر إلى "حاجز عال ومتطور يقلص مساحة غزة، ويوسع النقب الغربي، ويسمح ببناء مستوطنات إسرائيلية هناك"والى ما قاله جيريمي كونينديك، رئيس منظمة اللاجئين الدولية ومسؤول سابق في المساعدات الأمريكية "يبدو الأمر وكأنه ضم تدريجي فعلي لغزة".
آخر ما تفتقت عنه الذهنية الصهيونية حتى توقيت كتابة هذه العجالة رسم خط احتلال جديدا في قطاع غزة لونه برتقالي، غير مرئي وغير مرسوم فعليا على الأرض، ويعرف موقعه فقط من خلال القصف وإطلاق النار الذي يدفع السكان نحوغرب الخط الأصفر في أحياء شرق مدينة غزة،ويشكل حدا لمنطقة عازلة جديدة تقلص أكثر المساحة التي يمكن لسكان غزة العيش فيها بأمان هش، حيث أشارأحد تقاريرمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة بشكل عابر إلى وجود نحو 14 ألف أسرة فلسطينية بين الخطين بينما أجبرت مئات العائلات على النزوح تحت نيران الدبابات والطائرات المسيرة.ويعيش الناجون من الحرب مكتظين بين الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، بينما تتقلص مساحتهم باستمرار، محاصرين بين الدبابات الإسرائيلية والبحر الأبيض المتوسط وفق مصادر متعددة .
استنادا على ما سلف يبرز سؤال : ما جدوى وقف إطلاق النار إذا كان الفلسطينيون لا يزالون عاجزين عن العودة إلى منازلهم ؟ ما يقلقهم أكثر هو فكرة أن هذا الخط قد يبقى، وأن أي قرار لن يسمح لهم بالعودة أبدا. إذن بالنسبة لهم الحرب لم تنته.وما يدلل على ذلك ما قاله روهان تالبوت، مدير المناصرة والاتصالات في جمعية "المساعدة الطبية للفلسطينيين" إن "الأمر غامض للغاية.. نحن الآن في لحظة تتنافس فيها جهات فاعلة عديدة، بما في ذلك الحكومة الإسرائيلية، والأمريكيون، والمجتمع الدولي، والجهات الإنسانية الفاعلة، على تفسير ما سيأتي والتأثير عليه" ، مضيفا "من المبادئ التي يجب أن ندركها من تجاربنا القاسية على مدى عقود، أن أي شيء مؤقت في الأراضي الفلسطينية المحتلة سرعان ما يصبح دائمًا" .
بأي سلام يحدثونك يريدون اقتلاعك وموتك
المؤكد في هذه المرحلة وفي مستقبل الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني ، أن هذه الخطوط تعبيرعن مرحلة جديدة من الاحتلال الهادئ المموّه بالاتفاقات، تُدار فيها غزة من بعيد، وتُضبط حدودها بالنار والتحذير والخرائط الميدانية، في نموذج يبدو أقرب إلى إعادة إنتاج الاحتلال بصيغة أمنية دائمة. وأي مقاربة لما يجري على الارض في غزة تؤكد أننا أمام اقتلاع شامل وإعادة إنتاج المجتمع الفلسطيني كقوة عمل في اقتصاد خدماتي تابع، لا كفاعل سياسي يحمل سردية تحرر. بهذا المعنى، يصبح البقاء في المكان مشروطا بالتكيّف مع هندسة جديدة لا تعترف بالهوية الوطنية بوصفها مرجعية. فبأي سلام يحدثونك يريدون اقتلاعك وموتك ولنا في كارثة الهنود الحمر، دليل قاطع على أهدافهم القريبة والبعيدة في مؤامرة الإزالة والإحلال .

