بعد اجتياز بيروت، لم يشعر غابريل بالنصر كما تخيّله طويلاً. المدينة التي صمدت، والتي دُفعت أثمانها حجراً حجراً، لم تخرج من المعركة نظيفة من الداخل. كان يسير في شوارعها كمن يمشي فوق ذاكرة متعبة، يسمع الهتافات نفسها، لكن نبرتها تغيّرت. شيء ما انكسر بصمت، لا يُرى في البيانات ولا في الصور.
بدأت بوادر الخلاف تظهر أولاً في التفاصيل الصغيرة. تأخير الأوامر، تكرار الاجتماعات، اختلاف الروايات عن الحدث الواحد. كان غابريل يصغي أكثر مما يتكلم، كما اعتاد دائماً. يعرف أن الخلاف لا يولد فجأة، بل يتسلل مثل رطوبة في جدار قديم. في إحدى الليالي، سمع رفيقين يتجادلان حول الأولويات: السلاح أم السياسة، الداخل أم الخارج، الدم الذي دُفع أم الدم الذي سيُدفع. لم يكن النقاش جديداً، لكن حدّته كانت جديدة.
صار يشعر أن اللغة تغيّرت. الكلمات التي كانت جامعة صارت قاطعة. “نحن” لم تعد تعني الجميع. ظهرت اصطفافات خفية، وأسماء تُقال همساً، وشكوك تُزرع بلا دليل واضح. كان غابريل يتألم بصمت. لم يكن ساذجاً ليظن أن المقاومة بلا أخطاء، لكنه كان يخاف من اللحظة التي يتحوّل فيها الخلاف من اختلاف في الرأي إلى كسر في المعنى.
رأى السلبيات تتكشّف واحدة تلو الأخرى. تضخّم في الخطاب، وتراجع في الإصغاء. بعض القيادات بدت كأنها تفاوض أكثر مما تقاتل، وأخرى تقاتل في الكلام أكثر مما تفعل على الأرض. المقاتلون في القواعد كانوا يشعرون بذلك، حتى لو لم يملكوا الكلمات الدقيقة لوصفه. التعب لم يكن فقط من الحصار والقصف، بل من الشعور بأن البوصلة لم تعد ثابتة.
غابريل، الذي عرف المقاومة كفعل أخلاقي قبل أن تكون تنظيماً، كان يسأل نفسه أسئلة مؤلمة. هل يمكن لفكرة عادلة أن تتآكل من الداخل؟ هل الدم يكفي وحده ليحمي المعنى؟ كان يتذكّر النقاشات القديمة في الجامعة، عن الثورة حين تطول، وعن الخطر الذي يصيبها حين تبدأ بالدفاع عن نفسها أكثر مما تدافع عن الناس.
ثم جاء الخروج من بيروت. لم يكن انسحاباً عسكرياً فقط، بل لحظة فراق ثقيلة. السفن التي حملت المقاتلين بدت له كأنها تحمل أيضاً جزءاً من الحلم. وقف على الرصيف، نظر إلى البحر، وشعر أن المدينة تبتعد حتى وهي ثابتة في مكانها. لم يكن البكاء مسموحاً، لكن العيون خانت أصحابها.
في تلك اللحظة، فهم غابريل أن المقاومة تدخل مرحلة أخرى، أكثر تعقيداً وأقل براءة. مرحلة الأسئلة المفتوحة، والانشقاقات المحتملة، ومحاولات إعادة تعريف الذات. لم يفقد إيمانه بالقضية، لكنه فقد يقينه بأن الطريق واحد وواضح. أدرك أن الخطر الأكبر لا يأتي دائماً من العدو، بل من اللحظة التي يختلف فيها الرفاق على معنى ما يفعلونه.
ومع ذلك، لم يغادر. بقي، لأن الخروج الحقيقي بالنسبة له لم يكن من مدينة، بل من الفكرة. وكان يعرف، بمرارة هادئة، أن ما تبقى من المقاومة يحتاج إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة الاعتراف، قبل شجاعة السلاح.

