أعتقد أن تصريحات السفير الأمريكي لدى ما يسمى دولة الكيان الصهيوني مايك هاكابي، والتي تعُتبر بالمحرّضة والسّاعية لقلب الحقائق والتلاعب بالنصوص الدينية، والاعتماد على الخرافات والأراجيف والأسمار، ما هي إلا استثمار حالة من الضعف والهوان العربي عمومًا ومن ولي الدم الفلسطينيين خصوصاً، الذين احترفوا الخلافات والاختلافات حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
إذ يخرج السفير المتصهين، ليعلن للعالم، حق الكيان الصهيوني السيطرة على الشرق الأوسط، في حالة ربما استباقية للأهداف والمرامي التي تسعى الولايات المتحدة تحقيقها من الحرب على إيران، وكأن هاكابي يبشر الصهاينة أن بعد انهيار نظام الحكم في إيران، الاستعداد لابتلاع المنطقة، وذلك من خلال القوة العسكرية الامريكية التي ستتموضع في المنطقة، وبالتالي فإن الأهداف التي كانت في الظل وتتداولها العقول الصهيونية الإحلالية، أصبحت في العلن وحان وقتها وزمانها .
إن ما صرّح به هاكابي لم يكن مفاجئًا، لأن الكيان الصهيوني منذ نشأته وقيامه على أرض فلسطين لم يخف الأهداف بالسيطرة الكاملة على الشرق العربي، وتشييد مشروعه الذي يمتد من الفرات إلى النيل، طبعاً هنا لا يمكن أن يتصور المرء أن الكيان وما يعانيه من نقص بشري يصارع الديمغرافية الفلسطينية الزاحفة، القدرة على احتلال أراضي شاسعة وواسعة احتلالًا مباشرًا، وبالتالي فإن مفهوم الاحتلال والسيطرة تعدى مفاهيماً أخرى ويكفي السيطرة على القرار والسيادة وتنفيذ كل الأهداف وتبديد المخاوف والهواجس بتفعيل ما يسمى المراقبة الدائمة عبر الأرض والفضاء.
كشف هاكابي النقاب عن العقلية الصهيو- أمريكية والتحالف الإنجيلي الذي يرى في الأرض غنيمة وفي الشعوب مجرد تفاصيل وسقط متاع قابلة للتصرف، والمشروع المزمع قيامه هو مجرد تحقيق لأقوال المؤسسين لهذا الكيان من تيودور هرتزل إلى بن غوريون ونتنياهو الحالم بقيام «إسرائيل» الكبرى على جماجم الفلسطينيين والعرب، وأن المشروع قابل للتنفيذ وسيمر بسهولة وسلاسة.
تصريحات خطيرة بما تحمله الكلمة من معنى، وتؤسس لرؤية جديدة في ظل غياب المؤسسات الدولية لجهة الحساب والمساءلة عن جرائم الاحتلال من إبادة جماعية بحق أهلنا في غزة وسُعار المستوطنين في الضفة الغربية، وفي بيئة فاسدة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية عبر المزاج والمحاباة وضرب الكؤوس الممتلئة بالخمر وعلى وقع الموسيقى الصاخبة، أومن خلال باب الطائرة ترسم الخطط والمؤامرات.
تأتي خطورة التصريحات ليس من إعلانها في هذا الظرف العصيب، بل من صمت أمريكي، وغياب المساءلة، وكأن واشنطن ترسم سياسة صهيونية بامتياز لجس نبض الشارع العربي العاجز تمامًا، والحقيقة التي لا يمكن إخفاءها أن الولايات المتحدة شريكة بالأهداف ورسم المخططات والمؤامرات وبالتالي فإن على الدول العربية على الأقل تغيير لهجتها الخطابية وتسمية الأمور بمسمياتها، وواشنطن لم تكون ولن تكون وسيطًا نزيهاً ولا يمكن التعويل عليها باسترداد الحقوق العربية المشروعة.
إن المنظور الاستراتيجي الصهيو- أمريكي، يهدف إلى ابتلاع متدرج للمنطقة العربية، ولكن ما كان يستبطئ هذا المشروع هو النظام الإيراني الذي له مشروع ايضاً ويتقاطع مع المشروع الصهيو-أمريكي للأسف، أما ما شجع هاكابي هو المتغير بإعلان الحرب على إيران، وعدم القبول بالمبررات الإيرانية مها كانت فالحل أصبح في متناول وزارة الحرب الأمريكية والطائرات الإسرائيلية المتأهبة أصلاً.
فالتاريخ دائماً يعيد نفسه، في المرة الأولى مأساة والأخرى ملهاة (مهزلة)، وبالتالي فإن التاريخ يعلمنا أن السياسة لا تدار بالبيانات أو العاطفة والخطابات العقائدية العنترية، بل بالمصالح والاستراتيجيات، وأن التحالفات غالبًا ما تعاد حساباتها عند لحظة الكلفة الحقيقية، وأقصد أن إيران وما صرفته وخسرته في دعم وكلائها في الدول العربية، خالف التنسيق والتحالف العضوي تحت الطاولة، وتجلّى ذلك تخلي طهران عن وكلائها وقت الشدة والمحنة.
الكيان الصهيوني منذ تأسيسه، اعتمد استراتيجية تقوم على النفاذ إلى مناطق الهشاشة السياسية، واستثمار الفراغات في الجوار، التي تتركها الدول الضعيفة أو المنقسمة. هو لا يصنع الشقوق، لكنه بارع في توسيعها والنفاذ منها في الوقت المناسب لها، سواء كانت شقوقاً طائفية أو إثنية أو مناطقية أو ناتجة عن انهيار فكرة الدولة نفسها. هذه السياسة ليست سراً، بل نمط متكرر في سلوكه في الشرق الأوسط وأفريقيا.
لذلك تستعد «إسرائيل» عبر ضرب قيادات حزب الله في لبنان، ورفع حالة الاستعداد والتيقظ الداخلي، بما يوحي بأن الضربة القادمة ليست مجرد خطة أمريكية فحسب، بل مشروع مشترك لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، هذا التحرك يتزامن مع انسحاب الولايات المتحدة من قواعد لها في المنطقة، وتحشيد جوي وبحري غير مسبوق عبر نشر أربع منظومات «ثاد» في المنطقة، وتحصين الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني في دلالة لا تخطئها العين.
الملك الأردني الراحل حسين بن طلال في حديث له مع الرئيس الأمريكي الأسبق، ليندون جونسون 1967، قال له:" إن القانون الدولي لا يجيز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة"، ليرد عليه جونسون، "لم يكن ممكناً أن تأخذ «إسرائيل» الضفة الغربية بغير القوة"! ينسحب هذا على هاكابي بقوله " إن إسرائيل إذا وصلت في حرب جديدة، إلى النيل، وضمت الأردن وسورية والعراق وبعض السعودية، فليكن، ولا مانع من هذا"!، وبالتالي فإن ما بوسع وبحسبان القس السابق هاكابي، دلالة الصوت الصريح لدولة الكيان التي لم تعقب باي توضيح بشأن السفاهات والإجابات على أسئلة زميله السابق في "فوكس نيوز" الصحافي تاكر كارلسون، كما أننا لم نصادف نأيا من الخارجية الامريكية وهو يتطاول باستخفاف معلن على دول عربية حليفة للولايات المتحدة؟
انتقادات وتعليقاتٌ غير قليلة التفتت إلى يهوديّة السفير هاكابي، المعمّدة بإنجيليّة صهيونية، يعبّر عنها تيارٌ واسعٌ في الولايات المتحدة، يردّ وجوب دعم «إسرائيل» في كل شيء إلى ارتباطٍ روحاني، فإن لنا أن نتذكّر أن الرئيس بيل كلينتون كان الوحيد غير اليهودي في الفريق الأميركي في أثناء مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ، والمجرم إيهود باراك. ولأن المسألة ليست في يهوديّة هذا أو ذاك، ولأن شجعاناً من أصحاب هذه الديانة تستحقّ مواقفهم الأخلاقية كل تثمين، فإن هذه السطور إنما تكترثُ بتلك اليهوديّة المغالية في الصهينة، والتي "تستثمر" في نُتفٍ توراتية تؤولها كما تشاء، ومن أساطينها هاكابي الذي ينطق باسم كتلٍ صلبةٍ تقيم في الإدارة الأميركية الراهنة، في البيت الأبيض والخارجية والاستخبارات. أما الكونغرس الذي يقف أعضاؤه مصفّقين في أثناء كلمةٍ يلقيها فيهم نتنياهو، وقد كانت أرطالُ التدليس فيها باهظة، فيتحدّث عن نفسه. وهذا السيناتور ليندسي غراهام، مثلاً، لم يتلعثم عندما نصح بتزويد «إسرائيل» بسلاح نووي للإجهاز على غزّة ومن فيها.
إن تلك الصهيونية الإنجيلية، وذلك الكلام عن الشعب اليهودي الذي اختار له الرب "هذه الأرض"، على ما استرسل هاكابي، يأخُذانا إلى أن أعلام الحركة الصهيونية ومؤسّسي دولة الاحتلال الصهيوني لم يكونوا متديّنين، بل يُحسب تيودور هرتزل مُلحداً. أمّا المؤسس الأول لدولة الكيان ديفيد بن غوريون الذي أعلن عدم تديّنه، وقال:" إن بناة «إسرائيل» الأوائل لم يكونوا مؤمنين". فهو الذي عزّز عدم فصل الدين عن الدولة في الكيان الذي أعلن قيامه، ولكن «إسرائيل» التي مشى مشروعُها ووصل إلى ما نرى غيرها التي كانت في تلك الأيام. كما أننا في لحظةٍ، يتهاوى فيها المشرق العربي إلى ما يُشبه الكُساح أمام التوحش الإسرائيلي الذي لا تتعيّن له سقوف، ونرى في الغضون ترامب يختار مايك هاكابي سفيراً، وهو الذي يعرف هواه وفضاءه، بل تعمّد أن يكون شخصٌ بهذه الرثاثة في هذا الموقع، الثقيل القيمة من بين مواقع ممثلي الدولة العظمى في العالم. لا يرى هذا السفير المتحرّر من أي أعراف دبلوماسية وجوداً لفلسطين وشعبها، ويتحمّس لضمّ الضفة الغربية، نتذكر مثلاً دعوتُه الرئيس الفرنسي ماكرون بأن يقيم الدولة الفلسطينية التي اعترف بها في الريفيرا الفرنسية. وهو لا يجد أي حرج في الحديث عن حياة أطفال غزّة باستهتارٍ مريع ومقزز، ويقيم في حواشيه ازدراءٌ ظاهرٌ للعرب الذين في وسع حكوماتهم أن تطالب باعتذار أميركي رسمي عما يتفوّه به، وكل الشكر إلى الخارجية السعودية أنها طلبت من نظيرتها الأميركية توضيحاً بشأن ما تجرّأ به بوقاحةٍ لم يشهر أي سياسي أميركي مثلها سابقاً... ولكن، هل يُنتظر أن يزاول العرب نشاطاً آخر غير بيانات التنديد والشجب والاستنكار التي قرأنا، أم أن ليندون جونسون اختصرها، منذ ستة عقود، الحال والمآل والاستقبال؟
تصريحات السفير الأمريكي هاكابي الإنجيلي البيرويتاني «التطهيري»، لا يمكن أن تكون تصريحات فردية أو مجرد أفكار يطرحها فحسب، بل هي استراتيجية ظهرت معالمها وملامحها؟

