الحالة التي تمر بها بلادنا، هذه الأيام، من ضعف وتراجع، وتمزق لا تسر الخاطر ولا تُفرّج الهم. وما تحمله وكالات الأنباء ونشرات الأخبار كل يوم عن واقعنا وعن بلادنا، من طرفها إلى طرفها الآخر، ربما يُصيبنا بالإحباط واليأس، دون أن نستغرب أو أن نستهجن. العدو الصهيوني يتمادى في عدوانه على بعض بلادنا، ينشر الخراب والقتل والتدمير؛ بينما في المقابل يعقد معاهدات أمنية واتفاقيات سلام مع بعض بلادنا الأخرى، إن صحت التسميات وصح الكلام. أقل ما يُقال في هذا المقام، أن المسؤولين في هذه البلاد باتوا لا يُبالون بمقولة العربي للعربي كالبنيان المرصوص. بل صارت لدينا صيحات جديدة تحت مسمى الإبراهيمية، ودعوات إلى توحيد الثقافة والدين تحت ذات المسمى. وصار هنالك باحثون في التراث الإبراهيمي، يتحدثون عن إصلاح ذات البين مع أبناء عمومة وهميين. ويعيدون صياغة بعض الأمثلة فتصبح أنا وابن عمي على أخي. بينما ثالثة الأثافي، تبرير التنسيق الأمني بين السلطة الوهمية وسلطة الاحتلال، والإصرار عليه، وما يتبعه من ملاحقة المناضلين، حيث يُصبح كل من يطالب بحقوقه ويُدافع عن أرضه متهماً بالإرهاب. وفي هذه الأثناء، تسرح وتمرح آلات القتل والدمار الصهيونية في بلادنا دون رادع. تصادر الأراضي في بيت المقدس، وتنتهك الحرمات في المسجد الأقصى، وفي الحرم الإبراهيمي في الخليل. وتقتل الأطفال والنساء والمرضى على الحواجز في مدن فلسطين المحتلة. وتقصف المدن السورية على الساحل وفي العمق، من أجل تحطيم المعنويات. وتضرب كل ما تريد دون تردد، المنشآت العسكرية والمدنية ومواقع للجيش والمقاومة والحلفاء. وتغتال المناضلين في بيوتهم أو في مواقع نشاطهم. ما هذا؟ ماذا يحصل لنا؟ ببساطة هذه حرب استنزاف صهيونية مستمرة منذ مدة طويلة. حرب استنزاف من طرف واحد. طرف عنصري، فاشي، يمكن وصفه بشتى النعوت التي تليق بوحشيته. لكن ماذا عن الطرف المقابل الذي يتلقى الضربات؟ الضربة تلو الضربة. الطرف المقاوم؟ لماذا لا نرد على كل ضربة بضربة مثلها؟ هكذا هي قوانين الطبيعة والفيزياء كما شرحها لنا نيوتن. لكل فعل ردة فعل، متساوية في القوة ومتعاكسة في الاتجاه. وكلما أبطأنا بردة الفعل، تراكم العبء علينا ونتجت عنه تغيرات جوهرية بالواقع، وفترت الهمم. بالإضافة إلى أن عدونا يتسلل إلينا من كل شق، دون أن يوفر أي جهد، سواء أكان عسكرياً أو إعلامياً أو دعائياً. لذلك، فإن هذا الصمت العميق طالت مدته. لا شك أن هنالك طرقاً ووسائل متعددة يمكن سلوكها دائماً واعتمادها من أجل مقاومة العدوان، ومقارعة العدو، وتنظيم الأوضاع الداخلية، وتطوير أدوات المواجهة، وتحقيق التوازن مع العدو. وفي هذا المجال يمكن ذكر الشواهد الكثيرة من التاريخ العربي القريب، دون اللجوء إلى ذكر أمثلة من كوبا، أو كوريا، أو فيتنام، أو جنوب أفريقيا، أو غير ذلك من الدول والشعوب التي قاومت العدوان وانتصرت عليه.
لعل وقع الهزيمة في العام 1967، أو ما يسمى بالنكسة، كان له بالغ الأثر على معنويات الشعوب العربية كما كان أثر النكبة عام 1948. إلا أن الشعوب لم تستسلم. فانطلقت الثورة الفلسطينية مستندة إلى حرب العصابات التي أربكت العدو الصهيوني واستنزفت طاقاته، رغم بساطة تسليح الفدائيين، وكانت معركة الكرامة عام 1968 نموذجاً لقدرة العمل الفدائي في مواجهة العدوان الصهيوني. وهنالك تجارب ملهمة أخرى في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، مثل جيفارا غزة (استشهد في عام 1973) الذي قال عنه قادة العدو أنه يحكم غزة في الليل وجيش الاحتلال يحكمها في النهار. استمر العمل الفدائي في تصاعده حتى اليوم، حيث يقوم الشباب الفلسطينيون بعمليات الطعن والدهس التي تجعل المستوطنين في حالة ذعر مستمر، بالرغم من الهجمات المضادة، والمؤامرات، والأخطاء القاتلة، التي كان آخرها اتفاق أوسلو سيئ الصيت والنتائج. أيضاً، شهدت أعوام الستينات الأخيرة في أعقاب النكسة، هجمات مصرية قوية ضد أهداف عسكرية صهيونية تكبد فيها العدو خسائر كبيرة، وقف خلفها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وفريق من كبار الضباط والقادة العسكريين في الجيش المصري، على رأسهم الفريق أول محمد فوزي. وقد قامت قوات الصاعقة المصرية بدور العمل الفدائي في هذه المعارك، التي أطلق عليها تسمية حرب الاستنزاف لما لها من دلالات عملانية واستراتيجية. استمرت هذه الحرب نحو 3 سنوات (1968 – 1970)، إلى أن تدخلت الولايات المتحدة ووافقت مصر على مبادرة روجرز. بالرغم من مرارة الهزيمة والخسائر الفادحة التي مُني بها الجيش المصري، إلا أن هذه الحرب كان لها أهداف استراتيجية هامة جداً، من أهمها كسب الوقت من أجل إعادة تنظيم القوات وبناء القدرات العسكرية، ورفع معنويات الجيش، وتعويض الخسائر الجسيمة في العتاد. وفي هذه الأثناء تم بناء جدار الصواريخ، بمساعدة الاتحاد السوفياتي آنذاك، لحماية الأجواء المصرية أمام التفوق الجوي الصهيوني. اعتمدت حرب الاستنزاف على مواجهات ومعارك خلف خطوط العدو تستهدف ضرب منشآته ومواقعه في أماكن مختلفة وغير متوقعة، وذلك بهدف إرباكه وإضعافه. وعلى هذا الأساس، قامت القوات المصرية بعدد كبير من العمليات النوعية الناجحة التي أربكت العدو، وأصابته بالعمق، مثل عملية تفجير وتدمير ميناء إيلات (أم الرشراش) بالكامل، وإغراق المدمرة إيلات شمال شرق بورسعيد، وتدمير حفار البترول الإسرائيلي في المحيط الأطلسي، وكان ذلك تطبيقاً عملياً لشعار القائد الراحل وديع حداد وراء العدو في كل مكان. بالمقابل قام العدو أيضاً باستخدام سلاح الجو بقصف أهداف عسكرية ومدنية في العمق المصري من أجل الضغط على القيادة المصرية بهدف وقف هذه الحرب. لقد بيّنت هذه الحرب قدرة الجندي المصري على المواجهة حينما تتوفر له القيادة الوطنية الكفوءة، كما أظهرت زيف أسطورة جيش العدو الذي لا يُهزم. لقد استعادت مصر خلال فترة الاستنزاف قدراتها العسكرية، وحققت حالة من توازن القوى أدى في النهاية إلى نجاح الجيش المصري بعبور قناة السويس وتحقيق نصر إستراتيجي في حرب أكتوبر، غير أن التسويات السياسية الرخيصة ذهبت برياح الانتصار في أدراج الرياح.
وهكذا، فان حرب الاستنزاف، وفقاً للقواميس الرقمية تعني حَرْباً تَهْدِفُ إلى القَضاءِ على قُدُراتِ العَدُوِّ وَإِمْكانَاتِهِ بِالتَّدْرِيجِ إلى أن يَتِمَّ اسْتِنْفادُها. وضمن هذا المفهوم اندرجت الحرب الفدائية، الذي انطلقت على أساسه الثورة الفلسطينية، وأيضاً النهج الذي سارت عليه المقاومة اللبنانية الوطنية والإسلامية ونتج عنها تحرير جنوب لبنان ودحر العدو الصهيوني في عام 2000. وينبغي القول إن مفعول العمليات الفدائية كان قوياً، وما زالت ذكراها ماثلة في الأذهان حتى يومنا هذا. لقد كانت العمليات خلف خطوط العدو والكمائن المتنوعة تؤدي ضربات موجعة للعدو في أماكن لا يتوقعها، وتكبده خسائر كبيرة في صفوفه، بشرية ومادية، وتستنزف قدراته وطاقته، وتصيبه بحالة هستيريا دائمة. ربما لا يمكن أن تستقيم الأمور إلا بإعادة إحياء هذا النهج، داخل الأراضي المحتلة، والذي تمت تجربته بنجاح وقد أتى أُكله، وأثبت فعاليته.
من المفيد هنا التكرار بأن الكيان الصهيوني هو كيان استيطاني، إحلالي، وتوسعي، ومفهومه للسلام يتناقض مع تطلعات الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. هذا الكيان لا يُريد السلام مع محيطه، بل يُريد الاستسلام. يُريد الأرض والمياه والاقتصاد. لقد ساهمت الظروف السياسية والتاريخية بأن يكون هذا العدو متفوقاً بالسلاح والتكنلوجيا، لكن حتى الآن لم يُكتب له الاستقرار، ولن يستقر. لذلك لا بد أن يدفع الثمن الغالي الذي لا يتناسب مع إمكانية بقائه في المنطقة. وهذه المعادلة لا يمكن أن تتحقق من خلال فرضيات إحلال التوازن الإستراتيجي، أو أي نوع من أنواع التوازن. تحقيق التوازن يعني الإبقاء على وجوده، والتعايش معه كما يحصل بين الدول الطبيعية المتجاورة. وقد ورد في القواميس، أمام معنى توازن القوى، أي تساوي القوى بين الدول بحيث لا تقدر دولة واحدة على السَّيطرة أو التَّدخُّل في شؤون غيرها. بينما الصراع الأساس منذ البداية كان صراع وجود وليس صراع على حدود أو بعض الموارد. وكان الهدف الإستراتيجي رد الحقوق إلى أصحابها. لذلك فإن الحرب المناسبة، هي حرب الاستنزاف التي تقضي على مقدرات العدو، وتستنزف طاقته، وتجعله يدفع الثمن الفادح في حال استمراره احتلال هذه البقعة من الأرض. وليس الاعتراف به والتعايش معه ومع جرائمه. وهكذا، نجد أن هنالك تبايناً واضحاً في مفهومي الاستنزاف والتوازن، وأيضاً في الأهداف والطرق التي تؤدي إلى كل حالة. لقد ساهمت الدعاية الصهيونية والتفوق التكنلوجي والضعف العربي بجذب المستوطنين اليهود من بُلدانهم الأصلية ليستوطنوا في الأراضي المحتلة والتمادي في العدوان. وحرب الاستنزاف، أو الحرب الفدائية، هي الكفيلة بدفعهم إلى العودة من حيث أتوا. لا ينبغي أن يشعروا بالاستقرار، ولا ينبغي أن يشعروا بأن هنالك شيئاً قادراً على حمايتهم.

