Menu

بين الفتوى والأمر العسكري: "جيش الرب" يبتلع هيئة الأركان

نبال عمر

نشر في مجلة الهدف العدد(80)(1554)

لم يعد المشهد داخل أروقة "الكرياه" في تل أبيب كما كان قبل سنوات؛ فخلف الجدران التي لطالما حلمت بصناعة "الجيش الذي لا يقهر"، يدور اليوم صراع صامت ومرير على "هوية البندقية". في عام 2026، لم تعد الأزمة داخل جيش الاحتلال تتعلق بنقص الذخيرة أو فشل الاستخبارات أمام الخصوم الخارجيين، بل في نشوء "سلطة موازية" بدأت تأكل هرم القيادة العسكرية من الداخل. نحن أمام تحول بنيوي صارخ، حيث بدأت "الفتوى الدينية" تحل محل "الأمر العسكري"، ليتشكل تدريجياً ما يمكن تسميته بـ "جيش الرب"؛ وهو كيان أيديولوجي ينمو في أحشاء المؤسسة الرسمية، ويدين بالولاء للحاخام قبل الجنرال.

تبدأ القصة من مدارس الإعداد العسكري، المعروفة عبرياً بـ "الميخينا"؛ هذه المؤسسات التي كانت يوماً مجرد روافد لتزويد الجيش بضباط ذوي دافعية عالية، تحولت إلى "مصانع للأيديولوجيا" المتطرفة. هنا، لا يتعلم المستوطن الشاب كيف يطلق النار فحسب، بل يتشبع بمفهوم "دعت توراه" أو سلطة التوراة المطلقة.

هذا المفهوم يزرع في وعي الضابط الناشئ أن الدولة هي مجرد "أداة تقنية" لتحقيق وعد إلهي، وأن أوامر هيئة الأركان العامة "المتكال" ملزمة فقط ما لم تتعارض مع رؤية الحاخام لـ "أرض إسرائيل الكاملة". هذا الشحن المعرفي خلق جيلاً من القادة الميدانيين الذين يقفون في منطقة رمادية قاتلة؛ فهم يرتدون الزي العسكري الرسمي، لكن قلوبهم معلقة بـ "فتاوى" الحاخامات الذين يسكنون البؤر الاستيطانية فوق تلال الضفة الغربية.

هذا الانقسام في الولاء يترجم عملياً فيما يعرف بـ "سيروف بيكودا" ، أو "رفض الأوامر العسكرية". في السابق، كان رفض الأمر العسكري حالة فردية نادرة ترتبط بوازع ضمير، أما اليوم فقد أصبح "خياراً مؤسسياً" مدعوماً بفتوى دينية. فعندما تصدر هيئة الأركان أمراً بإخلاء بؤرة استيطانية أو تقييد حركة المستوطنين، يجد القائد العسكري نفسه في مواجهة "تمرد صامت" من جنوده وضباطه الصغار. هؤلاء لا يعلنون العصيان الصريح دائماً، بل يمارسون "التعطيل البيروقراطي" أو التنفيذ الناقص للأوامر، استناداً إلى قناعة بأن "أمر الرب" في الاستيطان يعلو على "قرار الجنرال" في تل أبيب. وبذلك، تحول الجيش إلى "كانتونات" ولاءات، حيث تخشى القيادة العليا إصدار أوامر معينة خوفاً من اكتشاف حقيقة أنها لم تعد تسيطر فعلياً على "الزناد" في الميدان.

وفي عمق هذا التفكك، تبرز المؤسسة الدينية الرسمية داخل الجيش، "الرابانوت" ، التي لم تعد تكتفي بتقديم الخدمات الطقسية، بل تمددت لتصبح "جهازاً رقابياً" على العقيدة القتالية. لقد نجحت هذه المؤسسة في شرعنة مفهوم "ميلخيمت ميتسفاه" ، أو "حرب الفريضة". هذا المصطلح ليس مجرد تسمية دينية، بل هو "رخصة قتل" تسقط كافة المعايير القانونية الدولية والمحلية؛ فالجندي الذي يقتحم قرية فلسطينية أو ينفذ عملية اغتيال، لم يعد يبحث عن غطاء قانوني من النيابة العسكرية، بل يكفيه نيل "البركة" من الحاخام المرافق للوحدة. هذا التحول نحو " القدس ية الزائفة" جعل من الصعب بمكان إخضاع هؤلاء الجنود للمساءلة؛ فكيف يمكن لضابط قانوني علماني في تل أبيب أن يحاكم جندياً يعتقد يقيناً أنه ينفذ "مشيئة إلهية"؟

إن هذا الصدام الحتمي بين "الكيباه" (القبعة الدينية) وبين "رتبة الجنرال" العلماني، يعكس انهيار "العقد الاجتماعي" الذي قام عليه الكيان. فالجيش الذي كان يسمى "جيش الشعب" والذى كان يهدف لصهر التناقضات، أصبح اليوم هو الساحة الرئيسية لتلك التناقضات. في كل مرة يتحدث فيها نتنياهو عن "النصر المطلق" أو المواجهات الكبرى، يغفل حقيقة أن الأداة التي يعتمد عليها تعاني من "انفصام في الشخصية"؛ فهناك جيش يريد الحفاظ على هيكلية الدولة الحديثة، وجيش آخر يريد جعل الحرب لا تعترف بحدود أو قوانين.

في المحصلة، يواجه الاحتلال في عام 2026 حقيقة موضوعية قاسية: إن "جيش الرب" الذي ترعرع في كنف اليمين المتطرف قد بدأ يبتلع الدولة التي صنعته. التفكك الحالي ليس مجرد "خلاف في وجهات النظر"، بل هو انشطار في "وحدة القيادة"؛ وهي العلة القاتلة لأي جيش نظامي. وحين تصبح الفتوى هي البوصلة، والبندقية هي الأداة لتحقيق نبوءات دينية غيبية، تنتهي شرعية المؤسسة العسكرية كقوة منظمة، وتتحول إلى مجموعة من الميليشيات الطائفية التي تلبس لباساً موحداً، لكنها تسير نحو نهايتها المحتومة بصراع الهويات الذي لا يمكن لأي سلاح تكنولوجي أن يحسمه.

ومع وصول هذا الانقسام إلى ذروته، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً فوق طاولات هيئة الأركان: هل يدرك جنرالات الاحتلال أنهم باتوا يقودون جيشاً بزيٍّ موحد ولكن بعقيدتين متناحرتين، أم أنهم سينتظرون لحظة الصدام الميداني ليكتشفوا أن "الزناد" لم يعد يأتمر بأمر الدولة؟

 

شرح المصطلحات العبرية الواردة في المقال

الميخينا: هي الأكاديميات التمهيدية التي يلتحق بها المستوطنون قبل الخدمة العسكرية؛ وتحولت النسخ "الدينية" منها إلى دفيئات لتخريج ضباط يدينون بالولاء للأيديولوجيا الاستيطانية قبل المؤسسة العسكرية.

دعت توراه: مفهوم ديني يمنح "الحاخام" سلطة مطلقة في تفسير الشؤون السياسية والعسكرية، ويجعل من رأيه مرجعية عليا تتجاوز قوانين الدولة وأوامر القيادة.

المتكال: هيئة الأركان العامة لجيش الاحتلال؛ وهي تمثل قمة الهرم القيادي العسكري والمسؤولة عن وضع الخطط الاستراتيجية وإصدار الأوامر العليا.

سيروف بيكودا : مصطلح "رفض الأوامر العسكرية"؛ وهو ظاهرة تعكس تمرداً داخل الوحدات، وغالباً ما يستند فيها الجنود إلى فتاوى دينية تمنعهم من تنفيذ قرارات هيئة الأركان.

الرابانوت الحاخامية العسكرية: وهي المؤسسة المسؤولة عن الشؤون الدينية داخل الجيش، والتي تغلغلت في السنوات الأخيرة لتصبح شريكاً في صياغة العقيدة القتالية وتبرير الجرائم الميدانية.

ميلخيمت ميتسفاه "حرب الفريضة"؛ وهي الحرب التي تُصنف وفق الفقه اليهودي كـ "واجب ديني" لا قيود فيه، وتُستخدم لتجريد العمليات العسكرية من الضوابط القانونية والأخلاقية.