Menu

إسرائيل وعقدة الوجود

حسين موسى

نشر في مجلة الهدف العدد (80)(1554)

بعد أكثر من سنتين على الحروب التي خاضتها إسرائيل على مختلف الجبهات، والتي تحاول من خلالها تشكيل الشرق الأوسط الجديد ، نستطيع القول أنها نجحت جزئياً من الزاوية العسكرية والأمنية لكنها فشلت فشلاً ذريعاً بالسياسة، فلم تستطع الحصول على إنجاز سياسي واحد ، لذلك تبدو إسرائيل أقرب إلى إدارة الأزمات دون الوصول إلى الحسم. لقد راكمت إنجازات أمنية وعسكرية كبيرة، نفّذت اغتيالات كبرى في لبنان وفلسطين وإيران ، ودمرت بنى تحتية هائلة في فلسطين، وقتلت وجرحت مئات الآلاف ، وضربت ساحات بعيدة في إيران و اليمن وسورية، ونجحت في ترميم جزء من صورة الردع التي تحطمت فجر السابع من أكتوبر . لكن كل ذلك جرى من دون أن يُترجم إلى أي أفق سياسي، أو أي إنجاز سياسي ،ومن دون أن يتحول إلى نهاية واضحة لأي حرب على أية جبهة ،

لقد استخدمت إسرائيل فائض القوة لديها لكنها عجزت عن توظيفها سياسيًا. فالحروب لا تقاس بكمية الدمار والقتل والأهداف التي استهدفت ، بل بقدرتها على إنتاج واقع جديد أكثر أمناً. هذا الواقع غائب تمامًا. ف غزة لم تُغلق وإن نجحت خطة ترامب فيها بدون أفق سياسي فإنها ستعيد إنتاج الصراع مرة أخرى ولو بعد حين ، فالمقاومة التي بدأت من صفر قادرة على إنتاج نفسها مرة أخرى ، أما الجبهة اللبنانية مؤجلة على حافة الانفجار وكل المؤشرات تشير إلى إمكانية ضربة محدودة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة ، هذا يعني فشلاً ذريعاً لإسرائيل في تفكيك بنية حزب الله العسكرية الذي سيعيد ترميم نفسه في السنوات القادمة ، أما إيران فبقيت حاضرة كمعادلة استراتيجية بعد الضربة العسكرية ، رغم محاولات إسرائيل الحالية إقناع الأمريكي بضرورة توجيه ضربة عسكرية أخرى إلا أن الواقع يقول ،لا يمكن شطب إيران بعملية عسكرية وأن مثل هكذا عملية لن يغير في المعادلات الاستراتيجية شيئاً إلا بإسقاط النظام وهذا له تداعيات على الإقليم والعالم . ما يحدث هو تراكم إنجازات تكتيكية مقروناً بفشل استراتيجي.

أن ما تهرب منه إسرائيل في حروبها ومعاركها المتعددة مع الشعب الفلسطيني، هو الجبهة الوجودية. تلك الجبهة التي لا تُحسم بالقوة العسكرية، بل بالديموغرافيا. إن الوجود الفلسطيني بين البحر والنهر لم يختفي بالقصف ولا بالحروب المتواصلة ولا بالاحتواء الأمني، بل يلازم المشروع الصهيوني الاسرائيلي كقدر تاريخي، ويطرح سؤال الأغلبية اليهودية في أفق غير بعيد. يمكن تأجيل هذا السؤال، ويمكن تغليفه بخطاب أمني أو ديني، لكن لا يمكن محوه. كل هروب إلى معركة خارجية لا يغيّر حقيقة أن التحدي الحقيقي يقيم في قلب الجغرافيا والسكان.

الأخطر أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي لطالما شكّلت عنصر تفوق وحصانة ، تبدو اليوم منقسمة ومتفككة. الانقسام لم يعد سياسيًا فحسب، بل مسّ بنية الدولة نفسها، إضعاف المؤسسة القضائية، ومحاولات تطويع الإعلام، تحويل الحرب إلى أداة بقاء سياسي لنتنياهو ، كلها عوامل جعلت إسرائيل تخوض حربًا داخلية موازية.

أما الحليف الاستراتيجي أمريكا يقف رئيسها كما الرؤساء السابقين داعمًا لإسرائيل بلا التباس، لكن بعقلية التاجر والصفقات السريعة لا بعقلية التخطيط الطويل. ترامب يريد نتائج سريعة يمكن تسويقها داخليًا، لذلك يراهن على تركيا بوصفها لاعبًا قادراً على إدارة بعض الساحات من بينها غزة ، وهو يعرف تقاطع المصالح وتضاربها بين الإسرائيلي والأمريكي من جهة والتركي من جهة أخرى ، كأن لسان حاله يقول لا ضير فلنجرب ، أبعاد التركي عن الروسي والإيراني ونفحص ماذا باستطاعة تركيا أن تقدمه لنا ، هنا يتقاطع الدعم مع اختلاف الرؤية، ويتحوّل التحالف إلى علاقة غير متطابقة في الأهداف.

أن إسرائيل بعد كل ما حققته من انجازات تكتيكية في مختلف الساحات ، تقف اليوم في منتصف طريق لا هي قادرة على العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر، ولا هي نجحت في فرض ما تريد بعده. ويبقى سؤال الوجود ملازما لها دون أجابه، فالحروب التي تخاض بدون حلول سياسية لا تنتهي… بل تؤجل، إلى أن تعود في صور أشد إيلاماً ، بعض المحللين والمفكرين وقادة من الأجهزة الأمنية والعسكرية في إسرائيل ، بعد عامين على الحرب يعتقدون أن إسرائيل أمام فرصة تاريخية لعملية سلام تقوم على أساس حل الدولتين والانخراط في العالم العربي، أو ستكون أمام صراع طويل الأمد لا ينتهي .