Menu

مجلس السلام ... بورصة ترامب للإستثمار

أحمد عويدات

نشر في مجلة الهدف العدد(80)(1554)

لمّا تنقشع غبار حرب غزة بعد، ولم تهدأ رحاها، ولم تكف طائرات الاحتلال عن تنفيذ غاراتها الوحشية على خيام النازحين المتهاوية ، ولا زال حصار التجويع قائماً وسط إدخالٍ شحيحٍ للمساعدات عبر معابر مغلقة يتحكم بها جيش الاحتلال. ولم تبخل الطبيعة بقسوتها وبردها القارص لتزيد من معاناة الغزاويين. ولا زال خروج المرضى للعلاج مقنناً إلى حدٍ كبير. ولم تتوقف المدافع والدبابات عن صبِّ حمم قذائفها على ما تبقى من أبنيةٍ متهالكة ؛ برغم استمرار تنديد المجتمع الدولي بها ، ومطالبته بتنفيذ بنود خطة ترامب الهشة ؛ والتي باتت وكأنها غطاء الحرب المحدودة التي تم الاتفاق عليها مع نتنياهو وأركان حكومته الفاشية ؛ بهدف التستّر على جرائم الإبادة الجماعية ، التي شهدتها هذه الحرب خلال العامين المنصرمين على يد جيشه ، والتخفيف من العزلة الدولية التي مُنيَ بها الكيان.

  • الوضع من جديد في القدس والضفة الغربية ، التي تشهد مواجهات عنيفة بين قطعان المستوطنين والأهالي العزّل، وتصدر حكومة الاحتلال قراراتها الجائرة بمنح ملكية الأراضي للمستوطنين على حساب مالكيها الأصليين الفلسطينيين. وتأخذ اقتحامات ومهاجمة المخيمات والبلدات والقرى الفلسطينية منحىً خطيراً لدفع السكان إلى التهجير القسري وانهاء المشروع الوطني الفلسطيني ، ولخنق أي احتجاج على السياسة العنصرية التوسعية الإسرائيلية.

انه التوسع التدريجي الاستيطاني، الذي يتجه نحو الضم النهائي لأراضي الضفة الغربية لدولة الكيان. كل ذلك يتم على مرأى ومسمع بما يسمى "مجلس السلام" ،لصاحبه والمتحكم بأمره الرئيس رونالد ترامب ، الذي انعقد مؤخراً دون مخرجاتٍ حقيقيةٍ تنعكس على الواقع الميداني، سوى ربط إعادة الإعمار لقطاع غزة بنزع سلاح المقاومة وتدمير انفاقها ، ونزع الحاضنة الشعبية عنها ؛ الهدف الذي فشل جيش الاحتلال في تحقيقه خلال ما يزيد على عامين من حربه النازية. و نتج عن هذا الاجتماع أيضاً تجديد الولاء والتبعية لسياسة ترامب وكيل المزيد من المديح له ، و الاتفاق على تشكيل "قوة الاستقرار الدولية" من قرابة 20 ألف جندي من إندونيسيا وكوسوفو وألبانيا والمغرب وكازاخستان، بقيادة الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز.

  • كل ما صدر أو تردد عن مسؤولي الإدارة الأميركية والأعضاء في مجلس ترامب حول ضرورة الالتزام بتنفيذ بنود خطة ترامب في مرحلتها الثانية ، والحفاظ على وقف إطلاق النار ، الذي لم يتوقف للحظة، إلا غطاء على السلوك العدواني الإسرائيلي ، ومحاولة لكسب الوقت لتحقيق المزيد من الأهداف الميدانية على الأرض ، وذر الرماد في الأعين أمام المجتمع الدولي ، وإظهار "مجلس السلام" بأنه فعلاً، يسعى لتحقيق السلام في المنطقة، في الوقت الذي يتم فيه حشد الأساطيل، وحاملات الطائرات، واستعراض كل أنواع القوة العسكرية ، مترافقةً بالوعيد والتهديد لكل من يخرج عن مسار السياسة والمصالح الأمريكية. كذلك يسعى مسؤولو البيت الأبيض من خلال تلك التصريحات إلى تجميل الوجه القبيح للسياسة الأميركية التي لا ترى الأشياء إلا من بوابة مصالح "إسرائيل". هذه هي التوأمة الحقيقية بين المصالح الاحتلالية التوسعية الإسرائيلية، والمصالح الاستثمارية الاقتصادية الترامبية.

وكذلك الأمر، إن كل ما قيل عن رصد 10 مليارات دولار لإعادة إعمار قطاع غزة ، ربما يكون رصيدا للمشروع الاستثماري الترامبي، وإقامة ما حلم به ترامب وهو تحويل غزة إلى "ريفيرا الشرق" بإنشاء المنتجعات السياحية على حساب التراب الغزاوي ، ومن جيوب الدول الأعضاء ، وليس من حساب الخزينة الأمريكية. إن هذا يعبر عن سعي الإمبريالي الجديد لنهب ثروات الشعوب وتحويلها إلى أرصدة لاستثمارها بمصالح الولايات المتحدة الاقتصادية في بورصة تسمى "مجلس السلام".

من الواضح تماما لأي متابع ومحلل ، أنه منذ تأسيس هذا المجلس الذي استحوذ على دور الأمم المتحدة بقرصنةٍ غير مسبوقة ، وسط رفض أوروبي وروسي وصيني ودولٍ أخرى للمشاركة به ، لم يتم ذكر ولو بالأحرف الأولى لأي مشروعٍ أو مبادرةٍ سياسيةٍ تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني ، أو إقامة دولته على أرضه ، ولا حتى مجرد الحديث عن سيادة أو سلطة فلسطينية ، أو أي حلٍ للقضية الفلسطينية. بل على العكس إن ما تم تداوله وما جاء بميثاق هذا المجلس أنه يختص بالنزاعات في مناطق مختلفة من العالم، ولكن ما يبدو الحال عليه أن هذا المجلس يختص بالشأن الفلسطيني في غزة فقط من وجهة النظر الإسرائيلية والاستثمارية الأميركية. وهذه هي التوأمة التي سبق ان تحدثنا عنها. والسؤال الذي يُطرح هنا، كيف لهذا المجلس أن يبحث بالشأن الفلسطيني، ولا يوجد فيه أي تمثيل فلسطيني ، ولا حتى بالحد الأدنى ، إلى جانب وجود نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية لارتكابه جرائم الإبادة بحق الشعب الفلسطيني ، ممثلاً للكيان في هذا المجلس؟

وهل صدر أي موقف عن هذا المجلس ورئيسه العتيد حيال ما يُتخذ من إجراءات توسعية عدوانية في الضفة الغربية تقوم بارتكابها قطعان المستوطنين وجيش الاحتلال؟ أليس هذا تقويض لأي حلٍ سياسي؟ ألا يُعتبر هذا ضم تدريجي استيطاني لأراضي الضفة الغربية وأجزاء واسعة من القدس ، ودق آخر مسمار في نعش اتفاقات أوسلو المنسيّة مع السلطة الفلسطينية؟

  • ما يجري من انتهاكات واعتداءات في الضفة الغربية والقدس، واستمرار العدوان والحصار على غزة في ظل وجود مجلس السلام الترامبي الاستثماري ، ووسط هذا التنديد والاستنكار الدولي والعربي والإسلامي ؛ إنما يحمل في طياته دلالات هامة ، تكمن أولها في رفض الكيان لأي مبادرة سياسية لحل الصراع في المنطقة ، تقوم على أساس حل الدولتين أو إقامة دولة فلسطينية . وثانيها رفض وجود أية سلطة فلسطينية حتى لو كانت تحت الحراب الإسرائيلية. ومن الدلالات أيضا، انتقال الكيان الصهيوني من سياسة الردع إلى سياسة الهيمنة والسيطرة تماشياً مع سياسة القوة التي تنتهجها الإدارة الأميركية، وتشكل انسجاماً مع مخطط "إسرائيل الكبرى"، ورابع تلك الدلالات ، رعاية هجمات المستوطنين وحمايتهم ، أصبح سياسة رسمية لدولة الكيان ،عبر عنها أكثر من مرة الوزير المتطرف سموتريتش. خامساً ، عجز المجتمع الدولي وهيئاته ومنظماته المختلفة عن القيام بأي دورٍ ضاغطٍ فعالٍ من شأنه لجم سياسة الاحتلال وإجباره على إيقاف إجراءاته التهويدية اللاشرعية، والتي تتناقض مع كل ما صدر من قرارات الشرعية الدولية. وآخر هذه الدلالات تظهر في شراكة إدارة ترامب مع الكيان في ما ينفذه نتنياهو وقادة اليمين الديني المتطرف على الأرض .
  • تعاظم التحديات ، تبقى هناك حقيقتان في العالم أولهما إجرام نتنياهو ومخططاته التوسعية، وداعمه ترامب ومشاريعه ، والثانية شعبنا الفلسطيني أيقونة الصمود والثبات والمقاومة والتضحية، العصي على الانكسار والهزيمة والإخضاع.
  • في عزم نحو 80 ألف غزاوي العودة إلى غزة المدمّرة ، والتي تفتقد إلى كل جوانب الحياة، بل تجول فيها أشباح الموت والدمار ؛ ما يشكل ضربةً صاعقةً لمشروع التهجير القسري النتنياهوي ، وضربة للمشروع الاستثماري الترامبي. هذه العودة الفلسطينية المعاكسة تؤكد التصاق الفلسطيني بأرضه ووطنه حتى لو كان ركاماً وأنقاضاً ، كما يعبر عن أسطورة صمود هذا الشعب وإصراره على التمسك بتراب وطنه وأرضه.