لا ريب في أن ما تطرحه السينما الوثائقية بالعموم وصولاً إلى خصوصية الفيلم الوثائقي من تحديات واستحقاقات كثيرة ليس أقلها مفهوم الوثيقة وسردية الصورة، بل سردية الكلمة في تواترها المحسوب لمصلحة سردية تاريخية مكتفية بإشاراتها وإيحاءاتها ورموزها، والحال أن السينما الفلسطينية كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في هذا السياق لا سيما على صعيد الفيلم الوثائقي بحمولاته التراجيدية ومضامينه الفكرية وليست التاريخية فحسب، مما يمكننا بالنظر إلى تلك السيرورات الفنية والفكرية التي تعالقت بذلك النوع من الأفلام، من القول إن ثمة مفصل جديد، وإذا جاز لنا القول بأنه ينطوي على شيء من المغامرة كما النزوع لها، لكنه تجريب أصيل يعي تلك السيرورات المركبة والمتشابكة في فصولها ومحطاتها وعلاماتها، تشابك يفضي بنا- بطبيعة الحال- إلى قراءة التعدد والانتباه إلى فتح أفق جديد في مسارها، فضلاً عما تُحيله من أسئلة منتجة ومنتبهة إلى خصوصية السياق وفرادة الموضوع، ولعل ذلك كله سيصبح في غمار الرؤيا التي حملت فيلم (الهدف)، لمخرجه السينمائي محمد أبو شريفة، وفريق عمله وبالانتباه إلى الجهد المبذول وفي وقت قياسي لإخراج هذا الفيلم الذي انطلق من الوثيقة لكنه ذهب أكثر بحثاً عن فضاءاتها الزمانية والمكانية، وحضورات شهودها وشهدائها، إذ لم يكن الأديب الشهيد غسان كنفاني واستمراره بمجلة الهدف وبوصفه واحداً من العناوين الأثيرة التي حُمل عليها الفيلم، إلا باعثاً على التأمل في منظومة إعلامية مقاومة كرست فهماً ثورياً وطليعياً لمفهوم الإعلام الملتزم، وعليه فإن لحظة الانفجار والتي نتج عنها استشهاد غسان كنفاني وابنة اخته لميس، إلا الزمن المُستعاد لحركية الفيلم ليطاول تاريخية مجلة الهدف، ورمزيتها في الوعي الفلسطيني والعربي والعالمي، وليذهب الفيلم إلى استنطاق زمن الهدف في مقاربة ناجحة استعادت الحكاية وحملتها عبر أصوات الشهود لا سيما من تعاقبوا على إدارتها وكانوا صنّاع تاريخها ووقائعها، تنجح الصورة السردية هنا في إضافة لافتة مثلّها حضور الكاتب السياسي عدنان بدر حلو (نائب رئيس تحرير مجلة الهدف منذ العام 1969 وحتى العام 1976)، بمحكياته التي وثق بها ما هو أبعد من عمل وظيفي صرف، ليمثّل شهادة كبرى عن التحولات التراجيدية التي واكبت مجلة الهدف حتى لحظة استشهاد الأديب والمناضل غسان كنفاني، وما يلفت الانتباه هنا، هو في معنى البطولة الجماعية التي انطوت عليها مجلة الهدف ومن تعاقبوا على إدارتها في أزمنة مختلفة، وبتقنيات محسوبة سعى مخرج الفيلم محمد أبو شريفة ليبث رؤيته دونما إقحام، بل بتنسيق محسوب لتلك السردية التي سعت إلى تركيب المشهد في وعي المتلقين، فهو قد أحالنا إلى منظومة إشارية شكلت حواراً مفتوحاً ما بين الصورة والكلمة، وما بين ضراوة الأحداث وصيرورة الحقيقة، ليكون الهدف إطاراً رمزياً لفكرة المقاومة ورمزيتها عبر أجيالها المتنوعة وعطاءاتها الفذة، إذ يحمل الفيلم ثيمة التواتر الدرامي الذي لا يكتفي بالحدث فحسب، بل يضع كل معطيات التفكير والتأمل، وفسح المجال لأسئلة مختلفة لا تذهب إلى تاريخ السينما الوثائقية بقدر ما تستنهض وعياً مفارقاً وفي زمن مختلف، استمرت به مجلة الهدف، أي استمرت بإرثها من الذاكرة البعيدة إلى الواقع الجديد المتغير، إذن بصدد القيمة الفنية والجمالية والموضوعية للفيلم، لا بد من القول: ينطوي الفيلم على قيمة ثقافية وفي زمن مختلف، ليس لأنه أعاد شريط الذاكرة فحسب، بل لأنه حاكى المستقبل بمعطيات ماضٍ لم يمض، وسعى إلى استشراف المكونات الجديدة للإعلام الفلسطيني وفي ظل واقع إعلامي فلسطيني غير واضح المعالم، أي أنه نجح في طرح أسئلة الاستحقاق باستثمار الصورة/ الوثيقة، ومحاكاتها بزخم فكري يعيد تأويل السياقات القديمة/ الجديدة، وليس وقوفاً على شرفات الحنين لزمن مضى، ذلك ما يقصر دلالته، بل الأمر أبعد من ذلك، فهو استنطاق للتاريخ وإعادة تأثيثه في الوعي الفلسطيني الجديد، وهذا ما دللت عليه مشاركة أسماء دالة في الثقافة الوطنية الفلسطينية (مروان عبد العال، د. ماهر الطاهر، أبو علي حسن، لويس برهوني، د. ثائر عودة، أحمد هلال)، في لحظة الشهودية على مرحلة طافحة بالتحولات والذاكرة الاسترجاعية، وإن إنتاج دائرة الإعلام المركزي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لهذا الفيلم، قد أسس لدور جديد للسينما الوثائقية بعد سلسلة أفلام أنتجتها الدائرة في زمن مضى، ومنها فيلم (عائد إلى حيفا) للأديب الشهيد غسان كنفاني.
فيلم الهدف... رؤيا جديدة
يمكن فهم تلك الرؤيا التي حملها فيلم الهدف، أنها في سياق مشروع دأب عليه السينمائي محمد أبو شريفة، يستجيب للواقع لكنه يتجاوزه ليخلق أبعاداً جديدة لمفهوم السينما الوثائقية في الإطار الفلسطيني ومنه إلى الإطار العربي، وهذا المشروع في أصالته واكتمال أركانه هو فاتحة انطلاق لعودة السينما الفلسطينية إلى دورها الثقافي المقاوم، والمستلهم للماضي لكنه المجدد والمعاصر، فهماً وثقافة جديدة تستقرئ وتستبطن أسئلة المستقبل، فيلم الهدف أولى الثمار والذي سيحيلنا إلى غيره، في سياق مراجعة نقدية ودينامية إبداعية لا تكتفي بأسئلة الماضي، بل تبحث في الواقع سعياً لفتح أفق جديد فيه، يستنهض صورة الثقافة الفلسطينية ومفرداتها ومكوناتها، ويضارع السردية المضادة، بسردية وطنية تكتبها الكلمة والصورة والرؤيا، تماماً كما لا يمكن تجزئة القضية، بل هي كل واحد لا ينفصل عن حركة التاريخ وسيرورة الفكر الوطني الملتزم.

