Menu

ترامب ونتنياهو وسقوط أوهام النصر

عمر فارس

بوابة الهدف

بعد أكثر من عشرين يوماً على العدوان الإسرائيلي– الأمريكي على إيران، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا حقق دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو من هذه الحرب التي راهنوا عليها لتحقيق نصر سريع وحاسم؟

منذ الساعات الأولى، روّجت واشنطن وتل أبيب لرواية مفادها أن الضربات تستهدف “رأس النظام” في إيران، وأنها ستؤدي إلى انهيار القيادة وشلّ قدرة الدولة على الرد. وتحدثوا عن تصفية قادة بارزين، وعن ضربات دقيقة تُنهي التهديد الإيراني. لكن مع مرور الأيام، تبيّن أن هذه الرواية لم تكن سوى جزء من حرب إعلامية موازية، تهدف إلى رفع المعنويات في الداخل وتضليل الرأي العام العالمي.

على الأرض، كانت الصورة مختلفة تماماً. آلاف المدنيين سقطوا ضحايا للقصف، بينهم مئات الأطفال في المدارس والأحياء السكنية. هذه الجرائم لم تُضعف الدولة الإيرانية، بل أدت إلى نتيجة عكسية: التفاف شعبي واسع حول القيادة، وتعزيز روح الصمود والتحدي. فالشعوب التي تتعرض للعدوان الخارجي لا تنهار بسهولة، بل غالباً ما تتوحد، وهذا ما حدث في إيران.

أما على المستوى العسكري، فلم يتحقق “الحسم السريع” الذي وعد به دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. بل على العكس، أظهرت إيران قدرة واضحة على الرد، وعلى إطالة أمد المواجهة. ومع مرور الوقت، بدأت تتشكل معادلة ردع جديدة، عنوانها أن هذه الحرب لن تكون نزهة، وأن كلفتها سترتفع يوماً بعد يوم.

دونالد ترامب، الذي بدأ ولايته الثانية بنهج تصعيدي وعدواني، لم يكتفِ بإشعال التوتر في الشرق الأوسط، بل سبق ذلك بتهديدات لدول متعددة، من كندا إلى فنزويلا، ووصل به الأمر إلى التلويح بزعزعة استقرار دول صغيرة مثل غرينادا. هذا السلوك يعكس ذهنية الهيمنة التي لم تعد تنسجم مع واقع عالم يتغير بسرعة. فالتاريخ لا يُقرأ بالقوة وحدها، بل بالفهم العميق لتجارب الشعوب، وإيران ليست دولة طارئة يمكن إخضاعها بضربة عسكرية أو حملة جوية.

وبالمثل، فإن بنيامين نتنياهو، الذي قاد حرباً مدمرة في غزة وارتكب جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني، دخل هذه المواجهة وهو يعتقد أنه سيحقق نصراً يعيد ترميم صورته السياسية، ويمهد لتحقيق أوهام “إسرائيل الكبرى”. لكنه اليوم يواجه واقعاً مختلفاً: جبهات مفتوحة، ضغط دولي متزايد، وتآكل في صورة إسرائيل على الساحة العالمية.

الأخطر من ذلك أن هذه الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية في المنطقة. فالقواعد العسكرية التي استخدمتها واشنطن في الخليج لم تعد محصنة كما كان يُعتقد، وأصبحت عرضة للتهديد المباشر. وهذا ما يثير قلقاً متزايداً لدى دول الخليج، التي بدأت تدرك أن الحماية الأمريكية ليست ضمانة مطلقة، وأن الاعتماد الكامل على واشنطن قد يكون رهاناً خاسراً في لحظة تاريخية متحولة.

إن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن سياق أوسع: تراجع الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي. فالعالم لم يعد أحادي القطب كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، بل يتجه نحو تعددية قطبية تفرضها قوى صاعدة وإرادات مستقلة. والحروب التي تُخاض بعقلية القرن الماضي قد تؤدي إلى نتائج معاكسة تماماً، كما نرى اليوم.

لقد أراد دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو من هذه الحرب أن تكون استعراضاً للقوة، ورسالة ردع للخصوم، لكنها تحولت تدريجياً إلى اختبار حقيقي لحدود هذه القوة. ومع استمرار المواجهة، تتضح ملامح فشل الأهداف المعلنة، مقابل صمود إيراني وتماسك داخلي لافت.

قد لا تنتهي هذه الحرب قريباً، وقد تحمل الأيام القادمة مزيداً من التصعيد، لكن المؤكد أن ما جرى حتى الآن يمثل نقطة تحول مهمة. فحين تفشل القوة في تحقيق أهدافها، وتتحول إلى عبء استراتيجي، تبدأ موازين القوى بالتغير.

وفي هذا السياق، يبدو أن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، تتراجع فيها قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها، وتتقدم فيها قوى أخرى لملء الفراغ. وإذا استمرت هذه السياسات القائمة على العدوان والهيمنة، فإن النتيجة لن تكون فقط فشل حرب هنا أو هناك، بل تسارع في سقوط الهيمنة الأمريكية على العالم.

التاريخ يُكتب الآن، لا في التصريحات، بل في نتائج الميدان. وما نراه حتى اللحظة يشير بوضوح إلى أن زمن الإملاءات الأحادية يقترب من نهايته، وأن الشعوب التي تقاوم قادرة على تغيير المعادلات، مهما بلغت قوة خصومها.