منذ السابع من أكتوبر بدأ كل شيء يتغير؛ اللغة، الاصطفافات السياسية، التحالفات، والمسارات. احتدم الحاضر حول تشكيل المستقبل، وكل هذا كان يحدث أمامنا دون إدراك أن ما كان سائداً لم يعد قادراً على إنتاج ما هو جديد؛ لأن الإدراك يعني نقد المرحلة السابقة بجرأة، والبحث عن أفق جديد. أفق يستند إلى العقل النقدي ومغادرة عقلية التبرير التي تقود إلى "إهالة التراب" على الحقيقة ومنع التغيير.
منذ ذلك اليوم، وعلى مدار عامين، وحرب الإبادة مستمرة ضد الشعب الفلسطيني، والعدوان على مكونات المقاومة مستمر من أجل القضاء عليها. ووسط هذه الحرب التي اتسع لهيبها في الثامن والعشرين من شباط بالعدوان والحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، والتي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، لا أحد يستطيع توقع تاريخ انتهائها، سوى ثقتنا بصمود إيران أمام هذا العدوان الظالم.
وكما وقفت الأنظمة العربية صامتة في حرب الإبادة، أو منحازة إلى العدو أو متواطئة معه، وصمد الشعب في غزة رغم عظم التضحيات وهول الاعتداءات، إلا أن التخلي الرسمي العربي عن الشعب الفلسطيني حرمه من فتح آفاق سياسية تقرّبه من الحصول على مكاسب وطنية.
هكذا يتكرر المشهد؛ فمع هذه الحرب الظالمة فقدت الأنظمة بوصلتها واختارت الانحياز إلى التحالف مع القوى المعتدية، وهي تعي أن مستقبل المنطقة سترسمه مسارات ونتائج هذه الحرب، ظنّاً منها أنها ستكون بمنأى عن تداعياتها، خاصة في ظل وضوح أهداف الكيان بـ "إسرائيل الكبرى".
إن أي متابع للأحداث يمكنه ملاحظة تصاعد العدوانية الأمريكية، سواء في عدوانها على فنزويلا وخطف رئيسها، أو تهديدها المكشوف لكوبا وجزيرة جرينلاند وكندا، وأخيراً العدوان على إيران. إنه سُعار أمريكي غير مسبوق، وهجوم لفظي على الحلفاء واتهامهم بالجبن لعدم تساوقهم بالكامل مع مخططاتها. والسؤال هو: لماذا هذه العدوانية المتصاعدة؟
بعد انتهاء الحرب الباردة، تفردت أمريكا في قيادة العالم، وهذا مكنها من القيادة "السلسة". إلا أن تنامي الأزمات الداخلية وصعود قوى دولية جديدة منافسة لها جعلها تغادر مرحلة الهيمنة المريحة؛ فالقوة المهيمنة تميل للعنف عندما تبدأ بفقدان قدرتها على السيطرة السلسة.
لقد خلق هذا الصعود نوعاً من التوتر في بنية النظام الرأسمالي، وبات هذا الصعود وتحالفاته هاجس الولايات المتحدة، وهذا بدا واضحاً أكثر بتراجع الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، الأمر الذي جعل الاعتماد على القوة والعنف هو السائد.
من يتابع تصريحات ترامب يستطيع إدراك عمق الأزمة الاقتصادية والمديونية، وهوسه بالسيطرة على الموارد الطبيعية وسعيه لجعل "أمريكا عظيمة"؛ كل هذا كان يدفعه نحو استخدام القوة. حدث ذلك بعد أن وجد ترامب أن الاعتماد الأمريكي على المؤسسات الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد)، والهيمنة الثقافية والعولمة، لم يعد كافياً، لذلك صعد من مسار العقوبات الاقتصادية والتدخل المباشر وغير المباشر، التي أصبحت عنوان المرحلة.
بشكل أوضح، لا نستطيع فهم ما يجري بمعزل عن الصراع على النظام الدولي: هل تحافظ أمريكا على أحاديته، أم أننا أمام نظام جديد؟

