Menu

ورقة بحثية – الأرض الفلسطينية في مواجهة تحديات الضم والتهويد بغطاء أمريكي وصمت عربي رسمي

عليان عليان

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

تمر الذكرى ال (50) ليوم الأرض في ظروف فلسطينية وعربية وإقليمية بالغة الصعوبة والتعقيد ، أدخلت الأرض الفلسطينية والقضية الفلسطينية برمتها في مربع التهويد والتصفية وذلك بعد الخذلان العربي الرسمي لمعركة طوفان الأقصى التاريخية، التي شكلت محطة مركزية يمكن البناء عليها في مشروع التحرير والعودة، وبعد المؤامرة الصهيو أمريكية والإقليمية على مخرجات هذه المعركة، لتمكين العدو من تحقيق الأهداف السياسية التي عجز عن تحقيقها بالعدوان الإبادي على قطاع غزة، وذلك عبر خطة ترامب التصفوية التي تفصل الضفة عن القطاع ،وتطلق عملياً يد العدو لتكثيف الاستيطان في الضفة ، رغم ادعاءات الإدارة الأمريكية الزائفة برفضها الضم الغربية .

 

هبة يوم الأرض : أبعاد وتداعيات

لقد ارتقى إلى العلا في (30) آذار/مارس 1976( 6) شهداء، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي ، خلال هبة شعبية وإضراب شامل، دعت إليه وقادته قيادات المجالس المحلية العربية ضد مصادرة آلاف الدونمات في الجليل والمثلث، والشهداء هم : خير ياسين (عرابة)، خديجة شواهنة، رجا أبو ريا، خضر خلايلة (سخنين)، محسن طه (كفر كنا)، ورأفت زهيري (مخيم نور شمس) ، وهذه الهبة شكلت مقدمةً ورافعةً للانتفاضات والانتصارات الفلسطينية اللاحقة .

في ذكرى هبة الأرض، لا بد من التوقف أمام أهمية وتداعيات هذه الهبة وأبرزها :

  1. أن الجيل الجديد في مناطق1948، متمسك بوطنه على نحو كبير أفشل مقولة الصهاينة "بأن الأجداد والآباء، يموتون والأبناء ينسون"، وأن هذا الجيل يمتلك جرأةً وإصراراً غير مسبوق في التمسك بالهوية وبالحق التاريخي في فلسطين.
  2. أن الاختلافات الأيديولوجية، بين العرب في مناطق 1948 لم تضرب الوحدة الوطنية، إذ إن أبناء الشعب الفلسطيني المنضوين في تيارات وأحزاب قومية ويسارية وليبرالية وإسلامية موحدون في مواجهة سياسات الأسرلة والتذويب، وفي الحفاظ على هويتهم العربية، في إطار من التنسيق النضالي الذي يشكل إرباكاً حقيقياً للاحتلال.
  3. أن مقاومة يوم الأرض شكلت عامل توحيد للشعب الفلسطيني، إذ إنه في نفس اليوم، انتقلت الهبة وحميتها فوراً إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، لتشد من أزر الأهل في مناطق 1948 ولتؤكد وحدة الشعب الفلسطيني في الدفاع عن الأرض، حيث ارتقى إلى العلا عدد من الشهداء نذكر منهم: تمام ستيتية، من نابلس، وعلي عقلة من أبوديس، وأحمد ذيب من سلفيت المقاومة.
  4. وفي إطار الدروس اللاحقة لهبة يوم الأرض، تبين وبالملموس أن المقاومة هي المدخل الرئيس لدحر الاحتلال ، وأن التعلق بسراب التسوية شكل على الدوام عامل قسمة وتفريق وقد لمسنا ذلك في كافة انتفاضات شعبنا، حين شاهدنا جماهير شعبنا في مناطق 1948، توفر الدعم المادي واللوجستي لانتفاضة الحجارة وتقدم الشهداء (15) شهيداً في حراكها الجماهيري المتضامن مع انتفاضة الأقصى ، وتنتفض ضد الاحتلال إبان معركة سيف القدس التاريخية 2021 م.

 

وقائع الاستيطان والضم

لقد دخل موضوع ضم الضفة الغربية مرحلة حاسمة ، بعد أن جرى التمهيد له بالتصويت على تشريع قانون فرض السيادة عليها في 23-7-2025 ، من قبل أعضاء كنيست من الائتلاف الحاكم والمعارضة على حد سواء، ما يشير إلى إجماع واسع داخل الكنيست الصهيوني بشأن رفض السيادة الفلسطينية وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة. حيث جاء تشريع فرض السيادة على الضفة بعد تصويت في وقت سابق بأغلبية ساحقة ضد إقامة دولة فلسطينية.

وجاء قرار وزير المالية – الوزير في وزارة الأمن الصهيونية - سموتريتش بشأن سلسة إجراءات الضم - والمناقض للقانون الدولي - ليترجم قانون فرض السيادة على النحو التالي:

  1. زيادة وتيرة الاستيطان وتحويل البؤر الاستيطانية والبؤر الرعوية إلى مستوطنات لها موازناتها.
  2. ضم المستوطنات إلى الكيان الصهيوني، باعتبارها جزءا من دولة (إسرائيل) تخضع لقوانينها.
  3. السماح بهدم المباني الفلسطينية حتى في المناطق المصنفة "أ" وفق اتفاق أوسلو، والخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، وتشديد ملاحقة المنشآت غير المرخصة في مناطق "أ" و"ب" بحجة حماية المواقع الأثرية، مما يتيح للاحتلال مصادرة الأراضي وتنفيذ عمليات الهدم.
  4. "رفع القيود عن بيع أملاك فلسطينية للإسرائيليين، من خلال الكشف عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية ومالكيها في عهد المملكة الأردنية، وإلغاء القانون الأردني بشأنها والسماح للمستوطنين بشراء الأراضي في الضفة الغربية من خلال أساليب الترغيب والترهيب" .
  5. التراجع عن بنود اتفاق الخليل التفريطي الموقع بين السلطة وحكومة العدو الصهيوني عام 1997 من خلال نقل صلاحيات التخطيط في مدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي إلى الكيان الصهيوني، وتحويل تسجيل الأراضي وملكيتها في منطقة( H2 ) ومحيط الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل إلى مجلس المستوطنين، ونقل إدارة الحرم بالكامل للجانب الإسرائيلي ، وبوجب هذه الإجراءات ستصبح كل الصلاحيات الأمنية والمدنية تحت سيطرة الاحتلال.

ووفق عمليات الرصد من قبل رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان " محمد شعبان" ومديرة مكتب الدفاع عن الحريات " مديحة الأعرج"نشير إلى ما يلي :

  1. أن ما جرى خلال عام 2025 يمثل أخطر مراحل الهجمة الاستعمارية "الإسرائيلية" منذ عام 1967م، حيث تعاملت حكومة الاحتلال مع عام 2025م باعتباره عاماً للحسم لا للتدرج من خلال انتقالها من إدارة الوقائع إلى فرضها بالقوة، ومن اختبار ردود الفعل الدولية إلى تجاهلها بالكامل، حيث جاءت المصادقة على إقامة وتسوية 19 مستعمرة جديدة في أنحاء الضفة الغربية كحلقة متقدمة ضمن مشروع متكامل، لإبادة الجغرافيا الفلسطينية لصالح الاستيطان الاستعماري.
  2. أن الاحتلال وبالتوازي مع الحرب المفتوحة على قطاع غزة شن حربًا موازية على الضفة الغربية استهدفت الأرض والإنسان معًا، فسياسات هدم المنازل وتهجير التجمعات البدوية ومصادرة الأراضي لم تكن إجراءات أمنية كما يدعي الاحتلال، بل أدوات مدروسة لتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين.
  3. بلغ عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية مع نهاية عام 2025م ومطلع عام 2026 نحو 350 مستوطنة، بينها نحو 200 بؤرة استيطانية تعمل حكومة العدو على شرعنتها رسميًا، وفي الوقت نفسه، أقام الاحتلال عشرات المناطق الصناعية وشبكات طرق التفافية ضخمة حولت الضفة الغربية إلى جزر معزولة لخدمة المستوطنين وخنق التجمعات الفلسطينية.
  4. فرض الاحتلال سيطرته الفعلية على أكثر من 41% من مساحة الضفة الغربية، وأحكم قبضته على نحو 70% من المناطق المصنفة "ج"، فيما استحوذ على أكثر من 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية، مستخدمًا منظومة معقدة من الأوامر العسكرية وإعلانات أراضي الدولة والمحميات الطبيعية والمناطق العسكرية المغلقة.
  5. شهد عام 2025م، توسعًا غير مسبوق في البؤر الرعوية والزراعية التي باتت رأس الحربة في المشروع الاستيطاني، وهذه البؤر لم تحتج في بدايتها إلى قرارات رسمية، لكنها تحظى بحماية جيش الاحتلال، ثم تتحول لاحقًا إلى مستعمرات رسمية في مشهد يعكس التواطؤ الكامل بين المستوطنين والمؤسسة الرسمية "الإسرائيلية"....وهذه البؤر أدت دورًا محوريًا في تهجير الفلسطينيين خاصة في الأغوار ومسافر يطا وشمال الضفة الغربية، حيث استخدمت الاعتداءات اليومية وسرقة المواشي ومنع الرعي وتخريب مصادر المياه كوسائل ضغط مباشرة لدفع السكان إلى الرحيل القسري.
  6. وفي القدس المحتلة، تتضح هذه السياسات بأوضح صورها حيث تصاعدت عمليات الإخلاء القسري في أحياء سلوان وبطن الهوى مستخدمة المحاكم "الإسرائيلية" والجمعيات الاستيطانية كأذرع تنفيذية لتهجير العائلات الفلسطينية وإحلال المستوطنين مكانها في محاولة واضحة لتغيير الطابع الديمغرافي للمدينة.

ويؤكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان " أن أخطر ما في المشروع الاستيطاني ليس فقط عدد الوحدات السكنية أو مساحة الأراضي المصادرة ، بل الفلسفة التي تحكم هذا المشروع التي تقوم على إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية ، فالاحتلال لم يعد ينظر إلى الأرض كمساحة قابلة للتفاوض، بل ككيان يجب إخضاعه بالكامل وإعادة تسميته بما يتناسب مع الرؤية الصهيونية المتطرفة".

 

أوسلو والنظام العربي وفرا الغطاء للاستيطان والتهويد والضم

وتقتضي الضرورة في ذكرى يوم الأرض، التوقف أمام الحقائق التالية:

  1. أن مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية؛ دخلت مرحلة غاية في الخطورة، جراء تساوق معظم أطراف النظام العربي الرسمي، مع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التصفوية ، ما سهل وغطى زيادة إجراءات العدو الصهيوني، في خلق حقائق أمر واقع استيطانية على الأرض يستحيل معها قيام دولة فلسطينية على الأرض.
  2. أن اتفاقيات أوسلو وما تفرع عنها لاحقاً، شكلت غطاءً للتهويد والاستيطان، عندما رحلت قضيتي الاستيطان والقدس إلى مفاوضات الحل النهائي، دون أن تسندهما بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة التي تعتبر الاستيطان وضم القدس غير شرعي وباطل قانونياً.

إذ إنه وفق تقرير مركز الأبحاث التابع لموقع عرب 48، فإن عدد المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية و القدس المحتلتين، تضاعف من 144 مستوطنة قبل توقيع اتفاق أوسلو إلى 515 مستوطنة وبؤرة ونقطة استيطانية حتى أيلول/سبتمبر 2018.

وهذا الاختلاف في عدد المستوطنات، بين تقرير هيئة الجدار والاستيطان وتقرير مركز الأبحاث التابع لموقع عرب 1948 ، يكمن في وجود نقاط ومستوطنات عشوائية، ومستوطنات ذات طابع صناعي ، وقواعد عسكرية وردت في تقرير المركز .

كما تضاعف عدد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بأكثر من ثلاث مرات وارتفع من 252000 قبل أوسلو إلى حوالي 834000 مستوطن اليوم؛ أكثر من نصفهم يعيشون في القدس ومحيطها.

ووفق تقرير مركز الابحاث التابع لموقع عرب 48، فإن مساحة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها لصالح المشروع الاستيطاني، والتي كانت تبلغ مساحتها قبل اتفاق أوسلو حوالي 136000 دونم أصبحت حوالي 500000 دونم أي بزيادة قدرها حوالي 368% مقارنة ما كانت عليه.

  1. أن القيادة المتنفذة في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، لم تستفد من تجاربها مع العدو الصهيوني ومع الإدارة الأمريكية، إذ إنه وبعد مرور (33)عاماً على اتفاقيات أوسلو وما تفرع عنها من اتفاقيات لا زالت تتمسك بذات النهج الذي سهل مهمة العدو في الاستمرار في قضم الأرض والاستيطان، وفي استكمال تهويد القدس.
  2. أن معاهدات التطبيع لا سيما "الإبراهيمية" منها وفرت غطاءً سياسياً لعمليات التهويد والاستيطان، بعد أن تنازلت عن مبادرة الأرض مقابل السلام الصادرة عن قمة بيروت عام 2000 على سوءتها، كما أنها وفق هذه المعاهدات، تساوقت مع خطة صفقة القرن التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2020 ، وتقضي بطرح الحل الاقتصادي للقضية الفلسطينية دون الاتيان على ذكر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية والتاريخية المشروعة
  3. النظام العربي الرسمي، بما فيه م.ت.ف، ومنذ توقيع اتفاقات أوسلو وصولاً إلى تفاهمات أنابوليس، والمفاوضات التي تلتها، وصولاً لخطة صفقة القرن وخط ترامب 2025، وفر الغطاء السياسي، للعدو الصهيوني، في مصادرته للأرض والاستيطان من خلال إشاعة الوهم أمام المجتمع الدولي، بوجود إمكانية عبر المفاوضات، لحل القضية الفلسطينية بشكل عادل وبما يضمن الانسحاب من الأراضي المحتلة، مما سهل مهمة العدو الصهيوني في فرض الوقائع الجديدة على الأرض، من استيطان وجدار وتهويد للقدس، وتحويل الضفة الغربية إلى مجرد كانتونات معزولة.

وأخيرا : من واقع رصد عمليات الاستيطان بعد قمة بيروت عام 2000 واندلاق النظام العربي على التسوية مع العدو الصهيوني ، يمكن الجزم بوجود علاقة طردية بين تهافت النظام العربي الرسمي، ومن ضمنه السلطة الفلسطينية على عملية (السلام)، وبين تعاظم شهية الاحتلال في قضم الأراضي والاستيطان والإمعان في الممارسات القمعية والاحتلالية.