- " كن شرسا وأنت تدافع عن الحق، فهذا العالم المتوحش لا يحتمل المزيد من الجبناء ".
الثائر الأممي " جيفارا ".
-" قلّما جاد التاريخُ علينا بشخصٍ يَجمع التفاني، إلى الذكاءِ، والاختراعِ، ومَلَكَةِ القيادة. وديع حدّاد واحدٌ من هذه القلّة القليلة التي تمرّ في التاريخ خَطْفًا، لكنّها تترك في الدنيا "دَوِيًّا ".
المناضل اللبناني، الكاتب، الناقد، المترجم، والأديب الراحل " سماح إدريس ".
مدخل:
كانت الولادة عام 1927 في مدينة صفد، عاصمة الجليل الفلسطيني، التي وصفها رفيقه الحكيم بكلمات مُكثفة: " وديع حداد، السنبلة التي نبتت في صفد، وعندما جاء الغزاة وجدوا السنبلة، رُمحا "1. لم يبق الرمح منفردا، لأن تلازما ً امتد بينهما على مدى ثلاثة عقود تقريبا، جمع الطالبان دراسة الطب بالجامعة الأمريكية في بيروت " وديع حداد و جورج حبش "، وجلسات المنتديات، وصخب الحوارات، وساحات المظاهرات، ومن ثم إلى تشكيل النواة المؤسسة لحركة القوميين العرب، وقيادة امتدادها الفلسطيني الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. إن "حبش من دون وديع حدّاد، ووديع حدّاد من دون حبش، كان بمثابة المعادلة الناقصة، أو المزيج الكيميائي الخالي من العنصر المُحفّز" 2 .
وديع حداد / أبوهاني، ليس اسما نتذكره في يوم رحيله (28 / 03 / 1978) فقط، لأن هذا القائد " الاستثنائي" كما وصفه، رفيق درب كفاحه، وتوأم روحه “جورج حبش "، أعطى للكفاح التحرري للشعب الفلسطيني، والأمة العربية، والنضال الإنساني / الأممي، في مواجهة التوحش الاستعماري في فلسطين والعالم، كل حياته، التي كانت " دائما ثورة " كما كتب أنطونيو غرامشي. تلك " الاستثنائية " كانت، وستبقى طوال حياته، روح الثورة، وتوهجها، التي ترجمها القائد الراحل في رسم قواعد المواجهة الدائمة؛ الاشتباك الدائم مع الغزاة المحتلين، وداعميهم، من خلال الشعار / الهدف: " وراء العدو في كل مكان " الذي تفرد بصياغته، وترجمته ميدانيا: العنف الثوري المنظم. لهذا، بدأ بتأسيس جبهة كفاحية، أممية / عالمية، انطلاقا من الفهم المشترك بين طبيعة المشروع الاستعماري الصهيوني، الاستيطاني، والإحلالي في فلسطين، والمشروع الاستعماري الأوروبي في أفريقيا وأميركا الشمالية وأستراليا، من حيث السياسات والخطط المتبعة في التطهير العرقي، لأصحاب الأرض الأصليين " الملوَّنين "على يد وسلاح المستعمرين " البيض "، دعاة نشر الحضارة من خلال الإبادة.
وقد انضوت في هذه الجبهة الأممية تشكيلات ثورية من اليابان " الجيش الأحمر"، مرورا بجماعة " بادر- ماينهوف " الألمانية، وانتهاء ً بالمجموعات اليسارية في نيكاراغوا، وفنزويلا. وقد شارك أعضاء من هذه القوى، في عدد من العمليات العسكرية التي أشرف على التخطيط لها ومتابعة أدق تفاصيلها، القائد الاستثنائي، وهي تُنَفّذ على الأرض وفي الفضاء.
الوديع والعنف الثوري
تملكت القائد الاستثنائي، منذ بداية تكوينه السياسي والنضالي، فكرة واحدة تقوم على فلسفة بسيطة، جذرية، لا تحتاج إلى تفسيرات أو تبريرات، تقوم على التالي: العنف الذي يمارسه الغزاة المستعمرين من خلال كل أشكال القتل والإبادة لتحقيق الاستيلاء على الأرض وطرد أصحابها الأصليين، تتطلب مواجهته، عنفا مضادا، يمارسه المضطهدون، الذين احتلت أرضهم وتعرضوا خلال عمليات الغزو والاحتلال إلى المذابح والاقتلاع من وطنهم الأبدي، لإحلال مجموعات بشرية أخرى.
تنسجم هذا الفكرة مع مجموعة المفاهيم والاستنتاجات التي صاغها " فرانز فانون " في كتابه الأكثر انتشارا "معذبو الأرض"، الذي أكد فيه على أن محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائماً لأن ذلك يبدل الكون تبديلاً تاماً. لذلك لا يمكن أن يكون ثمرة تفاهم ودي، فالعنف الثوري ليس فعلًا إرهابيًا أو نزوعًا عدوانيًا بلا هدف، بل ممارسة تاريخية واجتماعية، للرد على فعل عنيف يمارسه المستعمرون، ويتم ذلك، من خلال نشر وتأصيل الثقافة / الوعي للتأكيد على الانتماء للوطن والجماعة / الشعب، وبالتالي، مقاومة الوجود الاستعماري بمختلف أشكاله؛ الاحتلال، التهجير، الاقتلاع، والمجازر، بهدف طرد وكنس الاستعمار، ليس من أجل استرداد الأرض، فقط ، بل من أجل امتلاك المُستعمَر لكرامته وإنسانيته، في تكامل تحرير الوطن مع استرداد كرامة الإنسان / المواطن . لهذا، فإن العنف الفردي ضد الغزاة المحتلين كما مارسه في الميدان، المئات من أبناء الشعب وبناته، في مسيرة الكفاح لم يكن ثأرا شخصيا، بل هو رد فعل جماعي يُنفذه فرد / عدد محدود من الأفراد، كما في عمليات عديدة، نذكر منها على سبيل المثال فقط " اغتيال رحبعام زئيفي 17 / 10 / 2001 ، عملية مقهى الويمبي، بيروت، ضد ضباط جيش العدو المحتل 24 / 9 / 1982 ". في مشهد متخيل عن العملية الأولى، نقرأ ما كتبه " باسل الأعرج " في استنتاج دلالاتها من حيث أنها تعبير عن المخزون الثقافي التحرري عند الشعب " ثلاث رصاصات في النصف العلوي من الجسم، حملتها كل آهات المستضعفين في الأرض، صراع التحرر والاستعمار لُخِصَ في موقفٍ لم ينزل عينيه من عيني زئيفي... استدار حمدي - قرعان – فالتقت عينيه في عيني باسل – الأسمر – فرأى كل فلسطين في تلك العينين" 3.
ذكرى رحيل القائد، ليست طقسا موسميا للاحتفاء بقائد مميز، بل هي وقفة لدراسة التجربة الثورية لـ " أبي هاني"، من أجل التعلم على نقل النظرية من حيز الفكرة إلى ميادين التطبيق. لذا يصبح ضرورياً استحضار الروح الثورية للقائد الفذ، في زمن السقوط الوطني والقيمي لدى " البعض" ممن يعتقدون أن تسويق " ليس بالإمكان أفضل مما كان " على أنه، انتصار. لكن " أبو هاني" أكد على أن النصر الحقيقي له تعريف محدد في تفكيره ونهجه " أنا بلدي اسمها صفد... لا أقبل إن عُرضت علينا كل فلسطين باستثناء صفد، وأرفضها إذا عُرضت مع صفد واستُثني منها بيتي، وأرفضها إذا عُرضت مع صفد وبيتي واستُثني منها شبر واحد. هذه هي مواقفنا وهذا هو مشروعنا للتحرير. خطنا هو حرب الشعب الطويلة الأمد وسياسة الاستنزاف التي ستؤدي إلى إصابة الجسم الإسرائيلي القوي بفقر الدم والانهيار".
خاتمة
في هذه الأيام ونحن نحيي ذكرى رحيل وديع حداد، في ظل ظروف بالغة التعقيد، نسمع عبارة " أبو هاني كم نحن بحاجة لك" تتردد على ألسنة العديد من الناس المسكونين بالقضية الوطنية، تلك العبارة رددها قبل عقد من الزمن تقريبا، رفيق درب القائد الاستثنائي، رجل المهمات الأكثر دقة، "ماهر اليماني"، قائلا " أكبرُ ظلمٍ يمكن أن نعبّر عنه هو ما يعبِّر عنه المقهورون اليوم ــــ أكانوا أعضاءً في الجبهة الشعبيّة أمْ أناسًا عاديين ــــ وأعني: حاجتَهم اليوم إلى وديع حدّاد وما يمثّله!" 4.
الهوامش:
1_ مقتطف من كلمة نعي" الحكيم " لرفيق عمره، ودرب نضاله. صحيفة صوت الثورة الأسبوعية – الصادرة عن اللجنة الإعلامية للجبهة الشعبية لتحرير عُمان – 15 / 4 / 1978.
2 _ أسعد أبو خليل – ظاهرة وديع حداد – جريدة الأخبار اللبنانية – السبت 4 كانون الثاني 2014.
3 _ كتاب " وجدت أجوبتي، هكذا تكلم الشهيد باسل الأعرج – مدونات بانوراما اغتيال زئيفي- ص 244.
4 _ حوار " يسري الأمير " مع القائد العسكري، الراحل " ماهر اليماني " - موقع مجلة الآداب اللبنانية – 17 / 3 / 2017

