فتحية دبش مبدعة تونسية تعيش بين عالمين متناقضين: جذورها العربية واغترابها في فرنسا، وما يلفت الانتباه في تجربتها الإبداعية نزوعها إلى المغامرة والتجريب والتجديد وإثارة التساؤلات العميقة بحثاً عن هوية إنسانية مسؤولة تنقذ البشرية من القتل والدمار والعنف والتطرّف والتمييز.
ضيفتنا غزيرة الإنتاج الأدبي ومن أعمالها: رواية (ميلانين) الحائزة على جائزة كتارا عام 2020، ومجموعة قصصية قصيرة جداً بعنوان (رقصة النار)، و(صمت النواقيس) وهو نصوص سردية عابرة للتجنيس جمع بين القصة والخاطرة، وفي الترجمة عن الفرنسية (البحث عن دريدا)، بالإضافة إلى دراسات نقدية عديدة في القصة الوجيزة. هذا الحوار محاولة للتعرّف إلى عالم فتحية دبش المبدعة والإنسانة التي تعاملت مع الواقع المعقّد بين الشرق والغرب وصنعت من تناقضاته مشروعاً إبداعياً متميزاً وخاصاً في طرحه الفكري.
ولديها قيد النشر مخطوطات ومشاريع كتابية ما بين القصة والرواية والترجمة والنقد.
(ميلانين) ليست سيرة ذاتية
- لنبدأ من (ميلانين): من يقرأ الرواية لا بدّ أن يشعر بوجود هوامش متداخلة ما بين الذاتي الواقعي والمتخيل الروائي.. كيف حققتِ المعادلة الصعبة ضمن هذا التوازن بين الاشتراطات الفنية للسرد وبين رغبتك في تقديم نص أدبي منشغل بكتابة الذات؟
لنتفق أولاً على أن (ميلانين) لا تندرج ضمن أدب الذات. إذ لا أتحدث فيها عن تجربتي الخاصة حتى وإن اعتمدت على جملة من التقنيات كالتخييل الذاتي، فإن ذلك لم يكن إلّا حيلة سردية وأداة تقنية لكتابة رواية توهم بالواقعية والواقعية ليست الذاتية.
الكاتب ابن واقعه ولذلك نجد في كل النصوص هوامش تدل على زمنه أو مكانه، أو انشغالاته، ولكن ذلك لا يعني البتة أن ما يكتبه هو أدب ذات. وبالمجمل فالشخصيات والواقع في (ميلانين) يشبه واقع الناس في زمن كتابتها ولعل ذلك واحد من عوامل رواجها.
الأدب عابر لكل الحدود
- استلهامك للمحات من تجربتك الخاصة في الرواية يشجعني لسؤالك عن الحياة في فرنسا كدولة تتبنى شعار "الحرية والإخاء والمساواة" و لا تعترف بالمشاكل العنصرية فيها رغم بشاعتها.. كيف تصفين هذه الحياة من منظورك الخاص كامرأة تونسية سمراء مهاجرة؟
الحياة في فرنسا تشبه الحياة في كل بلد. وكامرأة سوداء فإن ما يمكن أن أتعرض له في فرنسا أتعرض له أيضاً خارجها! الفرق الوحيد بين هذه البلدان هو القوانين.
هناك بلد له قوانين يمكن الاستعانة بها وهناك بلد لا قوانين فيه تحمي المختلفين. وعلى رغم النواقص الكثيرة والنفاق المجتمعي والقيمي والأخلاقي الذي نلمسه في ظل زحف سياسات اليمين المتطرف إلّا إنني أدرك تماماً أن الأسر المهاجرة تواجه الأسئلة نفسها في كل زمان ومكان داخل فرنسا وخارجها.
- ما يلفت الانتباه أن الرواية تنشغل بسؤال الشرق– غرب أود أن أعرف رأيك كمثقفة عربية: ما جدوى الحوار مع الآخر ضمن الحديث المتكرر عن (حوار الأديان، حوار الثقافات)؟ وهل الغرب مهتم فعلياً بترسيخ هذه الفكرة كآلية ثقافية مهمة لمدّ الجسور مع العرب والمسلمين أم أن الحوار مجرد شعار برّاق لا أكثر؟
لنقل أولاً أننا بصدد عمل روائي وليس عملاً تاريخياً ولا هو عمل مختص في العلاقات بين الشرق والغرب أو حوار الأديان أو ما إليه من هذه الاختصاصات. وطبيعة العمل الروائي عموماً هي تقديم تجارب إنسانية قد تلتصق بواقع المجتمعات وأسئلة الراهن وقد لا تفعل.
وبالمجمل فالرواية تعبير عن موقف دون أن يعنيني اهتمام شق أو آخر بفكرة مدّ الجسور بين الشعوب. لكن كنت دائماً أفكر بأن الأدب عابر لكل هذه الحدود والدليل أننا نقرأ روايات من كل الثقافات ولا نخرج منها كما دخلناها.
- ماذا عن فلسفة الهوية التي تبنيها وراء هذا العمل ككاتبة تجعل من الإنسان قضيتها الأولى؟ وفي هذا الإطار: هل تعتقدين أن هناك إمكانية لتحقيق ما تؤمنين به حول فكرة "الإنسان الكوني" وسط عالمنا الذي تزداد فيه أزمات الانتماء والتطرف والنزعات الانفصالية العنف المسلح والتعصب والصراع؟
أظل مؤمنة بأن هناك فكرة لا تموت. وفلسفة الإنسان الكوني تمثّل بنظري قشّة النجاة التي تنقذنا من هذه المجازر والدماء والخراب حتى وإن كانت الشرور دوماً غالبة على العيش المشترك.
- لدي فضول لأعرف لماذا لم تقدّمي رواية جديدة رغم مرور أكثر من خمس سنوات على صدور روايتك الأولى (ميلانين) وفوزك بجائزة مهمة؟ ما السبب؟!
بعد (ميلانين) أصدرت جملة من الكتب وفي أغراض متفرقة. من يتابعني يدرك أنني أشتغل كثيراً وفي مجالات إبداعية مختلفة وليس لي هاجس الرواية الثانية أو الجائزة الثانية أو غيرها... هاجسي هو الكتابة وليس الرواية رغم وجود مسودتين على الأقل بانتظار النشر.
تجربتي تنزع إلى التجريب
" - صمت النواقيس" تُقرأ من زوايا عدة على مستوى: (النوع، الأفكار، اللغة، المواضيع) ما التحديات التي واجهتك في المزج بين التجريب الشكلي والقضايا الاجتماعية الجريئة التي طرحتها في مجموعة متحررة من التصنيفات؟ وهل نتوقع أن يكون هذا العمل بداية لمشروع إبداعي سيتطور لاحقاً؟
صمت النواقيس" هو وجه من وجوه تجربتي الأدبية التي تنزع إلى التجريب والوفاء لجملة من الثيمات التي تشغلني. وأعتبره من أهم ما سيبقى بعدي.
- لنقف قليلاً عند تجربتك في كتابة القصة القصيرة جداً في ضوء ما كتبته من نصوص في "رقصة النار".. ما الصعوبات التي واجهتك في هذا العمل؟
للأمانة فإن الصعوبات التي يواجهها الكاتب في كل نص هي صعوبات تمنح الكتابة قداستها. والقصة القصيرة جداً هي قصة مرهقة للكاتب والقارئ على حد السواء وعموماً تتعلق دوماً بالتحدي الأدبي لغة وأسلوباً وتقانات وغيرها.
- هناك من يرى بأن مستقبل هذا النوع من الأدب سيزدهر كونه يتناسب مع طبيعة العصر من حيث التكثيف والإيجاز والسرعة.. ما رأيك ككاتبة وناقدة مهتمة بالقصة الوجيزةً تأليفاً ونقداً؟
القصة القصيرة جداً ليست نتاج هذا العصر لكنها ازدهرت فيه بحكم دمقرطة فعل الكتابة والنشر بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي التي تسمح مساحاتها بمثل هذه الكتابات. وأنا مؤمنة بأن هذا النوع من الكتابة سيشغل المهتمين طويلاً لأنه إلى حد اللحظة يثير أسئلة النقاد ويقلق المبدعين عن أسره في قواعد ثابتة.
- وكيف تتصورين مستقبل الكتابة الإبداعية في ظل التحولات الرقمية وهيمنة الذكاء الاصطناعي؟
في الحقيقة لا أشغل نفسي كثيراً بهذا الأمر. بل ربما رأيت أن التحولات الرقمية ساهمت في انتشار الأدب، وحفزّت القراء على الاكتشاف، وفتحت مجالات أخرى لم تكن ممكنة قبل ذلك. وأما الذكاء الاصطناعي فإنه وجه من وجوه هذه التحولات. ويجب التعامل معه بذكاء بشري وحساسية لا يملكها.
الكتابة فعل سياسي
- كيف تجدين واقع الرواية في تونس بعد موجة "الربيع العربي" ؟
الإجابة على هذا السؤال تحتاج مني الدقة ولكنني عاجزة عليها بحكم عدم إقامتي في تونس. ولكن بالمجمل تشهد الرواية التونسية ازدهاراً وانتشاراً واسعين وتشتغل على ثيمات مختلفة عن مثيلاتها في العالم العربي وهذا مصدر فخر لها.
- لكن بعض النقاد يرى أن الانغماس في عالم "الأنا" والتعامل مع الأدب بروح تجارية حوّل الرواية التونسية إلى سلعة جذّابة بعناوين صارخة وقضايا هامشية لا تمثّل حياة الناس الحقيقية .. ما رأيك؟
ومن ذا الذي قرأ كل روايات العالم وكل روايات تونس حتى يتمكن من الإدلاء برأي كهذا؟! هؤلاء الذين يتحدثون بهذا اليقين ويحكمون هذا الحكم لا أعتبرهم نقاداً ولذلك لن أناقش وجهة نظرهم.
فلسطين أكثر من ذاكرة..
- لنقف قليلاً عند كتابك (أكثر من ذاكرة).. أي ذكريات حملتها مخيلتك الإبداعية خلال رحلتك إلى فلسطين؟ هل من موقف أو لحظة مؤثرة عشتها هناك؟ وكيف غيّرت هذه التجربة نظرتك للحياة والإنسان ولصوتك السردي عموماً؟
“أكثر من ذاكرة" هو كتاب يحمل صدى رحلتي إلى فلسطين وبالتحديد الضفة الغربية حيث كنت مدعوة للمشاركة في فعاليات ملتقى غسان كنفاني للرواية العربية في دورة 2023.
هذه الرحلة أو الزيارة كما يسميها الفلسطينيون لم تكن مطلقاً حدثاً عابراً ولا سفراً كالسفر، كانت بمثابة التحول في رؤيتي للأشياء والعالم وحتى للكتابة.
أيام قليلة ولكنها كثيرة بعد المعنى والفكرة والالتزام. أدركت معنى أن يكون هناك احتلال وقيود وحواجز وسردية. اكتشفت أيضاً مدى قوة الكتابة في حفظ الذاكرة واستمرار السردية وأيضاً مدى الرعب من الكتابة عن فلسطين!!
أحداث كثيرة كانت مفصلية ومواقف كثيرة تركت أثراً عميقاً في نشأة الكتاب وكذلك في تحول نظرتي للقضية. ففلسطين التي رأيت لم تعد مجرد قضية هوية إنما هي إنسانية لا تتحكم فيها أديان ولا سياسة.
ببساطة هي معركة الإنسان ضد القيد والمحو والتغييّب. ولعل الكتابة من طرف كتاب وكاتبات غير فلسطينيين وغير فلسطينيات هي وجه من وجوه الحقيقة التي لم نكن نعرفها.
- وماذا عن دور المبدعين العرب في تشكيل وصون السردية الفلسطينية ومواجهة الرواية الإسرائيلية؟
المبدع بصفة عامة مسؤول عن صون السردية الفلسطينية أمام المحو والتفتيت. تلك قناعتي، وأعتقد أنه من واجبنا أن نكتب عن فلسطين ليس لمجرد الكتابة وإنما لحفظ الذاكرة وكشف ما لا يراه الرائي من وراء شاشات الحواسيب.
- ولكن يسود اعتقاد بأن علاقة المثقف والسياسي زادت شرخاً خلال العقد الأخير.. كيف تردّين على ذلك؟
الكتابة فعل سياسي مهما حاولنا تنقيتها من السياسة، وذلك لأن العلاقة ليست بين المثقف والسياسي وإنما هي علاقة بين المثقف والسياسة.

