Menu

فلسطين في شهر آذار متغيرات الحرب التي تصنع الفرق

موسى جرادات

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

مما لا شك فيه ان هذه الأيام تعد لحظات مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية

حيث الحرب الدائرة رحاها بين إيران ومحورها المقاوم وبين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، في العديد من الساحات ، فما يترتب عليها سيكون هو الفيصل والحكم.

ففي شهر آذار ومع كل المتغيرات ماتزال قوات الاحتلال وأجهزته القمعية تواصل بنفس وتيرة التصعيد بحق الأهل في مختلف المناطق الفلسطينية سواء في غزة أو الضفة الغربية ومناطق 1948 .

من حيث عمليات الحصار المطبق على قطاع غزة ، والإغتيالات المتواصلة وسياسة القضم التدريجي عبر توسع الخط الأصفر في القطاع، وتقليص حجم المساعدات الداخلة إليه، يضاف إلى تجميد خطة وقف إطلاق النار ، وعدم الوفاء بمحطتها الثانية، أما على صعيد الضفة الغربية، فسياسة الاعتقالات والمداهمات ما تزال متواصلة وقد عمت مختلف المدن والمخيمات والقرى، مع حملة مسعورة من قطعان المستوطنين، التي ما تزال تهاجم العديد من القرى الفلسطينية وتعتدي على ممتلكات المواطنين، بالإضافة إلى إقامتها العديد من البؤرة الاستيطانية على جغرافيا الضفة وعلى وجه التحديد مناطق (ج) وفق تسميات اتفاق أسلو المشؤوم، أما في القدس ما يزال المسجد الأقصى مغلقا على المصليين منذ بداية الحرب ، وهي أطول فترة إغلاق منذ احتلال الضفة الغربية في العام 1967 ، حيث يرى بعض المراقبين أن السلوك الاحتلالي هو مقدمة إلى إعلان السيطرة عليه فعليا ، وهذا الفعل يتوج سلسلة إجراءات متصاعدة سلكتها حكومة الاحتلال اليمينية في السنوات الأخيرة.

أما في مناطق ٤٨ فما زالت الجريمة متواصلة على الرغم من استمرار الحرب ، وهي تحظى بغطاء أمني صهيوني، وعبر بهتان كل الحجج التي تقدمها الأجهزة الأمنية الصهيونية لتبرأت نفسها من الوقوف وراء الجريمة المنظمة والتي تفتك في الأهل هناك، أما النقطة الأخرى فقد كشفت الحرب حجم الإهمال المتعمد بحق الأهل بتلك المناطق، حيث لا ملاجئ تقيهم من الإستهدافات الصاروخية المتواصلة منذ شهر، أما على صعيد السياسة فهناك حملة صهيونية مسعورة لمنع أي تحرك سياسي جامع لكل القوى السياسية في مناطق ٤٨ والتي بدأت قبل أشهر قليلة بناء مشتركات سياسية وحدوية وخاصة في مواجهة عصابات الاجرام في مناطقهم ومن يغطيهم.

وإذا ما نظرنا إلى الصورة العامة للصراع في هذه اللحظة التاريخية، فإن ما يجري لا يمكن عزله عن التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة. فالحرب الدائرة ليست مجرد جولة عسكرية تقليدية بين أطراف متقابلة، بل هي صراع مفتوح على شكل النظام الإقليمي ومستقبل موازين القوى فيه.

لقد دخلت القضية الفلسطينية مرة أخرى إلى قلب المعادلة، بعد سنوات حاول فيها المشروع الصهيوني ومن خلفه الإدارة الأمريكية دفعها إلى الهامش، عبر مشاريع التسوية العقيمة ومسارات التطبيع التي استهدفت تفكيك الإجماع العربي حول مركزية فلسطين.

غير أن مسار الأحداث خلال السنوات الأخيرة أثبت أن فلسطين ليست قضية يمكن تجاوزها أو القفز فوقها. فكلما ظن المشروع الصهيوني أنه تمكن من تطويقها سياسياً وأمنياً، تعود لتفرض نفسها من جديد باعتبارها بؤرة الصراع الأساسية في المنطقة.

في هذا السياق، جاءت الحرب الحالية لتكشف عن هشاشة الرهان الصهيوني على الحسم العسكري، ولتؤكد أن الشعب الفلسطيني ما زال يمتلك عناصر القوة التي تمكنه من الاستمرار في معركة التحرر الوطني، رغم كل أشكال الحصار والقمع والإبادة.

إن ما يجري في قطاع غزة تحديداً يمثل نموذجاً صارخاً لسياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال، حيث يحاول عبر الحصار الخانق والتدمير الممنهج للبنية التحتية كسر إرادة السكان ودفعهم نحو الاستسلام. إلا أن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن هذه السياسة لم تفلح في تحقيق أهدافها، بل على العكس ساهمت في تعزيز حالة الصمود الشعبي وتكريس قناعة عميقة لدى الفلسطينيين بأن المواجهة مع الاحتلال هي معركة وجود وليست مجرد صراع على شروط حياة أفضل.

أما في الضفة الغربية، فإن الاحتلال يسعى إلى استثمار انشغال المنطقة بالحرب لتسريع مشروعه الاستيطاني، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض تجعل من قيام دولة فلسطينية مستقلة أمراً شبه مستحيل وفق التصور الصهيوني.

فالتوسع الاستيطاني في مناطق (ج)، وشق الطرق الالتفافية، وإقامة البؤر الاستيطانية العشوائية، كلها خطوات تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية بما يخدم مشروع الضم الزاحف.

وفي الوقت ذاته، تعمل المؤسسة الأمنية الصهيونية على إبقاء الضفة في حالة استنزاف دائم عبر الاعتقالات اليومية والاقتحامات المتكررة للمخيمات والقرى، في محاولة لمنع تشكل حالة مقاومة منظمة يمكن أن تتحول إلى انتفاضة شاملة.

أما مدينة القدس، فهي تبقى في قلب المشروع الصهيوني الاستعماري، حيث يسعى الاحتلال إلى فرض سيادته الكاملة عليها، ليس فقط عبر الإجراءات الأمنية، بل أيضاً من خلال تغيير طابعها الديمغرافي والثقافي والديني.

إغلاق المسجد الأقصى لفترات طويلة، وتقييد دخول المصلين، والسماح المتزايد باقتحامات المستوطنين، كلها خطوات تأتي في سياق خطة متدرجة تهدف في النهاية إلى فرض تقسيم زماني ومكاني للمسجد، وربما الذهاب أبعد من ذلك نحو فرض سيطرة كاملة عليه.

وفي الداخل الفلسطيني في مناطق ٤٨، تتجلى سياسة الاحتلال بشكل مختلف لكنها لا تقل خطورة. فانتشار الجريمة المنظمة هناك ليس ظاهرة اجتماعية عفوية، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال والتغاضي التي تمارسها السلطات الصهيونية، والتي تسمح لعصابات الإجرام بالتمدد داخل المجتمع العربي الفلسطيني.

لقد أصبح واضحاً أن هذه الظاهرة تستخدم كأداة لإضعاف المجتمع الفلسطيني في الداخل، وإبقائه منشغلاً بصراعاته الداخلية، بعيداً عن الانخراط في الفعل السياسي الوطني.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات جدية من قبل القوى السياسية والفعاليات الشعبية في مناطق ٤٨ لبناء إطار وحدوي قادر على مواجهة هذه الظاهرة، وهو ما يفسر الحملة الصهيونية الشرسة التي تستهدف منع تشكل مثل هذا الإطار.

في المقابل، فإن الحرب الإقليمية الجارية تعيد رسم خطوط الاشتباك في المنطقة، حيث لم تعد المواجهة محصورة في حدود فلسطين التاريخية، بل امتدت إلى ساحات متعددة.

هذا التمدد في ساحات الصراع يعكس حقيقة أن القضية الفلسطينية أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، وأن أي محاولة لحسمها بالقوة العسكرية ستصطدم بتوازنات معقدة تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية.

إن أحد أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه المرحلة هو أن المشروع الصهيوني، رغم كل ما يمتلكه من قوة عسكرية ودعم دولي، ما زال عاجزاً عن تحقيق الاستقرار الذي يسعى إليه. فكل جولة من جولات الصراع تترك وراءها مزيداً من التوتر والتصدعات داخل المجتمع الصهيوني نفسه، الذي يعيش حالة متزايدة من القلق الوجودي.

وفي المقابل، فإن الشعب الفلسطيني، رغم كل التضحيات الجسيمة التي يقدمها، يثبت مرة بعد مرة قدرته على الصمود والاستمرار في النضال.

إن المعركة الجارية اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي صراع طويل على الرواية والهوية والحقوق التاريخية. وفي مثل هذا الصراع، لا يكون النصر دائماً لمن يمتلك القوة الأكبر، بل لمن يمتلك الإرادة الأطول نفساً.

ومن هنا يمكن القول إن شهر آذار الحالي قد يسجل في ذاكرة الفلسطينيين كأحد الأشهر التي كشفت بوضوح طبيعة المرحلة الجديدة من الصراع، مرحلة لم تعد فيها القضية الفلسطينية شأناً محلياً معزولاً، بل جزءاً من معادلة إقليمية ودولية أكثر تعقيداً.

وفي ظل هذه المعادلة، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الفلسطينيين أنفسهم على تعزيز وحدتهم الوطنية، وبناء استراتيجية كفاحية شاملة تجمع بين مختلف أشكال النضال السياسي والشعبي والمقاوم.

فالتاريخ يعلمنا أن حركات التحرر الوطني لا تنتصر فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في قدرتها على بناء مشروع وطني جامع يلتف حوله الشعب بكل مكوناته.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم هو تحويل حالة الصمود الأسطوري التي نشهدها في غزة والضفة والقدس والداخل إلى قوة سياسية منظمة قادرة على فرض معادلات جديدة على أرض الواقع.

عندها فقط يمكن القول إن التضحيات الهائلة التي يقدمها الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة لم تذهب سدى، بل كانت خطوة أخرى على الطريق الطويل نحو الحرية والعودة والاستقلال.