في 28 شباط 2026 شنت الولايات المتحدة الأمريكية وكيان الاحتلال الإسرائيلي عدواناً واسعاً على إيران ولبنان، وهذا العدوان جاء بعد أشهر من حرب الـ 12 يوماً في حزيران عام 2025، والهدف من هذه الحرب العدوانية هو إعادة رسم وتشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية ترامب- نتنياهو المرتبطة بمشروع (إسرائيل الكبرى).
تؤكد معظم المواقف والتحليلات الإقليمية والدولية بأن المشكلة الحقيقية لدى الإسرائيليين والأمريكيين لم تكن تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني بحد ذاته، بل بالقدرات الإيرانية وخاصة البرنامج الصاروخي، وعلاقات إيران مع قوى المقاومة في المنطقة. وعندما طلبت الولايات المتحدة وضع مسألة قدرات إيران الدفاعية على جدول أعمال المفاوضات تحول الصراع إلى مسألة وجودية لا مساومة فيها ولا تراجع، وكان هناك ما قبل العدوان مفاوضات وصفها وزير الخارجية العماني بأنها قريبة جداً من تحقيق اختراق، بعد أن أكدت إيران التزامها بعدم صنع قنبلة نووية إطلاقاً، لكن الإدارة الأمريكية اختارت الحرب بدل الاتفاق، واختارت إيران المواجهة وعدم الاستسلام، ولم تكن المفاوضات بالنسبة للولايات المتحدة سوى أداة لكسب الوقت لبدء الحرب وليس من أجل التوصل إلى اتفاق منصف وعادل كما دعت إيران.
قبل الحديث عن عوامل فشل العدوان في تحقيق أهدافه يجب الإشارة بأن الحسابات الداخلية في كل من واشنطن وتل أبيب تضغط باتجاه حرب غير طويلة وتحقيق إنجازات ولو كانت وهمية واستعراضية لاستثمارها من قِبَل ترامب في انتخابات التجديد النصفي في شهر تشرين الثاني المقبل، وكذلك بالنسبة لنتنياهو الذي يرى في الحرب فرصة لتعزيز صورته وحشد اليمين الصهيوني المتطرف في انتخابات الكنيست المقررة في شهر تشرين الأول المقبل.
عوامل الفشل:
وفي الحديث عن عوامل الفشل يبرز عاملان أساسيان في تحديد مسار ومستقبل الحرب والمفاوضات وهما مقتل جنود أمريكيين وارتفاع أسعار البنزين والتكلفة الباهظة للحرب على الاقتصاد الأميركي والإسرائيلي والعالمي، إضافة للتناقضات في مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول مضيق هرمز أو وقف الحرب دون إعلان الهزيمة أو الفشل.
العامل السياسي: وهو عامل يتأثر بالميدان الذي يضغط على المفاوضات التي أظهرت فيها إيران قوة وقدرة على امتصاص الضغوط وسط عدم قدرة الولايات المتحدة على حشد إجماع دولي شامل في العدوان على إيران، حتى من قبل دول أوروبا التي تبنت بعض دولها مواقف رافضة للحرب، إضافة لتحفظ الرأي العام الأميركي تجاه الحرب التي فشلت عبر الضغوط السياسية والعسكرية والسياسية والاقتصادية من إحداث أعمال شغب وفوضى ضد النظام في إيران الذي تمسك بخطابه السياسي المضاد للهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة، والتأكيد على أن فشل الأهداف السياسية للعدوان مرتبط بالصلابة والوحدة وعدم قدرة المعتدين على الحسم بقوة التكنولوجيا والسلاح.
العامل العسكري: فشلت كل التقديرات الأمريكية والإسرائيلية حول تحديد القدرات العسكرية لدى إيران والمقاومة في لبنان، حيث تبين أن عدد الصواريخ والمسيرات لدى كل من إيران والمقاومة أكثر بكثير مما يمتلكه الأمريكيون والإسرائيليون من صواريخ اعتراضية، كما أكدت الحرب رغم التفوق الجوي فشل أسلحة البر والبحر في الميدان، وأن الجو لا يحسم معركة ولا يحقق نصراً، وأن القدرة العسكرية على شن الحرب لا يعني كسبها، خاصة بعد أن فشلت ما سميت بالضربة الافتتاحية الحاسمة والإنجازات التكتيكية على صعيد الاغتيالات التي سرعان ما تحولت إلى فشل استراتيجي على صعيد تحقيق النتائج والأهداف. وقد نقلت قوة الرد الإيراني الحديث عن ما يسمى (إسرائيل الكبرى) إلى (إسرائيل الصغرى) خاصة بعد أن تم تفريغ منطقة الشمال من السكان بفعل صواريخ المقاومة وتمركزهم في منطقة الوسط الواقعة تحت نيران الصواريخ الإيرانية. وهذا ما جعل مساحة (إسرائيل) محصورة في غوش دان أو ما يعرف باسم تل أبيب الكبرى. وهذا ما جعل الأمريكيين والإسرائيليين يسألون ويبحثون عن كيفية الخروج من الحرب وليس كيف ينتصرون فيها.
العامل الاقتصادي: اعتبر العامل الاقتصادي الأكثر تأثيراً على مسار الحرب خاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز الذي يتم عبره مرور نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وهذا ما سبّب بحدوث قفزة في أسعار النفط والغاز وارتفاع أسعار المواد الغذائية وكلفة المعيشة في كل بلدان العالم، ولا يمكن فهم العدوان بمعزل عن العامل الاقتصادي الذي يتجلى في الصراع من أجل إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في المنطقة، بما يخدم المصالح الأمريكية الإسرائيلية، وهذا ما أفشله التصدي للعدوان الذي نتج عنه وجود ثقب أسود مالي وعسكري يستنزف المعتدين في المدى القريب والبعيد.
العامل الجغرافي: إيران دولة شبه قارة تبلغ مساحتها 1.648.195 كيلومتر مربع، وهي من أكبر دول العالم مساحة وتتميز بجغرافيا معقدة تمنحها ميزات دفاعية يصعب اختراقها عبر التضاريس الجبلية التي تشكل حواجز طبيعية دفاعية بمواجهة أي تقدم عسكري على الأرض لأنه سيكون مكلفاً ومعقداً لوجستياً، ويقع في دائرة الخطر الكبير، كما يخشى جيش الاحتلال الإسرائيلي من تضاريس جنوب لبنان التي تشكل بينة مثالية لحرب العصابات والمقاومة غير التقليدية إضافة إلى التداخل ما بين المدن والقرى على الصعيد السكاني والعمراني الذي يمنع السيطرة والتفوق العسكري والجغرافي هنا عامل مساعد لأصحاب الأرض بمواجهة العدو الإسرائيلي الذي يتباهى بالتفوق الجوي والاستخباري ولكنه يخشى من المعارك البرية والبحرية التي تعتبر من الأسباب الرئيسية لفشل العدوان.
العامل التاريخي: واجهت إيران عبر التاريخ الكثير من محاولات الهيمنة الخارجية التي ساهمت في بناء وعي سياسي واستراتيجي متراكم خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 التي أعادت صياغة هوية الدولة بناء على الاستقلال الحقيقي ورفض أي هيمنة خارجية، وهذا انعكس على بنية المؤسسات الوطنية الإيرانية وحصانتها على المستوى الداخلي رغم الاغتيالات التي لم تؤثر في ثقافة الصمود والثبات بمواجهة الضغوط والتحديات، والعامل التاريخي والجغرافي ساهم في رفع كلفة الحرب على المعتدين بحيث أصبحت القوة تقاس بقدرة الدول والشعوب وقوى المقاومة على توظيف الجغرافيا والتاريخ في استراتيجية الصمود والمواجهة ورفض الخضوع والاستسلام.
وقد ساهمت هذه العوامل في إفشال أهداف العدوان ومنها إسقاط النظام الإيراني الذي صممت هياكله القيادية على الصمود والثبات أمام أي عدوان، وتتميز بنية النظام الأمنية والعسكرية بالقدرة على التماسك والحفاظ على السلطة والمؤسسات الرسمية والبنية التحتية، وسط إدراك أميركي إسرائيلي متأخر بأن اغتيال القادة والقصف الجوي لن يسقط النظام، ولن تمنع الاغتيالات من الصمود والمواجهة ومعاقبة المعتدين في كيان الاحتلال وضرب قواعد ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة تحت عنوان عملية الوعد الصادق أربعة التي سيكون لها دور رئيسي في رسم معالم الشرق الأوسط الجديد خاصة في منطقة غرب آسيا.
حذار من الفوضى:
إن الفشل الأميركي الإسرائيلي وعدم القدرة على تحقيق النصر أو الاعتراف بالهزيمة قد يدفع الولايات المتحدة إلى أحداث فوضى في المنطقة، وتهديد أمن واستقرار دول كبرى في الإقليم وليس إيران وحدها، وهي التي أثبتت بأنها ليست نمراً من ورق في حرب سيكون لها تأثير كبير على المنطقة والعالم.

