Menu

شهداء السينما الفلسطينية.. هاني جوهرية_ إبراهيم ناصر _ عبد الحافظ الأسمر منارات مضيئة على طريق الثورة والنضال...

موسى مراغة

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في مطلع العام 1965، والتي حولت الشعب الفلسطيني من جموع من اللاجئين المشردين في خيام البؤس والتشرد وحياة الضنك والشقاء إلى شعب صاحب قضية، حمل السلاح وعرف الطريق لاستعادة الحقوق والأرض والديار، فأطلق الرصاصات مدوية في زمن الصمت والتآمر والخذلان وأعلن بداية الكفاح المسلح على طريق النصر.

ومثلما حمل أبناء الشعب الفلسطيني البنادق وساروا على دروب الشهادة لتحقيق الانتصار، كانت هناك جموع أخرى حملت أسلحة لا تقل في أهميتها وتأثيرها عن البندقية وشاركت في المعركة رديفاً للبندقية والرصاصة والمدفع.

فكانت الكاميرا المقاتلة، التي حملها جنود أشاوس ساروا مع الثوار جنباً إلى جنب، وأحياناً تقدموهم، ووثقوا بعدسات كاميراتهم العمليات الفدائية، وتضحيات الشهداء، وسجلوا كذلك مختلف التدريبات العسكرية التي كانت تتم في المعسكرات والمخيمات الفلسطينية. ونقلوا إلى العالم عبر الصورة حياة الشعب المناضل، فوثقوا نضالاته وتضحياته، وصور أفراحه وأتراحه وطموحاته ونقلوا عبر الأفلام والصور تاريخ فلسطين وشعبها وحضارته وأمجاده إلى العالم بأسره .

من هنا كان المصور الفلسطيني في الخنادق وفي جبهات القتال ضد العدو الصهيوني وعملائه، فسجل لحظات الاشتباك ووثق بسالة الثوار، وعلى هذا الدرب قدّم المصور الفلسطيني نفسه شهيداً وهو يقوم بواجبه النضالي، فهو لم يختبئ في الكهوف والخنادق، بل تقدم الصفوف ليكون شاهد الحقيقة على بسالة الثوار وغدر وجبن المعتدي.

شهيد السينما النضالية الأول، المصور والمخرج السينمائي هاني جوهرية...

يعتبر المصور والمخرج السينمائي هاني جوهرية أول فارس فدائي ترجل صهوة الشهادة في ميادين القتال والبطولة.. وغدا يوم استشهاده في 11 نيسان 1976 ذكرى شهداء السينما الفلسطينية النضالية...

ولد هاني جوهرية عام 1939، في القدس ، ودرس التصوير في القاهرة ولندن_ وفي العام 1966، استقر في الأردن وعمل في وزارة الإعلام الأردنية، ومن ثم انضم إلى حركة فتح الفدائية، وكان الشهيد هاني جوهرية قد قام بتصوير عدد من الأفلام السينمائية (الخروج) عام 1967، (الأرض المحروقة) 1968،(زهرة المدائن) 1966،(وجسر العودة) عام 1969، وعند التحاقه في الثورة الفلسطينية قام بالمشاركة بتأسيس قسم التصوير ومؤسسة السينما الفلسطينية، وقام بتصوير الأفلام الفلسطينية التالية (لا للحل السلمي)(1969) (بالروح بالدم) عام 1971، (على طريق النصر ) 1975، وفيلم (المفتاح) 1976، والجريدة السينمائية الناطقة العدد الثاني وأنجز كتاباً عن التصوير السينمائي، ليكون دليلاً للمصور المناضل، وكان يستعد لتصوير فيلم سينمائي عن رواية الوقائع الغريبة في اختفاء (سعيد أبي النحس المتشائل) للروائي الفلسطيني أميل حبيبي ...

 

قصة استشهاد هاني جوهرية

تعود بناء الذاكرة إلى يوم الحادي عشر من شهر نيسان .في هذا اليوم النيساني من عام 1976، تسلق الشاب المتوهج حماسة ونشاطاً وتضحية، فتنكب سلاحه على كتف، وعلى الكتف الأخرى حقيبة ملأها بالذخيرة . تسلق ذلك الشاب تلال عينطورة في جبال لبنان، وهناك مع مجموعات من المقاتلين والثوار الفلسطينيين. عاش معهم وسجل بكاميرته وقائع الاشتباكات مع القوات الانعزالية.

لقد كانت الوقائع مغرية بالنسبة للمصور الشاب جعلت حماسته تنفلت من عقالها، ولم يأبه للتحذيرات التي كان يطلقها المقاتلون بأن يكون أكثر حذراً، ولكن الشاب كان همه الأول أن يسجل أصدق اللحظات ويوّثق المعارك بكل تفاصيلها.

بينما كان المصور هاني جوهرية يتحصن خلف أحد المتاريس، وقد اتخذ جسمه وضعية الرمي، وسلاحه في حالة الإطلاق رشاً، في هذه اللحظات تنطلق قذيفة من الجهة المعادية، كانت ترعد وتزمجر معلنة عن قدومها.... إنها تقترب... وتقترب إلى حيث يكمن المصور الشاب والذي لم ينفك عن متابعة القذيفة عبر عدسة كاميرته غير آبه بالخطورة التي تنتظره.

لحظات من الصمت، ثم يهرع الرفاق إلى المكان، يا له من مشهد اختلاط الحمم باللحم البشري، الشاب المصور لم يزل يحتضن سلاحه، ويضغط عليه بشدة، حمل الأخوة والرفاق بقايا الجسد الغض والكاميرا المعبأة بالأحداث ومشهد لقذيفة مجنونة تعلن عن استشهاد أول مصور سينمائي فلسطيني.

هاني جوهرية يرتقي في 11نيسان 1976، منصة الشهادة في ساح الوغى، فكان أول شهيد للسينما الفلسطينية المقاومة، رحل ابن القدس مختصراً رحلة نضاله التي بدأها في معسكرات الثورة في الأغوار ومعسكرات التدريب في الأردن وسورية ولبنان، مرافقاً المقاتلين في دورياتهم وعملياتهم الفدائية، وموثقاً بكاميرته نضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني، وفي جبال عينطورة تحلق روحه الطاهرة عنان السماء ليكون جوهرية أول مصور سينمائي شهيد على درب الثورة والنضال.

 

 المصور السينمائي الشهيد إبراهيم ناصر (مطيع إبراهيم)

إنه أحد ثلاثة من الشهداء الذين قدمتهم السينما الفلسطينية في رحلة عطائها وإنجازاتها، المصور والمخرج والمسؤول في مؤسسة السينما الفلسطينية (مطيع إبراهيم) هو ابن قرية الرامون قضاء مدينة رام الله المولود عام 1942، التحق في تنظيم حركة فتح عام 1966، عندما كان يعمل في الكويت والتحق بالثورة متفرغاً عام 1967.

انضم الشهيد للعمل في وحدة أفلام فلسطين في عام 1972، وهي النواة الأولى لمؤسسة السينما الفلسطينية، وتلقى التدريب العملي على التصوير السينمائي على يد الشهيد هاني جوهرية، وتلقى دورة تدريبية في التصوير السينمائي عام 1973، في مؤسسة السينما والتلفزيون العراقي.

قام بتصوير العديد من الأفلام الوثائقية في مؤسسة السينما الفلسطينية منها فيلم (كفر شوبا) عام 1975، وشارك في تصوير فيلم (على طريق النصر) عام 1975، وفيلم (فلسطين في العين) عام 1976، وفيلم (تل الزعتر) عام 1977، وفيلم (رؤى فلسطينية) عام 1978، كذلك شارك في تصوير وإخراج الجريدة السينمائية الناطقة العدد الرابع عام 1978، والجريدة السينمائية العدد الخامس، ومثل مؤسسة السينما الفلسطينية في عدة مهرجانات سينمائية دولية.

 

 المصور السينمائي الشهيد عبد الحافظ الأسمر (عمر المختار)

هو ثالث شهداء السينما الفلسطينية المناضلة، وقد ولد الشهيد البطل في قرية ترمسعيا قضاء مدينة رام الله عام 1942، أنهى دراسته في مدينته والتحق في حركة فتح عام 1966، وشارك في تنفيذ عمليات عسكرية داخل فلسطين المحتلة، وقد تلقى الشهيد الأسمر أول دورة تدريبية في التصوير الفوتوغرافي على يد المصور الشهيد هاني جوهرية عام 1969، كما تلقى دورة في التصوير الصحفي في دار الأهرام المصرية عام 1970، وشارك في دورة تدريبية في التصوير السينمائي عام 1973، في مؤسسة السينما العراقية والتلفزيون العراقي.

كرس الشهيد البطل حياته الفنية لينقل للعالم عبر كاميرته ملامح من مراحل الكفاح الثوري الفلسطيني في مواجهة الاعتداءات الصهيونية على القرى الحدودية في جنوب لبنان والمخيمات الفلسطينية ومواقع ومعسكرات الثورة الفلسطينية قام بتصوير العديد من الأفلام والمشاركة في تصوير وإخراج عدد من الأفلام من أهمها الجريدة السينمائية الناطقة العدد الأول عام 1973، وفيلم (سرحان والماسورة) عام 1973، وفيلم (ليس لهم وجود) عام 1974، فيلم (كفر شوبا) عام 1975، فيلم (الحرب في لبنان) عام 1977، وفيلم (تل الزعتر) عام 1977، وشارك بتصوير وإخراج الجريدة السينمائية المصورة العدد الخامس عام 1978.

 

قصة استشهاد المصورين السينمائيين مطيع إبراهيم وعمر المختار:

قام العدو الصهيوني باعتداء على الأرض اللبنانية وذلك باجتياح قرى وبلدات الجنوب اللبناني في عملية سميت (عملية الليطاني) وذلك في 15/3/1978، بعد بدء العدوان الصهيوني بساعات توجه فريقان من مؤسسة السينما الفلسطينية إلى الجنوب اللبناني، وضم الفريق الأول عدداً من مصوري الفوتوغراف والفريق الثاني المصورين السينمائيين مطيع إبراهيم وعمر المختار وأبو ظريف. وعند وصول الفريقين إلى بلدة (بنت جبيل) في صباح ذلك اليوم، قاموا بتصوير المعارك التي كانت تدور في شوارع البلدة، وخلال المعارك تعرضت السيارة التي كان يستقلها (عمر ومطيع وأبو ظريف) لطلقات رشاشة من دبابة صهيونية مما اضطرهم لترك السيارة والاحتماء في أحد الملاجئ.

أطلقت الدبابات نيرانها على الملجأ ثم بدأت طائرات العدو بتمشيط المنطقة بالرشاشات والصواريخ، في أثناء هذه الإغارات حاول المصوران مطيع وعمر الخروج من الملجأ ليصورا الطائرات المغيرة، مما جعلهما عرضة لنيران الدبابات التي كانت تتمركز قريباً من الملجأ أدى لأصابتهما بجروح مختلفة فعادا ثانيةً إلى الملجأ، وبعد ساعتين من إصابتهما عاد الطيران الصهيوني يقصف تلك المنطقة، وفي نفس الوقت عادت الدبابات تطلق نيرانها باتجاه الملجأ، وقد عاد المصوران لمحاولة الخروج ولتصوير ما يجري في الخارج رغم اصابتهما، مما عرضهما للنيران من جديد وقد أدى ذلك إلى إصابة المصور مطيع إصابة جديدة وعادا من جديد إلى الملجأ.

وبعد لحظات تقدمت إحدى دبابات العدو باتجاههما، فأعلنا بصوت مسموع أنهما مصوران صحفيان جريحان وتابعت الدبابة الصهيونية تقدمها حيث كان يحتمي خلفها عدد من الجنود الصهاينة المشاة الذين دخلوا الملجأ وأطلقوا النار بغزارة على المصورين الجريحين مما أدى إلى استشهادهما.

إن كل ما جرى في هذه الحادثة المؤلمة والتي أدت إلى استشهاد البطلين المناضلين اللذان ظلا وفيين لواجباتهم النضالية والمهنية حتى وجراحهم تنزف، ودل أيضاً على همجية العدو الصهيوني وعدم احترامه للجرحى المدنيين، وهمجية جنوده الذين قتلوا بدم بارد..

ومن الجدير الإشارة أن جنود العدو وبعد أن تأكدوا من استشهاد الرجلين قاموا بنقل الجثتين إلى داخل الأرض المحتلة حيث لم يعرف بعدها أي خبر عن مكان احتجاز جثتي الشهيدين وللأسف لم يتم المطالبة بهما في عمليات التبادل التي جرت فيما بعد..

مطيع وعمر مضيا على درب الشهادة ليلتحقا بزميلهم ورفيقهم، الشهيد البطل هاني جوهرية على درب النضال والتضحيات. سنظل نحن على طريقهم سائرين ونظل أوفياء لواجباتنا النضالية والمهنية حتى تحقيق النصر والتحرير والعودة.