Menu

إيران تحت النار… تماسك الداخل وصفعة لرهانات الانشقاق

عمر فارس

بوابة الهدف

رغم شدة القصف واتساع رقعة الدمار، ورغم كل أشكال الترهيب والإغراء التي تُمارس في مثل هذه اللحظات الحاسمة، لم يشهد العالم حتى الآن انشقاق سفير إيراني واحد أو مسؤول كبير عن الحكومة في طهران. هذه الحقيقة، بحد ذاتها، ليست تفصيلاً عابراً، بل مؤشر عميق على طبيعة الصراع الجاري، وعلى بنية الدولة الإيرانية التي تبدو – حتى في أقسى الظروف – متماسكة من الداخل.

في الحروب الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من صواريخ وطائرات، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي. كم من أنظمة سقطت لا بسبب القصف، بل بسبب الانهيار من الداخل، حين بدأت النخب السياسية والدبلوماسية بالفرار أو إعلان الانشقاق. لكن المشهد الإيراني، حتى الآن، يقدم صورة مختلفة تماماً: لا سفراء يهربون، لا مسؤولين كبار يتبرؤون، بل اصطفاف واضح، وصمت ثقيل يحمل في طياته قراراً بالبقاء والمواجهة.

هذا التماسك يكتسب دلالة أكبر إذا ما وضعناه في سياق الضربات التي تعرضت لها إيران، والتي لم تكن عادية ولا محدودة. الحديث يدور عن استهداف مباشر للبنية القيادية، وعن فقدان شخصيات على أعلى مستوى، بما في ذلك المرشد الأعلى، إلى جانب مجموعة من كبار القادة العسكريين. في كثير من الدول، كان مثل هذا الحدث كفيلاً بإحداث زلزال سياسي وانقسامات حادة، وربما انهيار سريع. لكن ما حدث هو العكس: لم يظهر ارتباك علني، ولم نشهد تصدعاً في قمة السلطة، بل برز خطاب موحد وإصرار واضح على الرد.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى. في الوقت الذي تتعرض فيه إيران لضربات قاسية وتفقد قيادات من الصف الأول، يخرج الرئيس الأمريكي المعتوه ترامب بتصريحات تتسم بقدر كبير من البجاحة السياسية، متحدثاً عن “محو إيران من الوجود” والسيطرة على مواردها، وكأن الأمر مجرد صفقة تجارية أو استعراض قوة بلا تبعات. هذا الخطاب لا يعكس فقط استخفافاً بالقانون الدولي، بل يكشف أيضاً عن ذهنية تقوم على الغطرسة وتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا.

إيران، كدولة ذات حضارة تمتد لآلاف السنين، ليست كياناً طارئاً يمكن شطبه بقرار سياسي أو تهديد عسكري. وربما لهذا السبب تحديداً، فإن الضربات التي وُجهت إليها لم تؤدِّ إلى النتيجة التي كان يتوقعها البعض. بدلاً من الانهيار، جاء الرد الإيراني – بحسب ما يظهر – قوياً ورادعاً، حاملاً رسالة واضحة بأن استهداف القيادة لن يعني شلّ الدولة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

الردع هنا لا يُقاس فقط بالفعل العسكري، بل أيضاً بالقدرة على امتصاص الضربة ثم إعادة التوازن بسرعة. وهذا ما يعطي الانطباع بأن هناك بنية مؤسساتية قادرة على الاستمرار حتى في غياب شخصيات محورية. إنها معادلة معقدة: خسائر كبيرة على مستوى القيادة، لكن دون انهيار في منظومة القرار.

في الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن غياب الانشقاقات العلنية لا يعني غياب التوترات الداخلية. من الطبيعي أن تكون هناك نقاشات حادة وخلافات في مثل هذه الظروف، لكن الفرق يكمن في أن هذه الخلافات لم تتحول إلى انقسامات مكشوفة أمام العالم. وهذا بحد ذاته شكل من أشكال إدارة الأزمات، حيث يتم احتواء التباينات داخل الغرف المغلقة بدل أن تتحول إلى أزمة سياسية مفتوحة.

إن ما يجري اليوم يكشف عن حقيقة أساسية: الضغوط الخارجية، مهما بلغت شدتها، لا تؤدي بالضرورة إلى تفكيك الدول من الداخل. أحياناً، تكون النتيجة عكسية تماماً، حيث تدفع هذه الضغوط نحو مزيد من التماسك، ولو بشكل مؤقت، في مواجهة ما يُنظر إليه كخطر وجودي.

في النهاية، يمكن القول إن المشهد الحالي يعكس صراعاً يتجاوز البعد العسكري، ليصل إلى اختبار عميق لقدرة الدول على الصمود الداخلي. وبين خطاب التهديد والاستعلاء من جهة، والرد الذي يوصف بالقوة والردع من جهة أخرى، تتشكل معادلة جديدة عنوانها أن الحروب لا تُحسم فقط بالقوة، بل أيضاً بالإرادة والتماسك.