Menu

نشيد "موطني" من فلسطين إلى العراق

أحمد طنيش

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

هناك شعراء لا يكتبون فقط، بل يرسمون الدولة بالكلمات، ويحوّلون الحروف إلى خريطة للهوية والوجود الوطني. من بين هؤلاء، يبرز إبراهيم طوقان (1905 – 1941)، الذي تحولت قصيدته الشهيرة "موطني" إلى نشيد لوطنين، لتصبح كلماته رمزاً للهوية، وكأن الشعر نفسه أصبح دولة قائمة بالحس والإحساس والوجدان، عابراً للحدود.

تقع فلسطين في جنوب غرب قارة آسيا ضمن منطقة الشرق الأوسط والشام، وهي مرتبطة تاريخياً وثقافياً بمحيطها الإقليمي. وبالمثل، يحتل العراق موقعاً استراتيجياً في جنوب غرب آسيا، كجسر بين آسيا وأفريقيا، مع خصوصيات جغرافية وثقافية. هذه الخلفية المشتركة ساهمت في قدرة نشيد "موطني" على الانتقال، بل والهجرة الاضطرارية من فلسطين إلى العراق، كما هو شأن المناضل والمواطن الفلسطيني مع الشتات.

"موطني" النشيد الوطني الذي اختاره الشعب الفلسطيني بشكل تلقائي وبدون بروتوكولات منذ سنة 1930، عندما كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني. واستمر هذا الاستخدام حتى تبنّت منظمة التحرير الفلسطينية نشيد "فدائي" رسمياً منذ عام 1972، ثم أصبح معتمداً رسمياً للسلطة الوطنية الفلسطينية في 2005، بعد شروط وضعتها إسرائيل بعدم استخدام "موطني" في مفاوضات السلام. ومع ذلك، ظل قطاع واسع من الشعب الفلسطيني يعتبر "موطني" رمزاً وطنياً قوياً يغنيه في المناسبات الرسمية والشعبية.

كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان قصيدته "موطني" ولحّنها الموسيقار اللبناني محمد فليفل، لتصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية. تصور القصيدة الأرض ككيان حي، مزدهر بالجمال والطبيعة، تمزج بين حب الوطن والمقاومة والصمود:

موطني... موطني..

الجلالُ والجمالُ والسناءُ والبهاءُ

في رُباكْ... في رُباكْ

والحياةُ والنجاةُ والهناءُ والرجاءُ

في هواك... في هواك

هل أراكْ... هل أراكْ..

سالماً منعَّماً وغانماً مكرَّماً؟

هل أراكْ... في علاكْ

تبلغ السِّماكْ؟... تبلغ السِّماكْ؟

موطني... موطني.. موطني.. موطني

في عام 1996، اعتمدت منظمة التحرير الفلسطينية نشيداً وطنياً رسمياً جديداً هو "فدائي"، كتعبير عن روح الثورة الفلسطينية وتضحيات الشعب في مواجهة الاحتلال. كتب قصيدة "فدائي" سعيد المزين المعروف باسم "فتى الثورة" عام 1965، ولحّنها الموسيقار المصري علي إسماعيل، وقام بالتوزيع الموسيقي الملحن الفلسطيني حسين نازك عام 2005، كما ساهم الموسيقار والسياسي اليوناني ميكيس ثيودوراكيس في إعادة التوزيع عام 1981، مبرزاً دعمه للقضية الفلسطينية. وكلمات "فدائي" هي كالتالي:

فدائي فدائي فدائي

يا أرضي يا أرض الجدود

فدائي فدائي فدائي

يا شعبي يا شعب الخلود

بعزمي وناري وبركان ثأري

وأشواق دمي لأرضي وداري

صعدت الجبالَ وخضت النضالَ

قهرت المحالَ حطمت القيود...... إلخ

رغم اعتماد "فدائي" رسمياً، والتخلي عن "موطني"، بقي "موطني" حاضراً في وجدان الفلسطينيين كرمز شعبي وشعور بالهوية. وفي خطوة تاريخية مثيرة، أصبح "موطني" نشيداً وطنياً رسمياً لجمهورية العراق منذ عام 2003، ما يعكس قدرة الشعر على تخطي الحدود الجغرافية والاحتفاظ بقيمته الرمزية والدلالية المشتركة بين الوطن والهوية، وهو حدث أعاد الاعتبار للقصيدة والشاعر والوطن.

قصيدة "موطني" ليست مجرد أبيات شعرية، بل نشيد يمجد الأرض والإنسان والهوية ويكرمها، ويحوّل الشعر إلى أداة مقاومة، حيث يحمل كل بيت رسالة تمسك بالهوية وحق الأمة في الاستقلال، باعتبار أن الدولة شعور وحس وانتماء بالدم والفكر والروح.

تعلن قصيدة "موطني" حياتها وديمومتها كنشيد يردد في المدارس والمناسبات عبر الجغرافيا العربية، مؤسساً لثقافة وطنية قائمة على الشعر قبل المؤسسات الرسمية؛ لذا يُصنف إبراهيم طوقان في مصاف شعراء الدولة بالمعنى الرمزي، حيث رسم الدولة بالكلمة قبل تثبيتها جغرافياً وحدوداً تُترجم على الخريطة التي تربط بين الأرض والتاريخ والهوية، وبين الشاعر والدولة، وبين الشعب وموطنه.

في تاريخ الشعوب، لا تمثل الأناشيد الوطنية مجرد كلمات تُغنى، بل وثائق رمزية تعكس مسار الوعي الوطني والأيديولوجيات السياسية والثقافية.

وُلد إبراهيم طوقان في نابلس لعائلة عريقة في العلم والأدب، ونشأ في بيئة فلسطينية مشبعة بالوعي الوطني والثقافي. لم يكن شاعراً عادياً، بل صانعاً رمزياً للوطن، حيث صاغ فلسطين في أبياته ومنحها صورة حية تُحفظ في ذاكرة شعبه.