تصاعدت حدّة وحشية الإمبريالية في الفترة الأخيرة ضد دول الجنوب العالمي التي تسعى إلى الاستقلال السياسي والاقتصادي، مثل فنزويلا و إيران وكوبا، وقبلها محاولات تغيير الأنظمة السياسية في دول الساحل الأفريقي، وبالتحديد بوركينا فاسو تحت قيادة ابراهيم ترواوي ..
إن معركة التحرر الوطني التي انطلقت ضد مشروع الاستعمار القديم نجح جزء منها في تحقيق الاستقلال السياسي، إلا أن الاستعمار بشكله التقليدي ما زال قائماً في بعض الحالات، مثل نموذج الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين. ولم تتوقف محاولات القوى الإمبريالية للسيطرة على بلدان الجنوب، بل استمرت بأشكال جديدة يُطلق عليها "الاستعمار الجديد"، وذلك عبر محاولة الهيمنة غير المباشرة على القرار السياسي وإدارة الموارد في هذه الدول.
لذلك، شكّلت معركة السيادة الوطنية محوراً أساسياً لنضال القوى الاجتماعية التقدمية في بلدان الجنوب، من أجل استقلالية القرار الوطني والتحرر من النفوذ الإمبريالي، وتمكين الشعوب من إدارة شؤونها الداخلية بحرية، واستخدام مواردها لخدمة احتياجاتها المحلية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي والتنمية على أسس مستقلة.
وتُعدّ الإمبريالية، بوصفها نظاماً للهيمنة الرأسمالية على العالم، قد بدأت مبكراً في فرض شروط السيطرة على دول الجنوب عبر دمجها القسري في منظومة الاقتصاد العالمي، حيث يتم إخضاع القرار السياسي والموارد لمصالح القوى الإمبريالية بطرق متعددة. ومن بين هذه الطرق فرض أنظمة سياسية تابعة، أو دعم رؤساء موالين، أو السعي إلى تغيير الأنظمة أو القيادات التي ترفض الانصياع لتلك الشروط، من خلال الترويج لأجندات "تغيير الأنظمة" استناداً إلى ادعاءات تروّج لها الآلة الدعائية الغربية.
استراتيجية الهجوم الإمبريالي على السيادة الوطنية
تسعى الإمبريالية بشكل دائم إلى التوسع في مختلف أنحاء العالم لبسط أسلوبها الاحتكاري على الموارد، وخلق نظام اقتصادي يُسهّل لها عملية الهيمنة العالمية. وتستخدم في ذلك أدوات متعددة، من بينها القوة العسكرية والتدخلات الناعمة، لتحقيق هذه الأهداف. فالإمبريالية الأمريكية، على سبيل المثال، يتطلب مشروعها للهيمنة العالمية ما يلي:
السيطرة على النظام المصرفي العالمي
السيطرة على الأسواق العالمية
القدرة على التدخل العسكري المكثف
السيطرة على الاتصالات الدولية
السيطرة على الممرات البحرية
الريادة في التكنولوجيا المتقدمة
السيطرة على صناعة الأسلحة المتطورة
السيطرة على الفضاء
السيطرة على تجارة النفط والمعادن
وتُعدّ الدول التي تنافسها في مناطق نفوذها تهديدًا لمصالحها، لذلك تعمل بكل قوة على فرض منطق الهيمنة، حتى باستخدام القوة إذا دعت الضرورة لتحقيق أهدافها.
إن الأطماع التوسعية للقوى الإمبريالية، وخاصة الأمريكية، تجعلها في حالة سعي دائم لتقويض سيادة الدول التي تتعارض مصالحها مع مشاريع الهيمنة. ولتحقيق ذلك، تستخدم عدة استراتيجيات، من أبرزها:
- تفتيت الدول
يتم ذلك عبر سياسة "البلقنة"، أي تفكيك الدولة إلى كيانات عرقية أو طائفية متناحرة، بما يسهل السيطرة عليها. ويتم ذلك من خلال تسييس الانتماءات القبلية والطائفية، وجعلها أساسًا لتوزيع السلطة والموارد، مما يؤدي إلى صراعات داخلية مستمرة. ويترافق ذلك مع إضعاف الدولة المركزية وتقويض سيادتها الأمنية والسياسية، عبر فرض قواعد للعبة السياسية والتحكم في الفاعلين السياسيين، وفرض تسويات خاضعة لشروط خارجية. وتُستشهد حالات مثل العراق و ليبيا كمثال على ذلك.
2- الاحتواء
تعتمد هذه الاستراتيجية على تغيير مواقف الأنظمة السياسية بوسائل ناعمة، مثل الإغراءات المادية أو تقديم الحماية للنخب الحاكمة، مقابل تمرير سياسات تخدم المصالح الإمبريالية. ويشمل ذلك فتح الأسواق أمام الشركات متعددة الجنسيات، والتخلي عن السياسات الداعمة للاقتصاد الوطني.
3- فخ الديون
تأتي القروض الدولية غالبًا مشروطة، مما يجعل الدول المدينة أكثر اعتمادًا على المقرضين الخارجيين، وبالتالي تفقد جزءًا من استقلالها في اتخاذ القرار. وتُجبر هذه الدول على تبني سياسات اقتصادية يفرضها الدائنون، مثل سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي تشمل تحرير سعر الصرف، وتعويم العملة، ورفع الدعم عن السلع والخدمات، وفرض إجراءات تقشفية، وهو ما ينعكس سلبًا على الفئات الفقيرة.
4- تغيير الأنظمة
يتم ذلك عبر دعم أو تدبير انقلابات عسكرية ضد الأنظمة التي ترفض الخضوع للضغوط الخارجية، واستبدالها بأنظمة أو قيادات موالية. ومن الأمثلة التاريخية: أربينز في غواتيمالا، ومصدق في إيران، وسلفادور أليندي في تشيلي، وتوماس سانكارا في بوركينا فاسو.
5-التدخل العسكري
يُعدّ الخيار العسكري آخر وسائل فرض الهيمنة، ويُستخدم عند فشل الوسائل الأخرى. ويستند إلى منطق القوة دون اعتبار كبير للقانون الدولي، بهدف تغيير الأنظمة أو إعادة تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية بالقوة، كما حدث في يوغوسلافيا والعراق وليبيا، وغيرها.
الدعاية الإمبريالية كأداة لتبرير الهجوم على سيادة الدول
تصاحب تدخلات القوى الإمبريالية في دول الجنوب عمليات مكثفة من الدعاية، تهدف إلى التأثير على وعي شعوب تلك البلدان، وإقناعهم بأن هذه التدخلات تصبّ في مصلحتهم. كما تسعى هذه الدعاية إلى إقناع الرأي العام في الدول الإمبريالية بوجود مبررات أخلاقية لما يُطرح باعتباره "حروبًا" أو تدخلات خارجية.
وللترويج لهذه الدعاية، يوظّف النظام الإمبريالي وسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث، ومنظمات المجتمع المدني المرتبطة بتمويل خارجي، من أجل احتكار المعلومات وتوجيه الأفكار بما يخدم أهدافه، وبالتالي التأثير على الرأي العام وتضليل الشعوب.
ويتمثل دور هذه الدعاية في تبرير التدخلات العسكرية أو السياسية تحت ذرائع متعددة، مثل مكافحة الإرهاب، أو محاربة تجارة المخدرات، أو الادعاء بامتلاك أسلحة دمار شامل، أو نشر الديمقراطية، أو حماية حقوق الإنسان، بما في ذلك قضايا مثل "تحرير النساء من الانتهاكات".
معركة السيادة الوطنية
تتعرض شعوب الجنوب العالمي لهجمة شرسة ومتوحشة من الإمبريالية، تهدف إلى تقويض حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي، واختيار طريقها الخاص للاستفادة من مواردها بما يخدم احتياجاتها المعيشية والتنموية. ويستند ذلك إلى استخدام القوة العسكرية المدعومة بقوة اقتصادية تسعى للسيطرة على ثروات هذه الشعوب.
يفرض هذا الواقع دورًا كبيرًا على القوى التقدمية والديمقراطية في بلدان الجنوب، بالتعاون مع القوى المحبة للسلام والتقدم الاجتماعي في بلدان الشمال، من أجل التوحد والعمل المشترك لمواجهة مشروع الهيمنة الإمبريالية والتصدي له. ويُعدّ التضامن العالمي بين القوى التقدمية من أقوى الأسلحة التي تمتلكها الشعوب في مواجهة هذا المشروع.
كما أن توحيد جبهة نضال القوى الاجتماعية والديمقراطية ضد الإمبريالية وخياراتها العسكرية، بهدف إحباط مخطط الهيمنة الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، يمنح تضامن شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بعدًا عالميًا، ويعزز التحرك على مستويات متعددة، شعبية ورسمية. فهذه المعركة تخوضها بشكل أساسي شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب نضال شعوب أوروبا وأمريكا الشمالية الساعية للتحرر من هيمنة المصالح الأوليغارشية، من أجل كتابة تاريخ جديد لمقاومة الإمبراطوريات.
وتجد شعوب العالم نفسها في مواجهة عدو مشترك يتمثل في رأس المال الاحتكاري المعولم والنظام الإمبريالي المسيطر، إلى جانب حكومات الطبقات الحاكمة الكومبرادورية التابعة في بلدان الجنوب، فضلًا عن بعض المؤسسات الدولية التي تعمل كخادمة لهذا النظام، مثل البنك الدولي وغيرها.
إن المعركة من أجل السيادة الوطنية للشعوب تهدف في جوهرها إلى الوصول إلى نظام أمن شامل وعادل لجميع شعوب العالم، قائم على معالجة منصفة للقضايا الكونية بما يخدم مصالح البشرية جمعاء. ويتطلب ذلك إحداث تغيير جذري في موازين القوى عالميًا، باعتباره شرطًا أساسيًا لبناء نظام عالمي جديد بديل للنظام الرأسمالي الإمبريالي، يضمن مصالح البلدان النامية وحقها في التنمية المستقلة واستقلال قرارها السياسي

