لا يمكن قراءة المشهد السوري الراهن بمعزل عن التحولات التي تحصل نتيجة التصعيد في المنطقة، إذ لم تعد سوريا مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى، بل تحولت في المنظور الإسرائيلي إلى "مختبر" لتطبيق استراتيجيات السيطرة الشاملة، إن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران باتت فرصة لإعادة هندسة الدور السوري عبر الضغط العسكري المباشر، ومحاولة جر دمشق إلى اشتباكات جانبية تستنزف قدراتها السيادية وتجعل من جيشها طرفاً في صراع إقليمي بدلاً من كونه حامياً للحدود.
هذا الانتقال في السلوك الإسرائيلي يعكس رغبة تل أبيب في استغلال حالة السيولة السياسية التي تلت سقوط النظام السابق لفرض وقائع ميدانية تكرس مبدأ "التفوق الإقليمي"، وتلغي أي مساحة للحياد السوري، وهو ما يضع الدولة السورية أمام معضلات استراتيجية تتجاوز مجرد الرد على غارة هنا أو استهداف هناك.
من الاستهداف التكتيكي إلى الاستثمار في الفوضى
إن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في الجنوب السوري، وتحديداً القصف المركز على مواقع الفرقة 40 (الفوج 174 سابقاً) في محافظة درعا، لم يكن مجرد رد فعل تقني على تحركات ميدانية تحت بند "حماية السكان الدروز"، بل هو إعلان عن انتقال إسرائيل إلى استراتيجية الاستثمار السياسي في التصعيد، إذ تدرك تل أبيب أن دمشق تحاول جاهدة تثبيت سياسة "تصفير المشاكل" للتركيز على ملفات إعادة الإعمار والاندماج في المحيط العربي، وهو ما لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية التي تفضل بقاء سوريا في حالة ضعف مستدام.
تسعى إسرائيل من خلال هذا الضغط إلى تطبيق تكتيك "الإضعاف بالاشتباك"؛ فمن جهة، تريد دفع الوحدات العسكرية السورية المنتشرة حديثاً على الحدود اللبنانية (مثل الفرقتين 52 و84) للدخول في صدام مباشر مع عناصر "حزب الله" التي تحاول إعادة التموضع. الهدف هنا هو "تعهيد" مهمة ضرب الحزب للجيش السوري، مما يضرب عصفورين بحجر واحد: تفتيت قدرات الحزب اللبناني، وإغراق دمشق في وحل صراعات أمنية واجتماعية داخلية تستنزف شرعيتها الوطنية وتماسكها المؤسساتي.
هذا النوع من "الفوضى المنظمة" يهدف بالدرجة الأولى إلى منع الدولة السورية من بسط سيادتها الكاملة على المثلث الحدودي الاستراتيجي، وإبقاء هذه المنطقة في حالة من التوتر الدائم يتيح لتل أبيب التحكم في إيقاع الاستقرار السوري، ويجعل من الجغرافيا السورية منطقة عازلة مشلولة القدرة على الفعل.
"وحدة الألب" واختراق السيادة من قمم جبل الشيخ
في تطور عسكري بالغ الخطورة، بدأت إسرائيل بتوظيف "وحدة الألب" كقوة نُخبوية عابرة للحدود، منطلقة من مراصدها الحصينة في جبل الشيخ، هذه الوحدة التي تدربت لعقود على القتال في أصعب الظروف المناخية والتضاريس الوعرة، لم تعد تكتفي بمهامها الدفاعية التقليدية، بل باتت تُستخدم كذراع طولى لفرض سيطرة ميدانية على المرتفعات الحاكمة التي تطل على العمق السوري واللبناني.
إن تفعيل دور هذه الوحدة يتجاوز البعد العسكري فمن خلال العمليات الخاطفة ونشر نقاط المراقبة المتقدمة في مناطق خارج نطاق السيطرة التقليدية، تسعى "وحدة الألب" إلى كسر التفوق الجغرافي السوري في منطقة حرمون، وتحويل الجبال من حاجز طبيعي يحمي العمق السوري إلى منصة انطلاق للتهديد الدائم، هذا التحرك يمنح إسرائيل قدرة على الرصد الناري والتدخل السريع لقطع أي خطوط إمداد أو لمنع أي محاولة للجيش السوري لتثبيت نقاط سيادية في تلك التضاريس المعقدة.
إضافة لذلك، استخدام هذه الوحدة يبعث برسالة مفادها أن إسرائيل مستعدة لتجاوز خطوط فض الاشتباك عندما ترى أن هناك فراغاً أمنياً يجب التعامل معه، إن دخول "وحدة الألب" قيد التفعيل في العمليات القتالية تعني عملياً وضع القرى والبلدات في ريف دمشق الغربي والجنوب السوري تحت مجهر الاستهداف المباشر، مما يزيد من تعقيد مهمة الإدارة السورية في تأمين حدودها دون الانجرار إلى مواجهة شاملة لا ترغب فيها في التوقيت الحالي.
معضلة "التوظيف القسري"
تواجه الحكومة السورية اليوم ما يمكن تسميته بـ "التوظيف القسري"، إذ تحاول إسرائيل دفع القوة العسكرية السورية لتصبح ضمن إطار المعركة بمهام تخدم المصالح الإسرائيلية، مثل منع مرور السلاح ومراقبة تحركات حزب الله، تحت وطأة الابتزاز العسكري، تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، حول الاستعداد لزيادة حدة الهجمات، لا تعكس رغبة في الحرب الشاملة بقدر ما تعكس محاولة لفرض "قواعد اشتباك" جديدة.
إن الرد السوري على هذا الضغط يتسم بالهدوء والحياد حتى الآن، إذ رفض دمشق بوضوح الانزلاق إلى فخ الصدام مع الأطراف اللبنانية في معركة "لا ناقة لها فيها ولا جمل"، هذا الرفض يضع الجانب الإسرائيلي في حالة "إحباط استراتيجي"، وهو ما يفسر لجوء تل أبيب إلى تحريك ملفات أمنية بديلة، سواء عبر محاولة العبث بالنسيج الاجتماعي في السويداء، أو تكثيف الاستهدافات اللوجستية لإحداث حالة من الشلل في مفاصل الدولة.
إن المراهنة الإسرائيلية على إحداث صدام سوري-لبناني على الحدود، تهدف إلى إضعاف الحكومة السورية وتشتيت جهودها في معارك جانبية، وهذا يدفع بالضرورة لتمسك الإدارة السورية بالنهج الدبلوماسي لعدم الذهاب نحو رهانات تؤدي إلى نتائج تستنزف سوريا.
يظهر المشهد السوري كصراع إرادات بين مشروع إسرائيلي يريد تحويل الجغرافيا السورية إلى "منطقة رمادية" منزوعة السيادة والفاعلية، وبين إرادة وطنية سورية تسعى للنهوض والاندماج في المنظومة الإقليمية كدولة فاعلة ومستقلة، إن التحديات التي تفرضها الضغوط الإسرائيلية في الجنوب ليست سوى اختبارات لمدى قدرة دمشق على الموازنة بين الحفاظ على أمنها القومي وتجنب الاستدراج لمخططات الفوضى.
يبقى الثبات على مبدأ أن أمن الحدود هو شأن سيادي وطني هو حجر الزاوية في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، وإن التمسك بهذا المبدأ مدعوماً بتنسيق عربي وإقليمي، سيبقى هو العائق الأكبر أمام محاولات تل أبيب لتحويل سوريا من لاعب إقليمي وازن إلى مجرد ملحق أمني في خدمة استراتيجيات الهيمنة الإسرائيلية.

