Menu

في طبيعة الصراع "الصهيو أمريكي" - الإيراني والحرب الوجودية

إبراهيم أبو ليل

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

منذ بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في الثامن والعشرين من شباط 2026، اتخذت المواجهة بين الجانبين طابع الحرب الوجودية التي يرى فيها كل طرف أن الآخر يشكل تهديداً لبقائه ويهدف إلى إزالته. فالإسرائيليون جميعاً ينظرون لإيران على أنها تهديد استراتيجي خطير، باعتبارها الداعم الرئيسي للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي والوجود الصهيوني في فلسطين، إضافة إلى امتلاكها مشروعاً نووياً وتكنولوجياً متقدماً، وقدرات صاروخية نوعية بعيدة المدى؛ تطال جميع مواقع الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وكذا ترى إيران أن الكيان الصهيوني يشكل تهديداً خطيراً للأمن القومي الإيراني لأنه الطرف الوحيد الذي يشن عمليات ضد إيران ويستهدف وجودها في الشرق الأوسط، ويمنع قيام أي قوة عسكرية منافسة له، من أجل ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جيوش الدول الأخرى في المنطقة.

يُعد التحدي الإيراني المتنامي، من وجهة النظر الإسرائيلية، خطراً استراتيجياً وتهديداً وجودياً للكيان الصهيوني، إذ شكلت إيران منذ انتصار الثورة عام 1979 قوة إقليمية عظمى رافضة للمشروع الصهيوني وتسعى للقضاء عليه، كما أنها دولة داعمة للقضية الفلسطينية وقائدة لمحور المقاومة في المنطقة. وقد تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين عن التحدي الإيراني وحذر منه قبل ثلاثين سنة، ومنذ ذلك الوقت تبذل إسرائيل جهوداً كبيرة لمنع إيران من امتلاك القدرات النووية، وتقوم بتحريض الولايات المتحدة الأمريكية من أجل توجيه ضربة عسكرية للمشروع النووي الإيراني، ذلك أن الكيان الصهيوني لا يستطيع مواجهة إيران وحيداً من دون مشاركة الولايات المتحدة. ويرى القادة والباحثون الاستراتيجيون الإسرائيليون أن الخطر الإيراني الذي جرى التحذير منه طيلة العقود الثلاثة الماضية، تَجسّد بشكل مباشر في عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، والتي شكلت مفاجأة مرعبة في غفلة أمنية؛ وتهديداً مصيرياً ووجودياً للكيان الصهيوني برمته، إذ أحدثت صدمة شديدة للإسرائيليين؛ أدت إلى انهيار المفاهيم الأساسية والمرتكزات التي قام عليها المشروع الصهيوني. وبعد يوم واحد شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة على قطاع غزة، ثم ما لبث أن انتقل الصراع منذ الأيام الأولى من المستوى المحلي إلى نطاق إقليمي، ولم يعد محصوراً في قطاع غزة، وكان له تداعيات واسعة في المنطقة.

وخلال عامين ونيّف شن الكيان الصهيوني عدواناً عسكرياً ضد الشعب الفلسطيني وشمل دولاً أخرى في المنطقة، تحت ذريعة الإجراءات الردعية والاحتياجات الأمنية. فإلى جانب حرب الإبادة في قطاع غزة، شنت المقاتلات الإسرائيلية عدوانها على إيران منتصف 2025، ونفذت غارات جوية وتوغلات برية في أراضي سوريا ولبنان، بالإضافة إلى غارات على اليمن. وفي 28 شباط/فبراير2026 نفذت المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية ضربة استباقية ضد إيران قضى فيها المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي وعدد من القادة الإيرانيين الكبار، كمقدمة للحرب الخاطفة التي أراد الرئيس ترامب من خلالها أن يمهد لانهيار النظام في إيران ومن ثم إزالته، معتمداً على إثارة الاضطرابات الداخلية. ما يعني أن هذا العدوان لا يقتصر على الأهداف الردعية والأمنية، بل يتجاوزها إلى الحرب الوجودية بحسب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أعلن أن "إسرائيل والولايات المتحدة أطلقتا عملية ضد إيران لإزالة التهديد الوجودي، داعياً الإيرانيين إلى الوقوف في وجه حكومتهم". ويأمل نتنياهو تقويض النظام في إيران من خلال ثورة شعبية، ويشاركه هذه الرغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير في اليوم ذاته أن إسرائيل تواجه "معركة كبيرة، مصيرية وغير مسبوقة لتدمير قدرات إيران"، مشيراً إلى أن هذه القدرات تمثل "تهديداً وجودياً مستمراً لأمن إسرائيل" وأن القيادة الإيرانية "لم تتخلَّ عن رؤيتها لوقف البرنامج الهادف إلى تدمير إسرائيل". وأكد زامير أن طياري سلاح الجو الإسرائيلي يهاجمون "مئات الأهداف في أنحاء إيران، بالتنسيق مع الضربات الأمريكية".

ولكي يعطي نتنياهو هذه الحرب معنى وجودياً، ويضفي عليها طابعاً مقدساً، فإنه يضعها في مسار تاريخي دموي مسكون بالعنف والدعوة إلى الانتقام، مستنداً على السرد التوراتي فيقول: "معاداة السامية هي أقدم نوع من الكراهية، وأدت إلى قتل اليهود عبر القرون، وإلى الهولوكوست". ويعتبر نتنياهو أن العرب والمسلمين هم أشد أعداء السامية، لكي يبرر العدوان الذي يشنه ضدهم، واضعاً نفسه موضع الضحية، وأنه يخوض الحرب دفاعاً عن الحضارة الغربية ومن أجل وجود الإسرائيليين وبقائهم، فيقول: "نحن على مفترق طريق تاريخي والشرق الأوسط يغلي والصراع ليس بين حضارات وإنما بين البربرية والتحضر". وهنا تبرز عند نتنياهو النزعة العنصرية، معتبراً أن اليهود متميزون ويستحقون الحياة دون غيرهم؛ وأن الرب اختارهم ليكونوا فوق الشعوب الأخرى التي يرون فيها تهديداً وجودياً لهم، مبررين بذلك عدوانهم ودعوتهم لإزالة التهديد الوجودي.

ويستحضر نتنياهو الرواية اليهودية وما ورد في السرد التوراتي من خلال ما جاء على لسان وزيرة الاستيطان الإسرائيلية وعضو المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر- الكابينت، أوريت ستروك، لإذاعة "كول باراما" المحلية المعبرة عن اليهود المتدينين "الحريديم"، حيث قالت: (تحدث معي نتنياهو صباح أمس مع بداية العملية، وأخبرته أن هذا الهجوم مناسب جداً لـ"سبت التذكر"، نحن في بداية الطريق، وأعداؤنا يملكون أدوات شريرة يستخدمونها ضدنا". فأجابني بأننا هذه المرة لا نتذكر فقط محو عماليق، بل إننا نقوم بمحو عماليق أيضاً). و"سبت التذكر" هو السبت الذي يسبق عيد البوريم (المساخر) اليهودي، وفيه يُقرأ في الكُنس مقطع من التوراة يتناول وصية تذكّر ما فعله "العماليق" ببني إسرائيل. ويمثل العماليق "ذروة الشر" في التقاليد اليهودية، ويستخدم هذا التعبير عادة للإشارة إلى الشعوب التي تدعي تل أبيب أنها "تهدد الوجود اليهودي". وورد ذكر تعبير العماليق في أكثر من موضع بالتوراة، بينها سفر الخروج الفصل 17، الآية 14: (فقال الرب لموسى: اكتب هذا تذكاراً في الكتاب وضعه في مسامع يشوع. فإني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء). وفي سفر صموئيل، الفصل 15، تقول الآية 3: (والآن اذهب واضرب العماليق وحَرّموا كل ما لهم ولا تعفوا عنهم. بل اقتلوا على السواء الرجل والمرأة، الطفل والرضيع، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً). هذه الأفكار والمعتقدات اليهودية تشكل المنبع الأيديولوجي الذي يغذي العدوان الصهيو- أمريكي على إيران، ويرى الإسرائيليون أن الرب يدعمهم في هذا العدوان ويقف معهم، حيث أشار زعيم حزب شاس اليهودي الحريدي أرييه درعي إلى وجود عون إلهي يُسهم في تفكك هذه القوة العظيمة (إيران) إلى شظايا بحسب قوله.

وبينما تتواصل الحرب الصهيو- أمريكية الإيرانية، يتمسك الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالرهان على إثارة الفوضى والاضطرابات داخل إيران، في محاولة لتحريك الشعب الإيراني ضد قيادته وإحداث انقلاب في الحكم، بعد اغتيال المرشد الأعلى وشخصيات قيادية أخرى. غير أن الوقائع التي ظهرت منذ بداية الحرب أثبتت أن هذا الرهان خاسر، وجاءت النتائج معاكسة لما تم التخطيط له، إذ أبدى النظام في إيران تماسكاً أكثر، وتصدى للعدوان بقوة. وكان الإيرانيون قد استعدوا لمثل هذا السيناريو ووضعوه في حساباتهم، كما وضعوا الاحتياطات اللازمة لتعزيز المناعة الداخلية. فإيران هي دولة مؤسسات لا يؤثر عليها غياب الأفراد، ولازالت تدافع عن نفسها وترد على العدوان بالمثل، فيما لم يتمكن ترامب ونتنياهو حتى الآن من تحقيق هدفهما وباءت محاولتهما بالفشل.