Menu

الأسرى الفلسطينيون وقرار الكنيست بإقرار حكم الإعدام: تصعيد خطير يهدد آلاف الأرواح

عمر فارس

بوابة الهدف

في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة واستفزازية، صادق الكنيست الإسرائيلي مساء الاثنين 30 مارس/آذار 2026 على قانون يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، في تصعيد خطير يهدد حياة آلاف المعتقلين في سجون الاحتلال ويشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية. يأتي هذا القرار في سياق سياسي معقد يضع ملف الأسرى في قلب معادلات التصعيد، وسط مخاوف واسعة من تداعياته الإنسانية والقانونية.

 

السياق: آلاف الأسرى في سجون الاحتلال

 

بحسب مؤسسات فلسطينية مختصة بشؤون الأسرى، بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل أكثر من 9600 أسير حتى بداية شهر أبريل/نيسان 2026، استناداً إلى معطيات رسمية صادرة عن إدارة السجون الإسرائيلية. من بينهم 84 امرأة ونحو 350 طفلاً، يُحتجز معظمهم في سجني مجدو وعوفر. كما يبلغ عدد المعتقلين الإداريين نحو 3532 شخصاً، إلى جانب 1251 معتقلاً صنفهم الاحتلال تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين". هذه الأعداد الهائلة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تهددها عقوبة الإعدام الجديدة.

 

تفاصيل القانون: "إعدام شنقاً" دون استثناءات تذكر

 

قدّم مشروع القانون كل من حزب "القوة اليهودية" اليميني المتطرف، برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وعضو الكنيست نيسيم فاتوري من حزب "الليكود". وأقرّ الكنيست القانون بأغلبية 62 نائباً مقابل 48 معارضاً ونائب واحد امتنع عن التصويت.

 

ينص القانون - المسمّى "قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين، 5786–2026" - على أن "يعاقب بالإعدام فقط أي مقيم في المنطقة يتسبب عمداً في وفاة شخص، إذا كان الفعل يُشكل عملاً إرهابياً". ويُلزم القانون المحاكم العسكرية في الضفة الغربية، والتي تختص بمحاكمة الفلسطينيين فقط، بفرض عقوبة الإعدام شنقاً على أي شخص يُدان بقتل إسرائيليين، مع إبقاء خيار السجن المؤبد في حالات استثنائية نادرة للغاية.

 

من أبرز ملامح القانون الخطيرة:

 

  • لا يتطلب موافقة القضاة بالإجماع لفرض عقوبة الإعدام.
  • يُنفذ حكم الإعدام خلال 90 يوماً من تاريخ صدوره النهائي.
  • لا يحق للقائد العسكري العفو عن عقوبة الإعدام أو تخفيفها أو إلغائها.
  • يُطبّق القانون في أي منطقة تسيطر عليها إسرائيل فعلياً، بما في ذلك الضفة الغربية و53% من قطاع غزة.

 

دوافع عنصرية وتكريس للتمييز

 

يُكرّس القانون تمييزاً عنصرياً صارخاً، إذ يستثني المواطنين الإسرائيليين من العقوبة بينما يُطبّقها حصرياً على الفلسطينيين. فبحسب نص القانون، يُقصد بـ"مقيم في المنطقة" الفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية، مع استثناء "المواطنين الإسرائيليين أو المقيمين الإسرائيليين". وقد أثار إقرار القانون جدلاً واسعاً، ووصفه عدد من المسؤولين الفلسطينيين والخبراء الحقوقيين بأنه قانون فاشي وعنصري يكرّس نظام الفصل العنصري.

 

ردود الفعل الفلسطينية: غضب واسع وتحذيرات من كارثة

أثار إقرار القانون موجة غضب عارمة في الشارع الفلسطيني. فوصف مسؤولون فلسطينيون القانون بأنه "سابقة خطيرة تهدد حياة الأسرى في سجون الاحتلال". وقال المتحدث باسم حركة حماس ، حازم قاسم، إن المرحلة الحالية تتطلب "موقفاً جماهيرياً واسعاً" مناهضاً لقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين، داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها، داعياً المؤسسات الحقوقية الدولية إلى التحرك العاجل لمنع تنفيذ القانون.

 

أما على المستوى النفسي والإنساني، فقد كشفت شهادات أهالي الأسرى عن معاناة مضاعفة. فإحدى المواطنات من أهالي الأسرى وصفت القانون بأنه يعكس "إجراماً كبيراً وظلماً"، مشيرة إلى أن الأسرى ليسوا وحدهم من يدفعون الثمن، بل عائلاتهم أيضاً تعيش حالة من العزل والمعاناة اليومية. وتقول زوجة أحد الأسرى من قطاع غزة إن حياتها كانت تقوم على فكرة الإفراج كأفق محتمل، إلا أن القانون الجديد "جعلنا في خوف مستمر"، حيث تحولت حالة الترقب التي كانت تحمل في طياتها قدراً من الأمل إلى مصدر قلق دائم.

 

وتُظهر شهادات الأطفال بعداً آخر للأثر الممتد، حيث تتحول التجربة إلى فجوة زمنية وعاطفية في مرحلة التكوين. وتعبر طفلة حرمت من والدها منذ سنوات عن اشتياقها له، مؤكدة أنها "تراه في أحلامها" وتتمنى عودته، في علاقة باتت قائمة على الأحلام والذكريات أكثر من الواقع.

 

إدانات دولية واسعة

 

لم تقتصر ردود الفعل على الساحة الفلسطينية، بل امتدت إلى المجتمع الدولي. فقد أعربت كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة -في بيان مشترك- عن "قلق بالغ" حيال مشروع القانون، معتبرة أن "تبني مشروع مماثل يهدد بالمساس بالتزامات إسرائيل على صعيد المبادئ الديمقراطية". كما دانت ثماني دول إسلامية -هي الأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية و قطر ومصر- القانون "بأشد العبارات"، معتبرة أنه يشكل "تصعيداً خطيراً يقوض الاستقرار الإقليمي".

أما داخل إسرائيل نفسها، فقد وصف النائب في الكنيست من "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساوة"، عوفر كسيف، القانون بأنه "قانون تشريع للإبادة الجماعية"، مؤكداً أن عقوبة الإعدام "تفسد المجتمع وتكرّس العنف والتطرف وعدم الاكتراث بقيمة الحياة".

 

الخلاصة

يمثل قرار الكنيست الإسرائيلي بإقرار حكم الإعدام على الأسرى الفلسطينيين منعطفاً خطيراً في مسار الصراع، يهدد حياة آلاف المعتقلين ويُكرّس نظاماً تمييزياً يخرق القوانين الدولية. وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات الفلسطينية والعربية والدولية لإلغاء القانون والتحرك العاجل لحماية حقوق الأسرى الفلسطينيين، الذين باتوا يواجهون خطراً وجودياً غير مسبوق. إن هذا القانون لا يستهدف الأسرى فقط، بل يطال عائلاتهم في عمقها النفسي، ويعيد تشكيل علاقتهم بمفهوم الانتظار والأمل ذاته.